التقرير الشهري حال السعودية يوليو ٢٠٢٥
مقدمة
يهدف هذا التقرير إلى تقديم رصد وتحليل نقدي لأبرز الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية خلال شهر يوليو من عام ٢٠٢٥ مع التركيز على تقييم سلوك النظام السعودي وسياساته. التقرير يُسلط الضوء على التناقضات بين التوجهات المعلنة والسياسات الفعلية، وتأثيرها على القضايا الإقليمية والدولية. تم إعداد التقرير بالاستناد إلى مصادر متنوعة، تشمل وكالات أنباء محلية ودولية، وتقارير منظمات دولية، وتحليلات خبراء. في هذا التقرير، نسلط الضوء على هذه التناقضات من خلال قراءة نقدية لأبرز التحركات الدبلوماسية، والانتهاكات الحقوقية، والسياسات الاقتصادية، مدركين أن أي تحليل رصين لا بد أن ينطلق من الواقع، لا من ادعاءات السلطة، ومن مصالح الناس، لا من سرديات الأجهزة الرسمية.
يشهد الشارع السعودي في يوليو ٢٠٢٥ تطورات متسارعة تكشف بوضوح عن عمق الأزمة السياسية والاجتماعية التي تعصف بالبنية السلطوية الحاكمة، رغم محاولات التجميل الإعلامي والاستثمار في البروباغندا الناعمة. فمن تصاعد الإعدامات التي تحدث كل يوم، وتوظيف القضاء كأداة للبطش السياسي، إلى الإصرار على تقويض الحقوق والمطالب الفلسطينية تحت مسمى “المبادرات الدبلوماسية” ومن الإنفاق المالي اللامحدود على الرياضة لأغراض استعراضية وغسيل سمعة الفساد والقمع السياسي، إلى تجفيف مصادر الضمان الاجتماعي، كلها شواهد على عقلية سلطوية تعمل على تعميق الفجوة بين السلطة والمجتمع. وفي قلب هذه الدينامية يقف مشروع محمد بن سلمان، الذي لم يعد مشروع “تحول وطني” كما كان يُسوّق، بل مشروع احتكار شامل للسلطة والثروة والرمزية، والقمع بكل تجلياته.
إن سياسة الإعدامات المكثفة، بما تحمله من انتهاكات للإجراءات القانونية وضمانات المحاكمة العادلة، لم تعد مجرد وسائل لردع الجريمة، بل أدوات للضبط السياسي، والرسائل الرمزية الصارمة بأن الدولة لا تتسامح مع أي انحراف عن خطها السلطوي. كما أن توظيف ورقة التطبيع عبر وكلاء من خارج النسق الرسمي، يعكس انزياحاً جديداً في سياسة التمهيد النفسي والاجتماعي لتصفية المواقف الشعبية الرافضة للاحتلال. ومن جهة أخرى، فإن اللقاء السعودي-الإيراني ليس سوى إعلان صامت عن فشل المغامرة الإقليمية التي تبنّاها محمد بن سلمان شخصياً لعقد كامل، والتي انتهت بترميم الضرر لا صناعة التأثير.
وفي ظل هذا المشهد، تأتي قضايا البطالة، والإنفاق غير المسؤول، وتمركز الثروة في أيدي نخبة مرتبطة مباشرة بمحمد بن سلمان شخصياً، لتؤكد أن ما يُقدّم كـ”رؤية إصلاحية” ما هو إلا امتداد لديكتاتورية اقتصادية تعمل تحت شعارات التحديث. إن هذا التقرير يرصد بدقة هذه التحولات، ويضعها ضمن إطار نقدي ضمن قراءة معارضة للاستبداد والقمع، لا لمجرد تسجيل المخالفات، بل لتفكيك سلوك السلطة الاستبداد الذي يدير البلاد اليوم بمنطق القمع والتسلط لا دولة الحقوق والمؤسسات.
إعدامات لا حدود لها:
خلال هذا الشهر أعدمت الحكومة السعودية ٤١ حالة منها ٣٣.٩٪ بتهمة تهريب الحشيش، و ١٩٪ بتهمة الإرهاب و ١٥.٢٪ بتهمة تهريب الهيروين، و ٢.٨٪ بتهمة السطو والقتل. عند فحص البيانات الصادرة من وزارة الداخلية حول هذه الإعدامات نجد أن الإعدامات استهدفت السعوديين بنسبة ٤٠٪ ثم الإثيوبيين ٢٢.٥٪. والأهم عدد الإعدامات التي نُفذت بتهمة الإرهاب في تزايد. وعند التحقق من هذه الملفات نجد أن هناك تناقضات كبرى بين ما تنقله السلطات السعودية حول سبب جريمة القتل التي تدعي أنها بدوافع إرهابية، لكن يتبين أن الحكومة السعودية غيرت الحقائق. ففي أحد الحالات تبين أنه تم نشر الخبر في الصحف المحلية وقت وقوع الحادث في عام ٢٠١٧ أن المتهم أقدم على الجريمة تحتتأثير المخدرات. لكن السلطات السعودية منذ أكثر من عام وهي تقوم بحملات إعدامات متصاعدة وغير مكترثة بالتحقيقات العدلية فضلاً عن توفير ضمانات عادلة للمحاكمات.
أيضاً هناك تصاعد لعدد الجنسيات المصرية والصومالية والأثيوبية الذي تم إعدامهم وهناك أعداد تفوق ١٥٠ شخص يواجهون حكم الإعدام بسبب تهريب بعض المواد المخدرة. وأيضا هذه التهم يجيب أن يتم إعادة النظر فيها، لأن بعض المصادر الدولية “تفيد التقارير بأن بعض المواطنين المصريين و الإثيوبيين والصوماليين المحكومين حاليًا بالإعدام على خلفيّة جرائم تتعلق بالمخدرات قد يكونون من ضحايا الاتجار بالبشر، حيث أُجبروا أو خُدعوا لنقل مواد محظورة تحت التهديد أو بناءً على وعود زائفة. ومع ذلك، لم يُمنح معظمهم الفرصة للدفاع عن براءتهم أمام المحكمة.” ولهذا كتبت العديد من المنظمات الدولية والإقليمية بيانات حول تزايد خطر الإعدام على العديد من أصحاب الجنسيات المصرية والصومالية والإثيوبية، لهذا طالبت العديد من المنظمات باحترام كرامة الإنسان وإيقاف هذه الإعدامات وتوفير ضمانات قانونية لمحاكمة عادلة.
السعودية تدعو لعزل حماس وتحميلها المسؤولية:
خلال مؤتمر الأمم المتحدة في ٢٨ و ٢٩ يوليو بولاية نيويورك الأميركية، الذي استضافته السعودية وفرنسا، صدر “إعلان نيويورك“ المؤلف من سبع صفحات، دعا فيه إلى عزل حماس، وتجريدها من السلاح، وتسليم غزة للسلطة الفلسطينية وتشكيل لجنة انتقالية وإرسال بعثة تثبيت دولية، مع تجاهل إصرار الاحتلال على إنهاء الحصار أو القصف المدني بتاريخ وقت المؤتمر.
من وجهة نظر شعبية معارضة، هذه الخطوة تعكس خيانة إرادة الشعب السعودي الذي وقف دومًا إلى جانب المقاومة، ورفض التطبيع دون حل عادل للقضية الفلسطينية. عزل حماس هنا ليس دفاعًا عن الشعب الفلسطيني، بل تنازل سياسي تدريجي من السلطة السعودية عن أدوات المقاومة الشعبية مع التركيز على إرادة الغرب وإسرائيل، بينما يُغفل ضمنيًا الجرائم اليومية للجيش الإسرائيلي ضد المدنيين في غزة، بما في ذلك الحصار والقصف ونقص المعونات الذي تسبب في مجاعة فعلية. التحليل يشير إلى أن الرياض تتبع نهجًا سلطويًا سياسيًا يخدم مصالحها في التقرب من الغرب وأوروبا، وذلك عبر تقديم نفسها كقوة معتدلة ومتعاونة، تمهيدًا لمكاسب محتملة في مجالات مثل الطاقة النووية، الأمن، والاستثمارات الدولية. عزل المقاومة وتجاهل العدوان الإسرائيلي اليومي يُستخدم لكسْب ودّ الغرب، بغض النظر عن المطالب الشعبية التي تطالب بحماية الشعب الفلسطيني. من هذا المنظور، يُنظر إلى الموقف السعودي الجديد على أنه تنازل سياسي مدفوع بمصالح النخبة، لا يعكس شعارات العدالة أو التضامن الشعبي .
لقاء محمد بن سلمان مع وزير الخارجية الإيراني عباس أرقجي:
في الثامن من يوليو ٢٠٢٥، استقبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وزير الخارجية الإيراني عباس أرقجي في مدينة جدة، في لقاء وُصف رسميًا بـ”المثمر”، ودار حول قضايا الأمن والسلام الإقليميين، وذلك بعد شهور من تصاعد الحرب الإيرانية-الإسرائيلية. لكن خلف هذه المجاملة الدبلوماسية تكمن تحولات جذرية في عقيدة السياسة السعودية، تكشف حدود القوة والخطاب التهويلي الذي تبنته السلطة في بدايات صعودها.
عند استذكار تصريحات محمد بن سلمان الشهيرة في ٢٠١٧ عندما قال بالنص: “لن ننتظر حتى تصبح المعركة فيالسعودية، بل سنعمل على أن تكون المعركة في إيران نفسها“، نجد أننا أمام تحوّل درامي في طبيعة السلطة السعودية من تبنّي استراتيجية هجومية وصدامية، إلى الالتفات نحو سياسة واقعية تقوم على امتصاص التوتر والتطبيع مع الخصوم الإقليميين. تلك التصريحات، التي جاءت ضمن موجة “حماسة ما بعد الانقلاب الناعم” الذي أقصى فيه بن سلمان خصومه داخل العائلة الحاكمة، كانت تعكس مزاجًا عدائيًا صريحًا تجاه طهران، ضمن استراتيجية واشنطن-تل أبيب لمحاصرة النفوذ الإيراني في المنطقة.
غير أن سلسلة من الإخفاقات السياسية – في اليمن، وفي توازنات العراق وسوريا ولبنان – كشفت محدودية خيارات السعودية في شن حروب بالوكالة أو في قيادة تحالف إقليمي ضد إيران. لم تُحقق الحرب في اليمن أياً من أهدافها بعد عشر سنوات، كما أدى الانسحاب الأمريكي من ملفات المنطقة إلى فراغ أجبرت السعودية على ملئه بسياسة “خفض التصعيد” بدلًا من التصعيد نفسه.
لقاء جدة هو نتاج مباشر لهذه التحولات؛ ليس لأنه ينبئ بتقارب سعودي–إيراني استراتيجي حقيقي، بل لأنه يمثل إقرارًا واقعيًا من السلطة السعودية بحدود قوتها وبأن لغة المواجهة لم تعد تجلب مكاسب، لا اقتصاديًا ولا سياسيًا. لكنه في ذات الوقت يُظهر تناقض السلطة: فهي تبني خطابًا خارجيًا عقلانيًا تجاه إيران، بينما تحتفظ بمنظومة قمعية داخلية تسحق بها المعارضة وتجرّم أبسط أشكال التعبير السياسي. لهذا السلطة السعودية لا تنفتح على طهران حبًا في السلم، بل اضطرارًا لإعادة التوازن السياسي الخاص بالمنطقة كما يفترض أن يكون منذ البداية وليس بالعنجهياتوالخطابات الشعبوية.
خطوات نحو التطبيع:
في أول أسبوع من يوليو ٢٠٢٥، اتخذت السلطة السعودية سلسلة من الخطوات السياسية المُموّلة بعناية، بهدف تمهيد الأجواء الداخلية والخارجية نحو التطبيع مع “إسرائيل”، عبر صدمات اجتماعية توزع مبادرات من أطراف غير مباشرة، بما يخدم رؤية رسمية لنسج توافقٍ سياسي دافئ. وفي قلب هذا المشهد، ظهر الصحفي السعودي عبدالعزيز الخميس(الخمّيس)، الذي ألقى كلمة نادرة داخل الكنيست الإسرائيلي في ٩ يوليو ٢٠٢٥، في جلسة عُقدت ضمن ما يُعرف بـ”اللوبي لتعزيز الأمن الإقليمي” الذي أسسه نواب من المعارضة الإسرائيلية من بينهم يائير لابيد وجيلاد كريف ورام بن باراك. وقد وُصف حضور الخميس بأنه جزء من مساعي سعودية غير مباشر للترويج لشرعية التطبيع تحت قناع التحفظ المشروط وإنقاذ القضية الفلسطينية المنتهكة.
ذكر الخميس في كلمته أمام الكنيست، قال الخميس باللغة الإنجليزية إن القضية الفلسطينية تتوسط اهتمام الرياض: “لا دولة تتوقع أن تُعجب عندما يكون شعبنا المجاور مسجونًا ومُسحقًا. التطبيع من منظور السعودية ليس مجرد اتفاق ثنائي، بل هو إعادة ترتيب إقليمي تحتاج لطريق ملموس نحو السيادة الفلسطينية”. كما جعل من غزة “العائق الرئيسي” أمام أي سلام إقليمي، مبررًا لصوغ شرطية التطبيع بأنه يأتي بعد التوصل إلى تسوية حول غزة، رغم أن ذلك لا يخدم في الواقع حقوق الشعب الفلسطيني كما يروج له.
من وجهة نظر نقدية، هذه الخطوات تكشف عن استراتيجية سلطوية ذكية: تظهر الرياض كطرف معارض للتطبيع من حيث المبدأ، لكنها في الواقع تُموّل خطابًا يسمح بمنح الأصوات “المعتدلة” مثل الخميس والمنضمين من الخارج للقيام بمهام التمهيد السياسي، بدون احتكاك شعبي مباشر أو التزام رسمي بالتطبيع. هذه الديناميكية تنتهجها السلطة السعودية لتقويض المقاومة الشعبية النابعة من قواعد المجتمع، بينما تُكرّس سلوكًا سياسيًا يخالف ذلك تمامًا.هناك تفادي متعمد للمستوصف المدني والآراء الشعبية، فيُستخدم إعلاميون ومدنيون سعوديون يعملون من خارج البلاد كواجهة “مصرَّحة”، تتحدث للكنيست نيابة عن الدولة الرسمية، لكنها في الجوهر أداة لتسويق التطبيع باسم السلام الإقليمي والشعارات الإنسانية الظاهرية.
باختصار، السعودية خلال يوليو ٢٠٢٥ لم تُقدِّم إعلانًا رسميًا عن التطبيع، لكنها أوصلت رسائل متسلسلة: من خلال لقاء الخميس في الكنيست، ومن خلال دعمٍ غير رسمي لعقد سياسي دبلوماسي يهيئ الرأي العام، وتنعش ما يمكن تسميته بـ”الصدمة الاجتماعية المنظمة” عبر أطراف غير مباشرة لتهيئة الداخل لتقبل سياسة رسمية مستقبلية. وفي النهاية، يبدو أن السلطة السعودية تعمل على قمع الرأي المناهض داخليًا بينما تبني تحالفات سياسية وتوافقات خارجية دون أن تُسمّي التطبيع أو تقدمه صراحة.
هذا النهج يُظهر ازدواجية صادمة: تعلن الدفاع عن فلسطين، بينما تعبث في الأساس بقمع المجتمع في إظهار أي تعاطف شعبي تضامني مع القضية الفلسطينية، إضافة إلى تجفيف كافة مصادر المعرفة والتاريخ والتعليم ضد أي سردية أو معلومة تدين الاحتلال الصهيوني الفاجر بما يخدم مصالح تحالفها الخارجي معه، ويتجاهل تمامًا رغبة الشعب السعودي الرافضة لأي اختراق عبر التطبيع المبطن. وأيضا معاقبة كل صوت وطني يتضامن مع القضية الفلسطينية منذ سنوات، حتى أضحت مناصرة القضية الفلسطينية تهمة.
الإنفاق المالي على الأندية الرياضية:
في يوليو ٢٠٢٥، قررت المملكة الاستثمار المفرط في كرة القدم الاستعراضية عبر تجديد عقود نجوم كبار بعقود يعتبرها كثيرون تبذيراً بالمال العام في ظل وجود عجز مالي واضح. فقد وُثّق أن عقد كريستيانو رونالدو مع نادي النصر قد يصل إلى نحو ٢٠٠ مليون دولار سنوياً، أي ما يُعادل نحو ١٦.٧ مليون دولار شهرياً فقط خلال يوليو ٢٠٢٥. وأيضاً اللاعب البرتغالي جوه Félix انضم إلى نادي النصر بعقد مدته سنتان قيمته الأساسية نحو ٣٠ مليون يورو مع إضافات محتملة قد تصل إلى 50 مليون يورو. ثيو هيرنانديز وقع عقداً لمدة ثلاث سنوات مع الهلال قادماً من ميلان، في صفقة ضخمة رغم عدم إعلان القيمة الرسمية.
هذا الإنفاق المالي الضخم فقط لعدد من اللاعبين – أي أكثر من ١٠٠ مليون دولار في يوليو وحده – يضع السؤال: هل يمكن تبرير كل هذا الإنفاق؟ تشير بعض المصادر الاقتصاد عن إنفاق الحكومة السعودية في وقت لاحق ما يقدر بإجمالي يبلغ نحو ٩٥٧ مليون دولار في موسم الانتقالات ٢٠٢٣، ثم تراجع إلى ٤٣١ مليون دولار في نافذة يناير ٢٠٢٥، ولكن يوليو يُعدّ متصل بذات الدينامية الاستقطابية لفئة النخبة.
في المقابل، وعلى الصعيد المالي الكلي، تواجه السعودية عجز ميزانية متسارع — بلغ ٥٨.٧ مليار ريال (حوالي ١٥.٦ مليار دولار) في الربع الأول من ٢٠٢٥ وحده، وهو ما يُمثّل أكثر من نصف العجز المتوقع لسنة كاملة والذي يتجاوز ١٠١ مليار ريال (٢٧ مليار دولار). من ثم، يبدو الإنفاق الرياضي الفلكي، حتى في مجرد شهر يوليو، شكلاً بارزاً من تبديد المال العام في وقت تعاني الدولة شحاً في الإيرادات النفطية وانخفاض أرباح أرامكو بنسبة كبيرة، ما زاد العبء المالي والتهديد لاستدامة المشاريع الكبرى ضمن رؤية ٢٠٣٠.
تداعيات مثل هذا الإنفاق تثير تساؤلات جدّية لدى المواطن: هل تُعدّ إدارة هذه الأموال لصالح الشعب أم هي رفاهية لفئة محدودة ومنفصلة عن المجتمع؟ وهل الأساس الحقيقي لهذا الإنفاق هو بناء تنافسية رياضية استراتيجية، أم مجرد محاولة مؤقتة لمراكمة الانتباه الدولي والتغطية على التخبط السياسي والقمع والفشل التنموي؟ والنقد هنا مبرّر لأن الدولة في حاجة ماسة لضبط أولويات الميزانية وتوجيه الإنفاق نحو مشروعات ذات عائد مجتمعي حقيقي وليس مجرد ترف نقدي أو إعلامي.
في نفس السياق، يعكس مشهد خروج الهلال من منافسات كأس العالم مفارقة صارخة، رغم الإنفاق اللامحدود والتعاقدات الفلكية التي حظي بها خلال العامين الماضيين. فقد أنفق النادي مليارات الدولارات لاستقدام نجوم عالميين مثل نيمار، كوليبالي، مالكوم، في محاولة لبناء “فريق أحلام” سعودي قادر على حصد كل الألقاب، محليًا وقاريًا ودوليًا. لكن الخروج المبكر للهلال يؤكد مرة أخرى أن المال، مهما تضخم، لا يصنع وحدة المجد الرياضي. فقد أظهرت المواجهات أن الفريق يعاني من افتقار للانسجام، ورؤية فنية متذبذبة، إضافة إلى ضغط جماهيري لا يتوقف عن المطالبة بالنتائج السريعة، وكأن الكفاءة تُشترى كما تُشترى العطور الفاخرة. إن فشل الهلال هذا ليس مجرد سقوط رياضي، بل هو رسالة سياسية صامتة تقول إن “التبذير لا يساوي الإنجاز”. فحين تُهدر مليارات من المال العام وحقوق الشعب على كرة القدم بينما تتراجع الخدمات العامة وتزداد المديونية وتتفاقم معدلات البطالة، يصبح الخروج الكارثي للهلال رمزًا لتصدع رؤية رياضية بنيت على الاستعراض والفساد لا على التخطيط.
الدرس واضح: الغسيل المالي لا يكفي لصناعة النجاح، والبطولات لا تُشترى بالمزايدات، بل تُبنى بالعمل الطويل، والتأسيس القاعدي، والاعتماد على منظومة تستثمر في الإنسان قبل العلامة التجارية. فالهلال اليوم، رغم كل ما أُنفق عليه، لا يمثل سوى قمة جبل جليدي من مشروع رياضي تهيمن عليه صورة الاستعراض بدلاً من الجوهر. إن الرياضة السعودية بحاجة إلى مراجعة حقيقية: من الأولويات إلى التقييم، ومن الوجاهة إلى الفعالية. فالخروج من البطولة ليس النهاية، بل فرصة لفهم أن السيادة الرياضية لا تُستورد، بل تُزرع.
تركي بن سلمان يقود شركة موازية لصندوق الاستثمار:
في تحول لافت في بنية الاقتصاد السعودي، بات الأمير تركي بن سلمان، الشقيق الأصغر لولي العهد، يقود شركة ثروات القابضة التي تُقدّر أصولها بأكثر من ٢٥٠ مليار دولار، وفقًا لتقرير صادر عن وكالة بلومبيرغ (يوليو ٢٠٢٥). تلعب الشركة اليوم دور “البوابة الأمامية” للشركات الأجنبية الراغبة في الاستثمار داخل المملكة، وخصوصًا في مشاريع “نيوم” ذات الطابع السيادي والتقني. لكن هذا التمركز غير الرسمي يطرح إشكالات عميقة حول الحوكمة، والتوازن المؤسسي، ودور القطاع العام في السعودية. إذ تُمنح شركة مملوكة بشكل غير مباشر لفرد من العائلة المالكة سلطة اتخاذ القرار النهائي في صفقات استثمارية تتجاوز قيمتها مليارات الدولارات، في وقت تعاني فيه الدولة من عجز مالي وتسعى لتقليص النفقات.
يشير تقرير بلومبرغ الاقتصادي إلى أن الأمير تركي أصبح “قوة موازية” لصندوق الاستثمارات العامة، لا بل يتجاوز دوره التنسيقي إلى سلطة تقريرية في توقيع العقود ومراجعة المقترحات الاستثمارية. بل أن عدداً من المشاريع في “نيوم” و”القدية” تمر عبر مكتبه لا عبر المؤسسات الرسمية، مما يُضعف مبدأ الشفافية، ويُقوّض استقلالية القرار الاقتصادي الوطني. من وجهة نظر نقدية، هذا التمكين غير المؤسسي يُعيد إنتاج البنية الريعية القديمة بثوب “حداثي”، حيث تدار الموارد من قبل أفراد الأسرة المالكة لا عبر مؤسسات خاضعة للمساءلة أو الرقابة البرلمانية أو الشعبية. كما أن جعل الدخول إلى السوق السعودي مرهوناً بعلاقة مباشرة مع تركي بن سلمان، لا باللوائح القانونية والبيئة الاستثمارية، يقوّض فكرة العدالة التنافسية ويعمّق سطوة السلطة بدل تحرير السوق. ما يحدث ليس تمكينًا اقتصاديًا، بل تركيزًا هرمياً للثروة والقرار، وهو أمر مقلق في سياق دولة تتحدث عن التحول والانفتاح بينما تُعزز احتكار العائلة للثروة والفرصة.
من منظور نقدي، يُطرح السؤال: هل مثل هذا الانفراد بالمراكز الحيوية – خارج إطار الشفافية والمساءلة– يخدم المصلحة العامة أم يعمّق الفساد المالي في أداء الدولة؟ فقد اتُّهم صندوق الاستثمار سابقًا بضعف في الحوكمة، وتركيزية السلطة تحت قبضات محدودة ضمن الدائرة الضيقة للأمير محمد بن سلمان وأقاربه. اختصاراً، هذا القرار يُعد تعميقًا لهيمنة أفراد من العائلة المالكة على إدارة رأس المال العام، بدل توزيع الأدوار مؤسسيًا بشفافية ومهنية. وخطره لا يقتصر على خطر تكرار مركزية السلطة، وإنما يشمل إمكانية استثمار الأموال العامة كأداة سياسية أكثر من كونها خدمة للنمو الاقتصادي المنضبط.
إيقاف صرف الضمان الاجتماعي:
في يونيو ٢٠٢٥، أعلنت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية عن إيقاف صرف معاشات الضمانالاجتماعي لأكثر من ٧٣٠٠ مستفيد تتراوح أعمارهم بين ١٨ و٤٠ عامًا، بعد ثبوت عدم جديتهم في البحث عن عمل ورفضهم فرص التوظيف أو التدريب التي قدّمتها لهم عبر “هدف” والمنصات المعتمدة. في الواقع الأرقام أكبر من الرقم المعلن، إضافة إلى أن سياسات الموارد البشرية خلال السنوات الماضية تحاول عرقت موضوع الضمان الاجتماعي تحت بنود وتشريعات كثيرة لتقليل الصرف على الشرائح الاجتماعية الأكثر عوزاً وحاجة للمال. حيث هناك العديد من الأيتام والأرامل والمعاقين وأصحاب الحاجة ممن لا دخل لهم. كما أن هذه الشرائح تعاني من أزمة رعاية مالية محدودة، لكن الدولة تتجاهل النظر لهم بوصفهم مستحقين لهذا هي تتخلى عن دورها في صرف مبالغ محدودة لهذه الشرائح.
علاوة على ذلك، قد يؤدي الإيقاف المفاجئ إلى تقويض غاية النظام: تمكين المستفيدين نحو الاعتماد الذاتي، إذ يحرمهم من الحد الأدنى من الاستقرار المالي المطلوب للالتحاق بفرص العمل أو برامج التدريب. ويطرح السؤال: هل أصبح التمكين عبر الضمان مشروطًا بصياغات إجرائية لا تراعي الجوانب الإنسانية؟
تفشي البطالة:
في يوليو ٢٠٢٥، بالرغم من التصريحات الرسمية التي تتغنّى بالإنجازات في سوق العمل، تكشف البيانات عن فشل واضح في تحقيق فرص حقيقية للمواطنين. وفقًا لمؤسسة الإحصاء السعودية بلغت نسبة البطالة الإجمالية (للسعوديين وغير السعوديين) في الربع الأول من ٢٠٢٥ حوالي ٢.٨٪، بينما سجلت البطالة بين السعوديين ٦.٣٪ هذه الأرقام مشكوك في واقعيتها ومصداقيتها ومع هذا بالنظر إلى الأهداف الطموحة لـ”رؤية 2030″، فإنها تكشف هشاشة التقدم وتقاعسًا في معالجة البطالة الحقيقية.
في الوقت ذاته، تبرز أخبار عن تسريح نحو ١٬٠٠٠ موظف من مشروع نيوم، أي ما يقارب ٢٠٪ من القوى العاملة، ضمن عملية إعادة هيكلة ونقل موظفين إلى الرياض مع فقدان امتيازات كاملة كالإقامة والإعاشة، ما يعني خفضًا فعليًا في الرواتب. كيف يُحتفى بهذه “الإصلاحات” في سوق العمل في صورته الرسمية، بينما تُسحق العمالة الفعلية بتحويلات وظيفية تفقد أصحابها حقوقهم؟
هذا التناقض يفضح الوجه القبيح للنظام: من جهة، يُروّج بانخفاض البطالة وارتفاع مشاركة المرأة في سوق العمل (من ٣٦.٣٪ مشاركة نسائية وانخفاض بطالة نسائية لـ ١٠.٥٪)، ومن جهة أخرى، تُمارس السلطة تسريحات جماعية لأي مشروع لا يخضع لإدارتها المطلقة.
لهذا إن ما يحصل ليس إصلاحًا اقتصاديا، بل تنميط إعلامي وتجميل للعجز السياسي. الفساد المؤسسي والإدارة غير الشفافة داخل المشاريع الكبرى مثل نيوم تُكرّس الممارسات اللامسؤولة: ميزانيات مهولة، تجاوزات مالية مُثبتة بتقرير تدقيق داخلي اكتشف “دليل على تلاعب متعمد” من الإدارة العليا. إن وعود السلطة ومحمد بن سلمان شخصياً بتوفير ملايين الوظائف السعودية تبقى شعارًا ترفّعه السلطات لتغطية عجز مؤسساتي حقيقي. أما العمال الذين يُُقالون أو يُحوَّلون دون ضمانات — فهم الضحية الحقيقية لنظام تحكمه المحسوبية والفساد والهيمنة المطلقة على الاقتصاد.
وفاة مؤسس المدخلية:
توفي الشيخ ربيع بن هادي المدخلي في ٩ يوليو ٢٠٢٥ عن عمر ناهز ٩٢ عامًا في المدينة المنورة، وتم تشييع جنازته في المسجد النبوي صباح ١٠ يوليو. يُعرف بأنه المؤسس الفعلي لموجة “المدخلية” وهي تيار سلفي سياسي واجتماعي يدعو إلى الطاعة المطلقة للحاكم، وحظر أي معارضة أو احتجاج ضد الأنظمة السلطوية. وهو إمتداد وتطور للتيار الجامي التابع للشيخ محمد أمان الجامي. حيث يقوم التيار المدخلي والجامي بالأساس على توفير كافة أشكال الولاء الديني وعكف وتحريف النصوص الدينية لأجل إظهار الولاء السياسي للحاكم، إن الإرث الذي تركه المدخلي ليس مجرد منظومة فكرية، بل خطابًا شرّع تحت يافطات رسمية دينية لصالح دعم الاستبداد بحجة الاستقرار. وعندما تُوظف النصوص الدينية لتبرير غياب المساءلة، فإنها لا تكرس الدين، بل تغلف مظاهر الاستبداد بصيغة شرعية. وفاة المدخلي، هي فرصة لمراجعة علاقة بعض رجال الدين مع السلطة، وكيف يتعاملون مع النصوص الدينية لأجل دعم الاستبداد، بعيداً عن إجماع علماء الأمة في الحفاظ على المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية، فإن الجامية لديها تفسير مركزي مشوه للإسلام يركز فقط على وجوب الامتثال للحاكم متجاهل مقاصد الشريعة وعزة وكرامة الإنسان.
الخاتمة:
ما تكشفه وقائع يوليو ٢٠٢٥ ليس مجرد سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل تعبير عن نمط حكم يرتكز على ثلاثية مدمرة: تغوّل السلطة، تهميش المجتمع، وتعميم التزييف. فالإعدامات لا تهدف لتحقيق العدالة، بل لإرساء مناخ من الرعب السياسي؛ والتطبيع لا يُفرض باسم السلام، بل يُمرّر كصفقة مع الخارج لإعادة إنتاج شرعية مفقودة في الداخل. أما الرياضة والاقتصاد، فيُستخدمان كأدوات ناعمة لصرف الانتباه عن القمع، بدلاً من أن يكونا رافعة للكرامة الوطنية.
فمن جهة، تتزايد معدلات الإعدام بشكل مقلق، دون وجود ضمانات لمحاكمات عادلة، ما يحوّل القضاء إلى أداة قمع سياسي بلبوس قانوني. ومن جهة أخرى، تواصل السلطة مسارها في تطبيع العلاقات مع إسرائيل بشكل غير مباشر، مستخدمة شخصيات إعلامية كواجهات للتسويق، بعيدًا عن أي نقاش شعبي أو تفويض مجتمعي، بل في ظل تجريم الأصوات المناهضة للتطبيع داخل البلاد.
في ذات السياق، تكشف اللقاءات الدبلوماسية مع إيران عن تراجع صريح في الخطاب التصعيدي الذي كانت تتبناه القيادة السعودية سابقًا، وهو ما لا يعكس نضوجًا سياسيًا بقدر ما يعكس انكشاف عجز الرؤية الإقليمية التي حاولت الرياض فرضها خلال السنوات الماضية. السياسة الخارجية السعودية اليوم تُعاد هندستها ليس لتحقيق توازن إقليمي عادل، بل لحماية مصالح النظام نفسه، وشراء الوقت في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة.
اقتصاديًا، يتفاقم التناقض بين الواقع والمعروض؛ إذ تنفق الدولة مليارات الدولارات على عقود كروية فلكية، فيما يعاني الاقتصاد الوطني من عجز متسارع وتقلّص في الاحتياطي المالي، وتسريح للعمال في مشاريع ضخمة مثل نيوم. وبدلًا من مواجهة الأزمة عبر إصلاح مؤسسي، تعمّق السلطة احتكارها من خلال تمكين شخصيات من العائلة الحاكمة، كالأمير تركي بن سلمان، من السيطرة على مفاصل القرار الاستثماري، خارج الأطر المؤسسية والرقابية. إن إعادة تشكيل البنية الاقتصادية عبر أدوات غير شفافة كمؤسسة “ثروات” بإشراف الأمير تركي بن سلمان، ليست إلا نموذجًا مصغرًا عن مشروع “الخصخصة النخبوية” الذي يحتكر المكاسب ويفرّغ المؤسسات من مضمونها العام. وكل ذلك في سياق تتراجع فيه الضمانات الاجتماعية، وتُحرم فيه الطبقات الفقيرة من الحد الأدنى من الأمان المعيشي.
ما يُرصد هنا ليست أخطاء عرضية، بل سياسة متعمدة لإعادة تشكيل المجتمع والدولة وفق معايير الولاء والتمويه والاستعراض. وتكمن الخطورة في أن هذا النمط يُفرّغ الدولة من معناها، ويجعل من المستقبل الوطني رهينة لنزوات فردية ومشاريع انتقائية لا تعبّر عن إرادة الناس. من هنا، فإن الحاجة إلى رصد انتهاكات السلطة وتوثيقها وتوعية المجتمع بالأخطار المحدقة بها وتكاتف الجميع ضمن إطار وطني ضد الاستبداد يعد ضرورة في هذه المرحلة، حيث أنه لا مناص للمجتمع من وجود خطاب مضاد للسلطة وند لها في مشروعها القمعي.