الريع وآثاره السلبية على الاقتصاد الوطني
ما هو السبب الحقيقي الذي يقف خلف معاناة بلادنا من جملة من المشكلات الاقتصادية كالبطالة والفقر والتضخم والهدر المالي وتدني مستويات المنافسة الاقتصادية؟ بل إن الأمر يتجاوز ذلك إلى وجود تناقضات صارخة في توزيع الثروة واتساع الهوة بين طبقة المحظيين من الأثرياء وبقية المسحوقين من أبناء الشعب؟ بل إنه يحق لنا التساؤل عن طرد القوى العاملة الوطنية من وظائف القطاع الخاص واستبدالهم بملايين الأيدي العاملة الأجنبية غير المؤهلة؟ ولماذا يستمر النظام السياسي المستبد في تهميش الشعب ويرفض المشاركة الشعبية في القرارات السياسية ويحرم الشعب من حقوقه المشروعة في الانتخاب والتمثيل؟ ولماذا يستمر الحاكم المستبد في اتخاذ القرارات الفاشلة نفسها على الرغم من تفاقم هذه المشكلات والتحديات التي تحولت إلى كرات ثلج ضخمة قد تهدد وجود النظام السياسي؟ ولماذا فشل النظام السياسي في تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة يتمتع بها أجيال المستقبل في حال نضوب الموارد النفطية؟ ولماذا يتضخم قطاع البيع والتوزيع في الوقت الذي ينحسر فيه القطاع الصناعي؟ ولماذا بلادنا هي من أقل بلدان العالم في نسب تملك المواطنين مساكنهم؟ إن الإجابة على كل تلك التساؤلات وغيرها الكثير تكمن في وجود ظاهرة “الريع”.
يمكن تعريف الريع بأنه الدخل المتحصل من استغلال موارد اقتصادية طبيعية ممتلكة حصريا دون بذل جهود كبيرة في الإنتاج سوى كلفة الاستخراج والنقل، فالنفط والغاز الطبيعي والذهب وغيرها من المعادن هو حق حصري للنظام السياسي يستغله دون رقابة شعبية، لذا اتسمت إدارته بالهدر والإنفاق على أصول غير إنتاجية كبناء القصور حول العالم وشراء السلع الاستهلاكية الفاخرة مثل السيارات واليخوت والقطع الأثرية والتحف الفنية لإشباع رغبات النخب السياسية الفاسدة. أما ما تبقى من مداخيل بيع الموارد الطبيعية فقد اُستغل في تمويل الإنفاق الحكومي على مشاريع البنى التحتية وأجور الموظفين والخدمات الأخرى كالصحة والتعليم التي كان لها نصيب الأسد، أما ما تم توجيهه لدعم القطاعات الإنتاجية فكان النزر اليسير ولم يسلم من النهب والسطو من عصابات المتنفذين من خلال مشاريعهم الوهمية. وعندما أفاق النظام السياسي المستبد من سباته الطويل وأدرك خطورة الاعتماد على مورد ناضب وضع بعض الفوائض المالية في “صندوق الاستثمارات العامة” ليتم تفعيله كذراع استثماري على غرار “الصندوق السيادي النرويجي” الذي تقدر أصوله الآن بأكثر من ترليونين دولار أمريكي وقد نجح في عزل الآثار المدمرة للريع عن الاقتصاد النرويجي وحقق عوائد مالية هائلة تضمن استقراراً مالياً في حال الحاجة لها. لكن صندوق الاستثمارات العامة السعودي كان حليفه الفشل نظراً لأسلوب إدارته الخاطئ المبني على الاستبداد وانعدام الرقابة والشفافية، لذا لم ينجح إلا في إغراق الاقتصاد الوطني بالديون والاستحواذ على شركات الألعاب الإلكترونية وغيرها من المشاريع الاستثمارية الفاشلة التي تهدف في المحصلة النهائية إلى إثراء السياسيين الفاسدين الأجانب.
إن مفهوم الريع يمتد كذلك إلى القطاع الخاص من خلال تمكين بعض المستثمرين الذين يتمتعون بنفوذ سياسي من الحصول على امتيازات وحقوق حصرية بقوة النظام من خلال الحصول على تصاريح تمنحهم قدرات تنافسية في مواجهة المستثمرين الآخرين، حيث أصبحت هذه الإجراءات تمنحهم ريعاً كبيراً هو السبب الأساسي في بقاء هذه المنشآت في السوق، مما تسبب في تشوهات واختلالات في الفرص الاستثمارية. تلك المزايا والتصاريح مرتبطة بالفساد والمحسوبيات ويترتب عليها هدر الموارد الاقتصادية في مشاريع الربح السريع قصيرة الأجل مثل المحال التجارية على حساب المشاريع الصناعية التي تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل لكنها ذات فائدة كبرى للاقتصاد الوطني. ويأتي في هذا الصدد حقوق استقدام العمالة الأجنبية الذي يحقق ريعاً هائلاً لأصحاب الحظوة لكنه أدى إلى نزيف حاد في الدورة الاقتصادية من خلال الحوالات النقدية للعمالة الأجنبية التي تقدر بمئات المليارات سنوياً، وأدت تلك الإجراءات إلى إقصاء العمالة المحلية من سوق العمل مما يحمّل الخزانة العامة تكاليف كبيرة لدفع إعانات للعاطلين عن العمل. ولعل المثال الأوضح في هذا الصدد هو استحواذ واحتكار مجموعة من الفاسدين السياسيين من أفراد العائلة الحاكمة لمساحات شاسعة من الأراضي مما حرم المواطنين من امتلاك مساكنهم نظراً لوصول التكلفة لمستويات فلكية.
إن الحل يكمن في تحصين الاقتصاد الوطني من الآثار السلبية للريع، ولعل إطلاق شعارات “مرحلة ما بعد النفط” و”مكافحة الفساد” هي مجرد شعارات تعكس إدراكاً بحجم المشكلة لكن دون تقديم حلول عملية ناجعة، ومما يثبت ذلك أن هذه الشعارات قد تم تداولها في فترات سابقة منذ إطلاق خطط التنمية الخمسية التي لم تحقق أياً من أهدافها. وهذا السيناريو يقودنا إلى القول بأن النظام السياسي المستبد القائم على احتكار السلطة والاستئثار بصناعة القرار يُعد عاجزاً عن تحقيق تطلعات المواطنين وحماية المصالح الوطنية العليا، لذا يجدر بنا التطلع إلى المستقبل من خلال تحقيق شعار “مرحلة ما بعد الاستبداد”.