التقرير الشهري حال السعودية سبتمبر ٢٠٢٥
مقدمة
يهدف هذا التقرير إلى تقديم رصد وتحليل نقدي لأبرز الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية خلال شهر سبتمبر من عام ٢٠٢٥ مع التركيز على تقييم سلوك النظام السعودي وسياساته. التقرير يُسلط الضوء على التناقضات بين التوجهات المعلنة والسياسات الفعلية، وتأثيرها على القضايا الإقليمية والدولية. تم إعداد التقرير بالاستناد إلى مصادر متنوعة، تشمل وكالات أنباء محلية ودولية، وتقارير منظمات دولية، وتحليلات خبراء. في هذا التقرير، نسلط الضوء على هذه التناقضات من خلال قراءة نقدية لأبرز التحركات الدبلوماسية، والانتهاكات الحقوقية، والسياسات الاقتصادية، مدركين أن أي تحليل رصين لا بد أن ينطلق من الواقع، لا من ادعاءات السلطة، ومن مصالح الناس، لا من سرديات الأجهزة الرسمية.
يقدّم هذا التقرير قراءةً تحليلية متوازنة للمشهد السعودي خلال شهر تصاعدت فيه التهديدات الأمنية والارتباكات المؤسسية، بدءًا من الضربة الإسرائيلية الغادرة للدوحة وما حملته من رسائل استراتيجية هزّت افتراضات الأمن الإقليمي، مرورًا بردود الفعل السعودية دبلوماسيًا وعسكريًا، وصولًا إلى انعكاسات الداخل: من الإعدامات والمحاكمات المقفلة، إلى إعادة تشكيل الرمزية الدينية، وتسييس المجال العام عبر قرارات رمزية وبرامج ترفيهية تستنزف المال العام. ينطلق التحليل من مبادئ تؤكد على: المشاركة الشعبية والرقابة العامة واحترام الحقوق والحريات بوصفها أعمدة للأمن الحقيقي لا هوامشه.
يرى التقرير أن اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي ومقتضيات الحكم الرشيد يهدّد الاستقرار على المديين المتوسط والبعيد؛ فالتعويل على تحالفات أمنية مبهمة، أو على “مكاسب” ترفيهية سريعة بلا تدقيقٍ مستقل في الجدوى، لا يعالج هشاشة الدولة الفارغة من الشرعية الحقيقية، ولا يبني شرعيةً قائمة على المشاركة الشعبية. كما يُحاجج بأن الأمن الخليجي لا يتحقق بترحيل المخاطر أو باختبار حدود «قواعد الاشتباك» على حساب سيادة الدول وحقوق شعوبها، بل ببناء منظومة ردعٍ ووقايةٍ إقليمية تحكمها القواعد والقانون، وتستند إلى دعمٍ واضحٍ للحق الفلسطيني والعدالة الدولية.
بهذه الروح، يجمع التقرير بين تشخيص الوقائع وتقديم مقاربةٍ واقعية تُوازن بين الضرورات الأمنية والمبادئ الديمقراطية: وقف تسيس القضاء، إطلاق الحريات في المجال العام، إخضاع الإنفاق العام والاتفاقيات الأمنية لتدقيقٍ برلماني ومجتمعي مستقل وحر، وفصل الرمزية الدينية عن أدوات الشرعنة السياسية. الغاية ليست الإدانة الخطابية، بل اقتراح نكرره في كل تقرير وكل خطاب ومقال على ضرورة وجود مسار عملي يردم الهوة بين وعد الإصلاح ومتطلبات الدولة العادلة الحديث وذلك لن يكون إلا بالمشاركة الشعبية في العملية السياسية.
ضربة قطر
في ٩ سبتمبر أقدم الاحتلال الصهيوني ضربة صاروخية على مجمّع سكني في الدوحة استهدفت قيادات سياسية من حركة حماس أثناء بحث مقترح لوقف إطلاق النار. أسفرت الضربة عن استشهاد ستة من حركة حماس، وقوّضت أشهراً من الوساطة القطرية في ملف غزة، وفق ورويترز، كما وصف أمير قطر الهجوم بأنه محاولة لعرقلة المفاوضات. كشفت هذه الضربة عن المدى الذي يمكن للمحتل أن يصل إليه. عسكريًا، رجّحت تقارير متخصّصة أنّ صواريخ أُطلقت من طائرات إسرائيلية فوق البحر الأحمر، سلكت مسارات غير متوقعة وتجاوزت منظومات الرصد، ما يفسّر عنصر المفاجأة وعدم فعالية الدفاعات وفشلها في كشف هذا الاختراق، ولهذا أثارت هذه الضربة نقاشًا أمنياً خليجيًا حول فجوات الإنذار المبكر والتكامل الدفاعي رغم العقود والبرامج الدفاعية الأمريكية والبريطانية التي تبين أنها فشلت في هذا الاختبار الحقيقي.
على مستوى الأمن الخليجي، تعتبر حادثة ضرب قطر سابقة عسكرية خطيرة كسرت «قواعد الاشتباك» الضمنية خارج مسارح الحرب المباشرة، وهو ما يشعر دول الخليج بأن الضغوط العسكرية قد تمتد جغرافيًا إذا ارتبطت باعتبارات تفاوضية، وأن ما حدث هو يمكن أن يكون كاختبار من الاحتلال على ردة فعل دول المنطقة في التقييم والاستجابة وردت الفعل، وما تبين أنه عجز لا مثيل له في اتخاذ موقف حقيقي غير خطابي. أكدت العديد من التقارير الإعلامية العربية والدوليةإلى أن الهجوم زاد المخاوف من ضربات مماثلة في دول أخرى، ورفع كلفة الوساطة السياسية إقليمياً.
ردّ الفعل السعودي جاء سريعًا وعلى مستويين: دبلوماسي مباشر واتصال من ولي العهد بالأمير تميم مؤكّدًا التضامن وإدانة «الهجوم الإسرائيلي السافر»، ثم بيان رسمي لوزارة الخارجية يدين التصريحات والممارسات العدوانية ويحذّر من انتهاك القوانين الدولية. وفي الأمم المتحدة، جدّد وزير الخارجية الإدانة لهجوم إسرائيل على قطر ضمن موقف أشمل من حرب غزة. على المستوى المحلي في السعودية، كشف الإخفاق الأمني عن ضرورة مراجعة مسارات التحليق المحتملة للصواريخ الجوّالة أو الباليستية فوق البحر الأحمر والجزيرة العربية، وتعزيز الربط بين الرادارات وأنظمة القيادة والسيطرة، ولا سيّما أن تقارير عدة أشارت إلى (مسارات عبر الأفق) أربكت أنظمة الإنذار. سياسيًا، تُفاقم الضربة هشاشة البيئة الإقليمية المحيطة بمبادرات التهدئة التي تدعمها الرياض، وتزيد حساسية ملف التطبيع/التسوية المشروط بوقف حرب غزة.
في ضوء ما سبق، يتضح أن الضربة الإسرائيلية على الدوحة لم تكن حادثًا معزولًا، بل رسالة استراتيجية تقول بوضوح إن كل أشكال الانفتاح والتطبيع أو محاولات الوساطة الخليجية لا تمنح حصانة أمنية حقيقية. إن الرهان على شراكات معلنة أو سرية مع الاحتلال ظهر هشّ؛ فإسرائيل لم تتردّد في استهداف عاصمة خليجية رغم علاقاتها المفتوحة مع بعض دول المنطقة وسعيها للتطبيع. إن هذا الهجوم يكشف أن العلاقة مع قوة استعمارية توسعية، ترفض أي التزام بالقانون الدولي أو احترام سيادة الدول، هي علاقة فاشلة بطبيعتها. فهي لا تضمن سلامًا، ولا توفر مظلة حماية، بل تُحوِّل الأطراف العربية إلى أدوات وظيفية يمكن تجاوزها أو الضغط عليها متى اقتضت المصالح العسكرية والسياسية. وبناءً عليه، فإن أي أمن خليجي مستدام لا يمكن أن يُبنى على المساومة مع احتلال يمارس القتل والتوسع بلا رادع، بل على إعادة تعريف الموقف السياسي بالانحياز الواضح للحق الفلسطيني ودعم مقاومة الاستعمار، وتحصين القرار الإقليمي بسيادة حقيقية. من دون هذا الانحياز، ستبقى العواصم عرضة لاختراقات أمنية وضغوط سياسية متكررة، وستبقى كل وعود «السلام» المقدمة من الاحتلال سرابًا ينهار عند أول اختبار ميداني وخصوصاً مع إعلان الاحتلال من فترة إلى أخرى عن مطامعه الاستعمارية التوسعية في المنطقة دون أي رادع حقيقي لسيادة الدول.
الاتفاق السعودي مع باكستان:
في خطوة عاكسة للإصلاحات السعودية المزعومة، أقدمت السعودية على توقيع اتفاقية دفاع استراتيجي مع باكستان تُلزمهما بمعالجة أي عدوان على أحدهما باعتباره عدواناً على الآخر. هذه الخطوة، التي تأتي في أعقاب الضربة الإسرائيلية على قطر، تُظهر بجلاء الطبيعة المترهّلة للهيكل الأمني السعودي وسقوط الأوهام التي أحاطت حول التحالف الأمريكي الحصين. أولاً، يجب أن نقرأ هذه الاتفاقية كإقرار ضمني بفشل السعودية في تأمين نفسها عبر حليفها الأبرز، الولايات المتحدة. فالهجوم الإسرائيلي على قطر أحدث صدمة في الخليج، وأثار تساؤلات جدّية حول مدى التزام واشنطن بالدفاع عن حلفائها عندما تخالف مصلحتها أو تتجاهل الضغوط الإسرائيلية. إن عرض السعودية على باكستان أن تصبح «درعاً» لها يشي بعجز استراتيجي وضعف في الخيارات.
ثانياً، من منظار معارض ديمقراطي، التبعية الأمنية ما هي إلا صورة من صور الاستبداد الخارجي: النظام السعودي لا يعتمد على قوة سياسية أو عسكرية وطنية تمثل الشعب، بل يركّز كل أمنه وحمايته على تكتلات دولية تُوقّع اتفاقيات غامضة لا تُنشر نصوصها، تستبطن التبعية والتقوقع على الذات. ولا ننسى أن نظام الحكم السعودي غير منتخب والشعب مستبعد من المشاركة السياسة، إلا أنه يُعزّز من خلال هذه الصفقات منطق الحاكم المستبد الذي يملك صلاحيات مطلقة في عقد التحالفات الخارجية دون مساءلة أو شفافية.
ثالثاً، الاتفاق مع باكستان يحمل مخاطرة الانخراط في نزاعات لا تمس جوهر الأمن الوطني السعودي، وربما يُستغَلّ لتمديد النفوذ الباكستاني أو توريط المملكة في التوازنات الإقليمية ضد إيران أو الهند. فمن غير المؤكد أن باكستان ستقدم الحماية الفعلية حين يأتي الوقت لذلك، وقد تترك السعودية وحيدة في مواجهة تصعيد غير متوقع، خاصة إذا تبيّن أن «الغطاء النووي» الذي تروّج له بعض التصريحات لم يُدرج فعليًا في الاتفاقية.
في المجمل، إن هذا الاتفاق يشكّل تناقضًا صارخًا مع صورة السعودية القوية والعظمى ذات السيادة الكاملة، ويكشف أن النظام يراهن على تحالفات عسكرية خارجية ملغّبة على بناء قدرات وطنية مستقلة. هو دليل إضافي على أن السلطة السعودية تعاني من غياب شرعية سياسية شعبية، وهي تبحث عن أمان استبدادي عبر الرهان على الغير، لكنها في النهاية قد تُخدع في لعبة القوى الكبرى. أن السلطات السعودية لا تثق في شعبها ولا في قدرات مواطنيها، لأنها تخشى المشاركة والنقد والمحاسبة، لأن النظام الملكي قائم على عدم المحاسبة وانعدام الشفافية وكثرة الفساد الذي هو أساس طبيعة لنظام الحكم التسلطي الاستبدادي.
إعدام بتهمة الخيانة
إعدام المواطن السعودي عيد بن إبراهيم الزعبي في ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٥ أثار صدمة واسعة في الأوساط الحقوقية والسياسية، وقد جاء الإعلان الرسمي بأنه أُدين بجرائم الخيانة العظمى وتبني منهج إرهابي ودعم أعمال تهدف إلى الإخلال بأمن المجتمع. تكشف هذه العملية على خلال واضح في منظومة العدالة السعودية.
أولاً: سرية المحاكمة وتهم فضفاضة: لم تُكشف تفاصيل الأدلة التي استندت إليها السلطات في إدانته، كما لم يُتَاح لوسائل الإعلام أو المراقبين النفاذ إلى مجريات القضية. مثل هذه السرية تفتح الباب أمام الحديث عن محاكمة غير عادلة، أو استخدام القضاء كأداة قمعية لاستبعاد المعارضين أو الناشطين المحتملين تحت مزاعم الإرهاب.
ثانيًا: الاستخدام السياسي لعقوبة الإعدام: القضية تُعد من بين الإعدامات التي تندرج في موجة تصاعدية لسياق القمع السياسي، لا سيما في ٢٠٢٥ حيث رُصدت أعداد كبيرة من الإعدامات دون شفافية أو ضمانات العدالة. من منظور ديمقراطي معارض، يُنظر إلى هذا الحكم كرسالة ردع للمعارضة أو الاحتجاجات، خاصة إذا ما جُرّد الموضوع من سياقه الحقوقي.
ثالثًا: التوقيت الرمزي والرسائل السياسية: تنفيذ الإعدام يُصادف أحد الأيام القومية للدولة، ما قد يُعتبر توظيفًا للتوقيت لبيان “الحزم” في مواجهة أي نزوع احتجاجي. من جهة أخرى، التزام المملكة أمام المجتمع الدولي بتقليص استخدام الإعدام في الجرائم التي لا تُعد الأكثر خطورة يبدو متناقضًا مع مثل هذا الحكم الجذري، وهو ما يضع مصداقية هذه التعهدات تحت اختبار.
رابعًا: التزامات دولية وإصلاح قضائي واجب: كعضو أو طرف في معاهدات حقوق الإنسان، كان يُفترض أن تلتزم السعودية بمبادئ ضمان المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، ولا تُنفذ الأحكام إلا في الجرائم الأشد خطورة وبمعايير قانونية واضحة. في غياب إصلاح حقيقي للقضاء، تظل مثل هذه الإعدامات دليلاً على أن النظام التسلطي يختار متى يضبط المعايير أو يتجاوزها بلا مساءلة.
في النهاية، يُنظر إلى إعدام عيد الزعبي من زاوية إنسانية على أنه إعدام سياسي بغطاء قانوني، يعكس التناقض العميق بين الخطاب الرسمي عن العدالة والإصلاح والممارسة السلطوية التي لا ترحم مخالفيها وخصوصا أن كل المؤشرات تشير أن الإعدامات والقمع حلول أساسية في تعامل محمد بن سلمان مع شؤون الحياة والمجتمع فهو لا يرى غير لغة القمع والإعدامات كحل لكل معضلاته ومشكلاته السياسية.
كلمة محمد سلمان في مجلس الشورى
على الرغم من الطابع الرسمي الذي أضفاه ولي العهد محمد بن سلمان على خطابه أمام مجلس الشورى، فإن محتواه يعكس إشكاليات عميقة في بنية الحكم السعودي وآفاق الإصلاح السياسي. الكلمة بدت أقرب إلى خطاب علاقات عامة يكرر شعارات “التنمية” و”التغيير” دون أي التزام ملموس بفتح المجال العام أو تمكين المشاركة الشعبية. فالحديث عن التنويع الاقتصادي والمشاريع العملاقة يأتي في سياق نظام يتركّز فيه القرار بيد فرد واحد فقط، ويُقصى حق المشاركة الشعبية وبناء مجتمع مدني حر ومستقل عن سلطة الدولة، وتُسكت الأصوات الناقدة عبر القوانين القمعية والمحاكمات السرية.
من زاوية آخرى، يفتقد الخطاب أي اعتراف بحق الشعب في صياغة مستقبله السياسي. مجلس الشورى نفسه يظل هيئة استشارية بلا صلاحيات تشريعية حقيقية، يُعيَّن أعضاؤها من قبل الملك ولا يمثلون الإرادة الشعبية. الإشادة بعدد جلسات المجلس أو قراراته تصبح شكلية في ظل غياب انتخابات حرة وآليات مساءلة فعلية للحكومة أو الأسرة الحاكمة. ما عرضه ولي العهد عن “الإصلاح” يقتصر على الاقتصاد الوهمي وغير موثوق والتقنية والترفيه حيث أشار إلى أن هناك أكثر من ٦٦٠ شركة عالمية اتخذت من المملكة مقرا إقليميا. أين أسمائها وأين أثرها في السوق المحلي. حيث تتزايد أعداد البطالة على عكس ما أشار له الخطاب. بينما تُغيب الحريات السياسية والإعلامية، وتستمر سياسات الاعتقال التعسفي والإعدامات التي طالت معارضين سلميين ومواطنين أبرياء بتهم الخيانة العظمى.
في الشق الخارجي، محاولة إظهار السعودية كداعم للقضية الفلسطينية، لكن الواقع يشير إلى تناقض مع مسار عملي للتطبيع الضمني مع الاحتلال الإسرائيلي، والتعاون الأمني المتزايد معه وهناك عقود وشراكات واتفاقيات ملاحية وأمنية تسمح بالعمل مع الكيان الاحتلالي لم يتم إيقافها. فضلاً عن مرور صواريخ الاحتلال فوق الأجواء السعودية دون وجود أي ردة فعل من الأجهزة الدفاعية. هذا التناقض يكشف براغماتية السلطة التي تستغل الرمزية الفلسطينية لكسب التعاطف الشعبي، بينما تبني علاقاتها الإستراتيجية وفق اعتبارات القوة لا العدالة. كذلك يغيب في الخطاب أي نقد للحروب الإقليمية التي ساهمت فيها السعودية، مثل اليمن، أو التزامات حقيقية بحقوق الإنسان على المستوى الدولي.
اقتصادياً، الحديث عن تنويع مصادر الدخل يفتقد الشفافية حول كلفة هذه المشاريع على المدى البعيد، ومخاطر الاعتماد على استثمارات ضخمة موجهة من الأعلى دون مشاركة مجتمعية أو مؤسسات رقابية مستقلة. التجارب العالمية تبيّن أن التنمية بلا ديمقراطية تؤدي إلى استبداد أكثر حداثة، لا إلى تمكين المواطنين.
ختاماً، الخطاب يعكس رؤية أحادية تسعى لتجميل النظام دون معالجة جوهر الأزمة: غياب التمثيل الشعبي، وانعدام الضمانات لحقوق الإنسان، وتحويل مجلس الشورى إلى أداة تلميع لا مؤسسة رقابية. الإصلاح الحقيقي يبدأ بانتخابات حرة، فصل للسلطات، رقابة شعبية، واطلاق سراح سجناء الرأي، لا بمشاريع وهمية وخطابات رنانة.
وفاة المفتي العام وتعين مفتي جديد
أعلن الديوان الملكي السعودي يوم الثلاثاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٥ وفاة الشيخ عبد العزيز بن عبدالله آل الشيخ، المفتي العام للمملكة ورئيس هيئة كبار العلماء، والرئيس العام للبحوث العلمية والإفتاء، ورئيس المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي. الخلفية المعرفية والتاريخية للمفتي السابق: وُلد الشيخ عبد العزيز آل الشيخ عام ١٩٤٣ في الرياض، وهو من أسرة “آل الشيخ” التي تُعد من أبرز أسر العلماء في السعودية، وهي مرتبطة بنسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب. في عام ١٩٩٩، عُيّن مفتيًا عامًا للمملكة خلفًا للمفتي السابق الشيخ ابن باز، ومنذ ذلك الحين أصبح يتبوأ أعلى منصب رسمي ديني في السعودية، وهو منصب المفتي العام ورئاسة هيئة كبار العلماء.
خلال عهده، شهدت السعودية تحوّلات اجتماعية كبيرة (مثل السماح بقيادة المرأة وفتح دور السينما وغيرها من التغييرات)، وكان لآرائه ومواقفه الدينية المتقلبة دور في تكييف بعض الأحكام الفقهية مع متطلبات واتجاهات السلطة. في عهده، تراجعت سلطة المؤسسة الدينية في السنوات الأخيرة أمام التغيرات التي يقودها ولي العهد محمد بن سلمان، وتقريباً تم تجميد دورها المعتاد الذي كان محدوداً لفترة طويلة، لكن المنصب ظل ذا رمزية دينية تسبغ على قرارات وخطوات السلطة صبغة ومسحة دينية شرعية وإن كانت تتناقض مع العدالة والحرية والكرامة الإنسانية.
تعيين المفتي الجديد: استمرار التبعية المؤسسية: بعد وفاة آل الشيخ، سارع الملك سلمان إلى تعيين الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله الحميد مفتيًا عامًا ورئيسًا لهيئة كبار العلماء. الحميد المولود في بريدة أواخر الأربعينيات والحاصل على الدكتوراه في الفقه وأصوله شغل مناصب رسمية بارزة مثل رئاسة مجلس الشورى والإمامة والخطابة في المسجد الحرام. يوصف بالاعتدال المؤسسي الموالي للخط الرسمي. حصوله على جائزة الملك فيصل العالمية وغيرها من المواقع العليا يعكس اندماجه الكامل في البنية السياسية والدينية القائمة.
موقع المنصب ودلالته السياسية: منصب المفتي العام في السعودية لم يُنشأ تاريخيًا بوصفه مرجعية مستقلة، بل جاء ليكمل منظومة الحكم ويمنحها غطاءً شرعيًا. يُعيَّن المفتي بمرسوم ملكي ويرأس هيئة كبار العلماء التابعة للدولة، ما يحوّل المؤسسة الدينية إلى ذراع لشرعنة سياسات السلطة في الداخل والخارج بدل أن تكون سلطة فقهية حرة. تاريخ المنصب منذ تأسيسه عام ١٩٥٣ ثم إلغائه وإعادته، يوضح أنه أداة سياسية بالأساس، وغالبًا ما يُمنح لشخصيات موثوقة لدى السلطة لضمان الولاء وتجنب أي مواجهة مع سياساتها.
تعيين الحميد هو استمرار واضح لهذا النهج: ترسيخ مؤسسة دينية رسمية تقدم الغطاء الديني للنظام، بدل أن تكون ضميراً فقهيا مستقلاً أو سلطة نقدية قادرة على مساءلة الحاكم أو توجيه المجتمع بعيدًا عن رغبات السلطة.
الجانب الحقوقي خلال هذا الشهر:
الناشط الحقوقي السعودي وليد أبو الخير: في ١٣ سبتمبر ٢٠٢٥، دخل في إضراب عن الطعام احتجاجًاعلى حرمانه من الأدوية الأساسية، خاصة لمرض السكري، وعلى تردّي حالته الصحية داخل السجن. هذا الفعل يُنظر إليه كتصعيد صارخ في مواجهة سياسة الإهمال الطبي المتعمدة التي تمارسها السلطات داخل السجون بحقّ المعارضين، كجزء من المنهج الانتقامي القهري الذي يستهدف كسر إرادة المدافعين عن الحقوق. علاوة على ذلك، يُعبّر الإضراب عن رفض أبو الخير للاعتراف بشرعية محكوميته التي تنتقدها منظمات حقوق الإنسان كمحاكمة انتقائية تعسفية. هذا الإضراب يُعدّ شكلًا من “الاحتجاج الأخير” الذي يلجأ إليه شخص تُقيد حريته كاملة، ليُذكّر المجتمع الدولي والمحلي بأن المقارنة بين الحقّ في الحياة والحقّ في التعبير قد تُختزل في خيار واحد: أن يختار الإنسان جسده سبيلًا للنضال حين تُحرَم سائر أدوات المناصرة.
الحكم على الماضي بمنع السفر إلى ٢٠٢٦: أفاد تقرير بأن السلطات السعودية أصدرت حظر سفر على المواطن سعد الماضي حتى مارس ٢٠٢٦، بعد أن حكمت عليه بالسجن ثلاث سنوات بتهمة نشر محتوى إلكتروني يخل بالنظام العام. وكان الماضي قد اعتُقل في ٢٠٢١، وجاء القرار بعد قضائه فترة في الاحتجاز، إضافة إلى إلغاء جزئي لحكم أولي كان يبلغ ١٩ سنة. من منظور حقوق الإنسان، يُعدّ منع السفر لعقود مستقبلية عقوبة إضافية غير منصوص عليها في أحكام جنائية عادلة، ويشكّل تقييدًا مفرطًا لحق التنقل، الذي هو حق دستوري ودولي. كما يبدو أن القرار يُعاقب الشخص على أفعال رأي سابقة، ما ينطوي على انتهاك مبدأ “عدم الإعمال الرجعي”، الذي يمنع فرض عقوبات أو تدابير على أفعال مضت قبل صدور القانون أو الحكم.
كما أن غياب الشفافية، وضيق فرص الاستئناف الفعّال، وغياب معايير قانونية واضحة لمنع السفر، كلها عوامل تُضفي على القرار صفة التعسف. من الناحية العادلة، هل المنع ضروريّ ومناسب لغاية مشروعة؟ يبدو في الحالة المعروضة بأن المنع لأجل طويل يخالف مبدأ التناسب، إذ يمكن تحقيق الضمانات القانونية بطرق أقل تقييدًا (مثل الكفالات أو الإشراف القضائي). ختاماً، مثل هذا القرار يُشكّل سابقة خطيرة تمس الأسس الحقوقية في أي دولة تدّعي الالتزام بالعدالة وسيادة القانون.
مركز اعتدال ينشر عدد الرسائل المليونية التي تم رصدها: في بيان جديد، أعلن مركز “اعتدال” رصد ١٢ مليون رسالة «متطرفة» خلال ٩٠ يوماً، في خطوة تعكس نهج السلطة السعودية في استخدام أرقام ضخمة بلا شفافية أو منهجية منشورة. هذا الخطاب يزعم ويوهم المجتمع بوجود رقابة شاملة وذلك لإرهاب المجتمع ودفعه إلى الرقابة الذاتية، بينما يغيب أي دليل حقيقي ومستقل يثبت القدرة على متابعة هذا الكم الهائل من الرسائل. والأدهى أن الموقع الرسمي للمركز لميُحدَّث منذ ٢٠٢١، ما يكشف تناقض الخطاب الدعائي مع الواقع. تقارير حقوقية مستقلة، مثل القسط، العفو الدولية وغيرها من المنظمات المستقلة التي أكدت أن السلطات السعودية تلاحق المغردين وتستخدم محكمة الجرائم المعلوماتية لمعاقبة كل صوت ناقد يخالف توجهات السلطة بعلم أو بدون علم. حيث تُصنَّف تغريدات مستقلة بأنها «إرهاب» أو «تهديد للأمن». في سياق غياب حرية التعبير وسيطرة الأجهزة الأمنية، تبدو هذه الإعلانات أداة لتبرير القمع وتجميل الاستبداد بدل حماية المجتمع، في تعارض صارخ مع قيم الديمقراطية وحرية الرأي.
اليوم الوطني ووزارة التعليم تعتمد ١٠ مناسبات للأنشطة الطلابية
يأتي إعلان وزارة التعليم اعتماد عشر مناسبات للأنشطة الطلابية كخطوة تبدو في ظاهرها دعمًا للتنوع الثقافي والوعي المجتمعي، لكنها تكشف في عمقها عن طبيعة النظام التعليمي الخاضع لتوجيه الدولة وإرادتها السياسية. فالمناسبات المختارة تميل إلى ترسيخ الرواية الرسمية وتعظيم الرموز الوطنية التي تحددها السلطة، مثل اليوم الوطني ويوم التأسيس ويوم العلم، في مقابل غياب أي مساحة لمبادرات طلابية حرة أو مناسبات تعزز التفكير النقدي والاستقلالية. حتى الأيام العالمية المدرجة (الصحة، التعليم، التسامح) تُفرغ غالبًا من مضمونها الحقيقي عبر أنشطة شكلية لا تتيح نقاشًا حرًا أو وعيًا نقديًا. هذا النمط يعكس صورة إدارة التعليم باعتبارها أداة للضبط الاجتماعي وتوجيه القيم بما يخدم الاستقرار السلطوي بدلًا من بناء جيل قادر على المشاركة الشعبية أو مساءلة السياسات العامة. القرار يظهر كيف يُستثمر التعليم لتعزيز صورة النظام بدل تمكين الطلاب من التعبير الحر والتفكير المستقل.
طريق المطار في المدينة باسم محمد بن سلمان
في خطوة جديدة تكشف عن الطابع التسلطي للنظام السعودي، خرجت أخبار أن الملك سلمان وجه بإطلاق اسم وليالعهد محمد بن سلمان على أحد أهم الطرق المؤدية إلى المسجد النبوي ومطار المدينة. هذه الممارسة تعكس ذهنية الحكم الشخصي الذي يربط الفضاء العام بأسماء أفراد العائلة الحاكمة، بدلًا من احترام رمزية المدن المقدسة وتركها ملكًا للمجتمع. في الأنظمة العدلية، تُدار المرافق العامة باعتبارها ملكًا للشعب وتُسمّى بما يعبر عن الذاكرة الثقافية والتاريخية والقيم العامة التي تعكس هوية المكان وتاريخه، لا لتكريس الزعامة الفردية.
إضافة إلى ذلك، يأتي القرار متزامنًا مع مشاريع ضخمة مثل “رؤى المدينة” التي تروَّج كتنمية، لكنها في الواقع تُدار دون شفافية أو مشاركة مجتمعية، وتعزز السيطرة الاقتصادية والسياسية للعائلة الحاكمة على موارد المدينة ومقدساتها. هذا السلوك يُعمّق غياب المحاسبة، ويحوّل التخطيط العمراني والرمزي إلى أداة دعاية سياسية.
إن تكرار مثل هذه القرارات يوضح الحاجة الماسّة إلى فصل مرافق الدولة والمجتمع عن الشخصنة، وتأسيس إدارة مدنية شفافة للمدن والمشاريع الكبرى، وإشراك المجتمع المدني في اختيار رموز الفضاء العام. احترام الحرم النبوي وتاريخه يقتضي أن تكون أسماؤه ومرافقه بعيدة عن التمجيد الفردي، وأن تخضع لعملية تشاركية تُمثل المجتمع وتحميه من التوظيف السياسي السلطوي.
العاصمة الرياض تستضيف عرض المصارعة الحرة راسلمينيا عام ٢٠٢٧
أعلن تركي آل الشيخ على تويتر وعدد من الحسابات الرسمية التابعة لهيئة الثقافة عن استضاف عرض المصارعة الحرة لعام ٢٠٢٧، يبدو أن هناك ميلًا إلى التركيز على البرامج والمشاريع الترفيهية الكبرى، ربما باعتبارها أدوات جذب إعلامي وشعبي، لكن من المهم أن نضع مثل هذه المشاريع تحت المجهر النقدي، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه المملكة اليوم.
في ضوء الخبر المشار إليه، لا يمكن غضّ النظر عن أن إنفاق الدولة على المشاريع الترفيهية الكبرى في ظل تزايد العجز المالي وارتفاع الدين العام يُعدّ نهجًا خطيرًا يفتقد أولويات الحكمة الاقتصادية. في الربع الأول من ٢٠٢٥، سجلتالمملكة عجزًا قدره ٥٨.٧ مليار ريال أي حوالي ١٥ مليار دولار، في حين بلغت الإيرادات حوالي ٢٦٣.٦ مليار ريال مقابلمصروفات ٣٢٢.٣ مليار ريال.
في هذا السياق، حين تُوظَّف الموارد العامة في مهرجانات أو فعاليات ضخمة ذات طابع ترفيهي وغير مكترثة بطبيعة الواقع الاقتصادي الذي يتشكّل أمام عيون المواطنين: هل مردود تلك المشاريع يتجاوز قيمته الرمزية والإعلامية؟ هل تُسدّد عوائدها مقابل الدين الذي يُضاف إلى كاهل الأجيال؟ إن الاستثمار في الترفيه وحده لا يشكّل نواة اقتصادٍ منتجٍ بل يجب أن يكون مكمّلاً لخطوط استراتيجية تُنمّي الصناعة والزراعة والتصنيع المحلي، لا أن يُصرف كتاج فوق رأس أولويات تُعلن في الميزانيات الرسمية.
كما أن هذا الخبر ذاته لا يعرض آليات الرقابة أو المعايير التي تُقيّم جدوى المشروع أو مدى الاستفادة الحقيقية المواطن منه. في نظام ديمقراطي عصري، من المفترض أن تكون هناك مشاركة شعبية في تقييم الأولويات، ومحاسبة حقيقية لمن يتولّى تنفيذ الميزانيات والتعاقدات. بدلاً من أن تظل هذه البرامج محصورة في غرف السلطة الترفيهية التي هدفها إشغال المجال العام وتوفير ترفيه لفئة النخبة السياسية وما حولها، بل ينبغي أن تفتح أمام خبراء الاقتصاد والمجتمع المدني للمراجعة العامة. إن هذا النوع من البرامج هو لا يختلف كثير عن برامج الهدر المالي التي تقوم بها السلطات السعودية سواء في هيئة الترفيه أو نيوم أو غيرها، فهو يعكس حقيقة واضحة أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة. فالدولة تعاني من ارتفاع عالي في المصروفات ومن شح حقيقي في المدخلات المالية غير النفطية، الذي تزعم الدولة أن أحد أهداف ٢٠٣٠ هو تنويع الاقتصاد. أين هذا التنويع؟ وإذا كانت برامج الترفيه قد أضافت أي مداخيل مالية للدولة خلال ١٠ سنوات ماضية ماهي وكم تبلغ كمية الأموال التي تم جنيها من هذه المشاريع. بكل وضوح يعرف المتابع للشأن الاقتصادي المحلي أن هذه المشاريع لتدر عوائد مالية وهي جزء من سياسة الإلهاء العام للدولة وجانب كبير من تغطية سمعة القمع الذي تقوده الدولة عبر برامج ترفيهية أو رياضية كنوع من غسيل السمعة.
خاتمة
يظهر هذا التقرير لشهر سبتمبر، أن الخطاب السياسي والأمني في السعودية يعاني من التناقض بين الخطاب الرسمي وصورة الدولة العظمى والمتطورة التي تُسوَّق للخارج، وبين واقع الحكم القائم على السيطرة المطلقة وغياب المشاركة الشعبية. فقد كشفت الضربة الإسرائيلية على الدوحة هشاشة البنى الأمنية الخليجية وعلى رأسها السعودية بسبب فشلها في اكتشاف مرور الصواريخ عبر المجال الجوي السعودي، وفضحت وهم التحالفات الخارجية التي لطالما قُدِّمت كضمانة للاستقرار. كما أظهرت الاتفاقية الدفاعية مع باكستان استمرار الرهان على الحماية الأجنبية بدل بناء قوة وطنية خاضعة للمساءلة والمشاركة الشعبية. وفي الداخل، استُخدم القضاء والإعدام كأدوات لإسكات الأصوات المعارضة، فيما أُعيد تشكيل المجال الديني والإعلامي لخدمة السلطة، وتُوِّج ذلك بمشاريع ترفيهية ضخمة تمتص الموارد العامة في ظل عجز مالي متزايد ودَين متنامٍ.
هذه الوقائع تكشف أن التنمية التي لا تقوم على احترام الحقوق الأساسية تبقى سطحية، وأن الأمن الذي يُبنى على صفقات غامضة ودعاية سياسية تصبح هشّة أمام أي أزمة حقيقية. فالدولة التي تكمّم الإعلام وتقصي المجتمع المدني وتجرّم المعارضة لا تستطيع أن تُقنع مواطنيها بشرعية سياساتها أو تحشد ولاءهم حين تواجه تحديات خارجية.
من منظور ديمقراطي، يتطلّب الاستقرار الفعلي إصلاحًا جذريًا في بنية الحكم: احترام كرامة المواطن، وتمكينه من المشاركة السياسية، وضمان استقلال القضاء والإعلام. وأن تتحول الدولة إلى دولة حقوق ومؤسسات شفافة خاضعة للمساءلة الشعبية وهذا هو السبيل الوحيد لبناء أمن حقيقي واقتصاد مستدام لإخراج السعودية من دوامة الاعتماد على الخارج وقمع الداخل. ما لم يحدث هذا التحوّل، ستبقى البلاد عرضة للاختراقات الأمنية والتقلبات السياسية، وسيبقى خطاب “الإصلاح” مجرّد واجهة لتكريس حكم فردي يعمّق الأزمات بدل حلّها.
لقراءة كامل التقرير بنسخه بي دي إف