التقرير الشهري: حال السعودية مارس ٢٠٢٦
مقدمة
يهدف هذا التقرير إلى تقديم رصد وتحليل نقدي لأبرز الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية خلال شهر مارس ٢٠٢٦ مع التركيز على تقييم سلوك النظام السعودي وسياساته. التقرير يُسلط الضوء على التناقضات بين التوجهات المعلنة والسياسات الفعلية، وتأثيرها على القضايا الإقليمية والدولية. تم إعداد التقرير بالاستناد إلى مصادر متنوعة، تشمل وكالات أنباء محلية ودولية، وتقارير منظمات دولية، وتحليلات خبراء. في هذا التقرير، نسلط الضوء على هذه التناقضات من خلال قراءة نقدية لأبرز التحركات الدبلوماسية، والانتهاكات الحقوقية، والسياسات الاقتصادية، مدركين أن أي تحليل رصين لا بد أن ينطلق من الواقع، لا من ادعاءات السلطة، ومن مصالح الناس، لا من سرديات الأجهزة الرسمية.
يتناول هذا التقرير جملةً من الوقائع السياسية والاقتصادية والإعلامية التي برزت خلال شهر مارس، بوصفها مؤشرات على اتجاهات أعمق في نمط الحكم وإدارة المجال العام في السعودية، وعلى تحولات موازية في علاقاتها الإقليمية. لا ينظر التقرير إلى الأحداث بوصفها أخبارًا متفرقة، بل كحزمة مترابطة تكشف منطقًا واحدًا يتكرر بأشكال متعددة: تعظيم دور القرار الفردي، وتوسيع أدوات الضبط الرمزي والإعلامي، واحتواء التوترات المالية والاجتماعية عبر بدائل قصيرة الأمد، بدل تحويلها إلى سياسات عامة خاضعة للمساءلة.
منذ اندلاع العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في نهاية فبراير ٢٠٢٦، دخلت دول الخليج العربي مرحلة بالغة التعقيد، تتشابك فيها تداعيات الحرب مع أزمات حقيقية تهدد استقرار دول المنطقة والاقتصاد العالمي والتحالفات التقليدية. فقد كشفت هذه الحرب التي لم تطلبها دول الخليج ولم تكن طرفاً في صناعة قرارها، عن هشاشة حقيقية وعميقة في منظومة الأمن الإقليمي، إذ لم تستطع القوات الأمريكية المتمركزة على أراضي دول الخليج حماية قواعدها ذاتها، فضلاً عن توفير مظلة أمنية فعلية للبنية التحتية الحيوية. وفي ظل هذا الواقع المتأزم، تبيّن أن الحماية التي دفعت دول الخليج ثمنها بمئات المليارات لم تكن سوى وهم مُكلف، بل تحولت القواعد الأمريكية ذاتها إلى مواقع استهداف للضربات الإيرانية على الأراضي الخليجية.
ويزداد المشهد تعقيداً حين تكشف إدارة ترامب عن نهج ابتزازي صريح وفج، يطالب دول الخليج بتريليونات الدولارات سواء أرادت استمرار الحرب أو وقفها، في حين يمارس السيناتور ليندسي غراهام ضغوطاً متواصلة لدفع السعودية إلى الانخراط العسكري المباشر في حرب تعرف سلفاً أنها ستدفع ثمنها وحدها. وهذا المناخ المتوتر انعكس داخلياً على مستوى الخطاب الرسمي والسلوك المؤسسي، من اجتماعات حكومية افتراضية تعكس القلق، إلى هجمات سيبرانية وحملات تضليل معلوماتي، مروراً باحتفاليات رسمية بذكرى البيعة تُروّج لإنجازات في وقت تُعلن فيه الحكومة ذاتها تجميد مشاريعها الكبرى. كل هذه المشاهد تكشف عن لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، تتجلى فيها هشاشة أنظمة فوّضت أمنها لقوى خارجية، وأهملت بناء عقد اجتماعي حقيقي مع شعوبها.
تحديثات الحرب وتأثيراتها على السعودية:
منذ نهاية شهر فبراير بدأ العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران على شكل ضربات جوية، قُتل على إثرها رئيس الحكومة والمرشد الأعلى وعدد من المسؤولين الإيرانيين، وفي نفس السياق قامت الحكومة الإيرانية بتوجيه ضربات صاروخية وهجمات عبر طائرات مسيرة إلى دول الخليج والسعودية، حيث تم قصف مصفاة رأس تنورة في مطلع شهر مارس، كما تم توجيه ضربات إلى السفارة الأمريكية في الرياض وقاعدة الأمير سلطان. وتشير بعض المعلومات أن هذه الضربات أدت إلى وفاة على الأقل جندي أمريكي وإصابة العديد من الجنود الأمريكان. كما ذكرت أسوشيتد برس أن الضربات الإيرانية ألحقت الضرر بعدد من طائرات تزود بالوقود أمريكية في القاعدة. لم تستهدف إيران فقط القواعد العسكرية والمقرات الأمريكية مثل السفارات والقنصليات في السعودية فقط، بل ركز جزء كبير من هجومها في السعودية على منشآت الطاقة والكهرباء والمياه والموانئ، وهو ما يحسب ضمن رفع الكلفة على دول الخليج في ضغطها على أمريكا لإيقاف الحرب على إيران. وهو ما حاولت السعودية فعله لكن دون جدوى.
في مطلع العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران أوردت عدد من الصحف الأمريكية أن السعودية متحمسة للحرب ضد إيران وهو ما تبين لاحقاً مغالطة هذه الاخبار التي كانت ولازالت تحلم بدفع السعودية إلى ساحة المعركة في المواجهة ضد إيران، حيث نفى المتحدث السعودي في السفارة الأمريكية هذه التصريحات. وتعلم السعودية أنه ليس من مصلحتها الدخول في حرب مع إيران لأنها حرب ذات تكلفة عالية، ولأن التجارب السابقة التي خاضتها مع الحوثي أجبرت السعودية على التعلم أن للحرب تكلفة باهظة وخصوصا في تغير نوعي لدخول سلاح الطائرات المسيرة ذات التكلفة القليلة والفاعلية العالية، كما حدث مع محطة بقيق وجيزان. ولهذا تعلم الحكومة السعودية أن أبرز الأهداف التي يسعى لها الهجوم الإيراني على السعودية هو تدمير المنشآت النفطية في بقيق وخريص ورأس تنورة ومصفاة الرياض ومصفاة جدة النفطية ومصفاة جازان والخرج والسفارة الأمريكية في الرياض وقاعدة الأمير سلطان، وتحت هذا القصف نجد أن الحكومة السعودية وقعت اتفاقية أمنية مع دولة أوكرانيا لمدة عشر سنوات، حيث خلال السنوات الماضية طور الأوكرانيين سلاح مضاد للطائرات الدرون الروسية التي فتكت بالبنية التحتية.
في نفس السياق، يطرح العديد من المواطنين والمراقبين إشكال وجود القوات الأمريكية “الحماية الأمريكية” حيث تبين أن الأمريكان لم يستطيعوا حماية قواعدهم وقواتهم في المنطقة فضلاً عن توفير حماية صلبة للحكومة السعودية ومنشأتها النفطية وبنيتها التحتية. وهذا الاستفهام يعطي لمحة عن جدوى وجود كيان أمريكي ذو صبغة عسكرية، حيث تكرس في الذهن طوال العقود الماضية بعد حرب الخليج ١٩٩١ أن وجود قوات أمريكية في المنطقة هو لأجل الحماية، وقد تبين اليوم هشاشة هذه الخطوة، حيث يشكك العديد من المتابعين والمراقبين أن تكلفة وجود قوات أمريكية على أراضي دول الخليج مكلف سياسياً في صراع أمريكا مع إيران. ومع هذا يبقى هناك تحدي جوهري كيف يمكن توفير حماية عسكرية وأمنية للوطن من أي عدوان أجنبي؟ وهل المبالغ التي صرفت تحت ذريعة الحماية الأمريكية مجدية؟ حيث وصلت المصروفات للحماية والتسليح في عام ٢٠١٧ إلى ٣.٩٣ مليار دولار. ويبدو أن أحد أوجه الخلل في هذه المعضلة هو طبيعة الحكم، حيث أن النظام الملكي نظام عائلي فردي يفكر في مصلحة الأسرة الحاكمة قبل أي شيء، وتتلاشى الثقة في تكوين جيش وطني يضع مصالح الوطن في المقام الأول. لهذا يوجد هناك عقود حماية وتكتلات عسكرية أمنية برية وجوية وبحرية لكنها ليست مسيرة للصالح العام، وغير خاضعة للرقابة الشعبية والمحاسبة، حيث تاريخياً تم توزيع الوزارات الأمنية بين أبناء عبدالعزيز كمحاصصات لخلق توازن في الثروة والقوة، لكن مع الوقت ومع صعود سلمان للسلطة بدأت تنحصر كل هذه المؤسسات الأمنية في يد أبناء سلمان.
ترامب والخليج: ابتزاز في زمن الحرب
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، كشفت إدارة ترامب عن وجهها الحقيقي تجاه دول الخليج: فأمريكا بدت بأنها ليست الحليف الموثوق، بل الحامي الذي يُقايض على الأمن بالمال والابتزاز ثم مع ذلك لايحمي قواعده ولا الوطن المستضيف لها، حيث تطالب واشنطن دول مجلس التعاون بنحو ٥ تريليونات دولار مقابل استمرار الحرب، وإن أرادت إيقافها فعليها دفع ٢.٥ تريليون تعويضاً، حيث وصفت هذه السياسة بـالابتزاز الكبير. والمفارقة الصارخة أن دول الخليج لم تطلب هذه الحرب أصلاً؛ إذ يُجمع المسؤولون الخليجيون على أن دولهم لم تكن طرفاً في هذا النزاع، بل كانت من أشد الأطراف حرصاً على منعه منذ البداية. بل إن دول الخليج كانت قد تعهدت بضخ ١.٢ تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي إثر زيارة ترامب للمنطقة في مايو ٢٠٢٥، وهي الآن تُعيد النظر في تلك الاستثمارات في ظل حرب فُرضت عليها فرضاً، بينما يُصدر ترامب تهديداته بتدمير البنية التحتية المدنية الإيرانية، وهو ما وصفه خبراء قانونيون دوليون بأنه “عقاب جماعي” محظور بموجب القانون الإنساني الدولي.
غير أن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز سلوك ترامب الفردي ليضع على المحك طبيعة العلاقة الغير صحية بين الأنظمة الخليجية وواشنطن. لعقود، قامت هذه العلاقة على معادلة ضمنية: نفط واستثمارات ضخمة مقابل “مظلة أمنية”، فصدّق الحكام الخليجيون هذه المعادلة ورأوا فيها ضماناً لبقاء أنظمتهم. لكن الحرب الراهنة كشفت هشاشة هذا الوهم؛ فدول الخليج لم تعد تستطيع الاطمئنان إلى قدرة الولايات المتحدة على حمايتها من التهديدات الوجودية، وثمة إدراك متصاعد بأن القواعد العسكرية الأمريكية باتت مصدراً للتهديد لا للأمن. الأنظمة الاستبدادية حين تُفوّض أمنها القومي إلى قوة خارجية لا تربطها بها إلا المصلحة الآنية، تجد شعوبها رهينةً لمزاج زعيم في واشنطن يُحوّل الحماية إلى فاتورة. ترامب لم يخترع هذا الاستغلال، لكنه جعله فجّاً وعارياً من أي غطاء دبلوماسي، والأمن الحقيقي لا يُستورد. ولهذا تكشف التصريحات العلنيةالسيئة التي أدلى بها ترامب في ملتقى الاستثمار حول العلاقة المهينة التي وصفها أن محمد بن سلمان يتملقه إلى درجة مهنية وغير محترمة في حقأي إنسان، لكنها تكشف حقيقة العلاقة الغير سوية بين الطرفين.
تصريحات ليندسي غراهام
تكشف تصريحات ليندسي غراهام التي أضحت تحث السعودية ودول الخليج في الدخول في حرب ليس لها علاقة بها ضد إيران، لم يكن نشاط وتصريحات غراهام بريئة بل هي تتماهى مع أماني وأحلام الكيان الصهيوني حيث تتوافق رؤاهم في دفع السعودية للانخراط في هذه الحرب. حيث الزيارات العديدة التي قام بها غراهام للسعودية والكيان المحتل لأجل تقديم كل ما لديه من وجهات نظر لدفع السعودية للحرب، لكن لم تفلح كل هذه المحاولات وهو ما جعل غراهام يشدد في خطابه ضد السعودية. ثمة إشكاليات جوهرية في هذا النهج. فغراهام يمارس ضغطاً على دولة سيادية كانت قد عارضت الحرب أصلاً خشيةً من الانعكاسات، وهو ما تحقق فعلاً حين طالت الضربات الإيرانية أراضيها. كما أن تهديده بـ”العواقب” يُعيد إنتاج منطق الإكراه الذي طالما أضرّ بمصداقية واشنطن في المنطقة. وعودته من إسرائيل بعد لقاء سري مع نتنياهو لإقناع ترامب بالانضمام للهجوم تُظهر دوراً يتخطى التشريع إلى صياغة السياسة الخارجية. وهو ما يمثل نمط تقليدي في السياسة الخارجية الأمريكية قائم على نقل كلفة الصراع إلى الحلفاء الإقليميين، مع الاحتفاظ بقرار التصعيد في واشنطن. فبدلاً من التعامل مع السعودية كفاعل سيادي له حساباته الأمنية الخاصة، قدّمها غراهام ضمن إطار أن السعودية ملزمة بالدخول في الحرب، ملوّحاً بإعادة تعريف العلاقة الثنائية إذا لم تنخرط عسكرياً. هذا الخطاب لا يعكس فقط نزعة ضغط سياسي، بل يحمل بعداً إكراهياً يقترب من الابتزاز الاستراتيجي، خاصة حين يُربط الأمن الجماعي بمستوى المشاركة في العمليات.
الأهم أن غراهام لم يكتفِ بالدفع نحو التصعيد، بل لعب دوراً نشطاً في تهيئة البيئة السياسية للحرب عبر الضغط على الإدارة الأمريكية والتنسيق مع أطراف إقليمية، ما يجعله جزءاً من دينامية توسيع الصراع لا مجرد معلق عليه. خطابه الذي يختزل الحرب في منافع اقتصادية أو استثمار يثير إشكالاً أخلاقياً وسياسياً، إذ يتجاهل كلفة الحرب على الاستقرار الإقليمي وعلى الدول الحليفة نفسها. في المحصلة، يظهر غراهام كفاعل يدفع نحو عسكرة السياسة الإقليمية، مع تقليل واضح لتعقيدات التوازنات الخليجية ومخاطر الانزلاق إلى حرب أوسع. المفارقة أن غراهام يُقدّم نفسه حليفاً للسعودية بينما يُمارس عليها ضغطاً وجودياً، متجاهلاً أن دول الخليج دفعت ثمن حرب لم تختارها.
مجلس الوزراء عبر البث الحي
على غير العادة عقد مجلس الوزراء مطلع الشهر اجتماع مجلس الوزراء على شكل بث افتراضي، وهو ما يعكس مؤشر المخاوف التي إنعكست على سلوك الدولة بعد بداية الحرب. حيث الخطوة لم تكن مدروسة في انعكاساتها على الشارع العام. ففي الإمارات تجول حاكم أبوظبي ودبي في الأسواق كإشارة أن الإمارات مستقرة، وهو ما يعكس تناقض واضح لما يحدث وما يُنقل كرسالة. في السعودية الوضع مستقر في المجال العام لأن المواقع المستهدفة ساحلية في معظمها والقلة منها المتعلقة بالأمريكان هي في الرياض والخرج. لهذا يأتي البث الخاص بمجلس الوزراء غير موفق كموقف من السلطة الحاكمة، وهو يظهر مخاوف محمد بن سلمان بشكل جلي وأنه لا يشعر بالأمان في ظل هذه الأحداث.
تعطل الأنظمة الرقمية ورسائل عشوائية
تشير المصادر الموثوقة في مجال الأمن السيبراني إلى تعرض العديد من المواقع إلى هجمات إلكترونية عطلت بعض الخوادم والمواقع، وتلقى العديد من المواطنين رسائل عشوائية، مما يشير إلى وجود تأثيرات غير مفهومه حول ما يحدث، وهل لها علاقة بالأجواء الإقليمية. لهذا يمكن قراءة ما حدث في السعودية ودول الخليج في مطلع مارس ٢٠٢٦ كحدث لا يمكن فصله عن نمط أوسع من الهجمات والاضطرابات الرقمية المرتبطة بالتوتر الإقليمي. فعلى سبيل المثال، وثّقت تقارير من جهات بحثية مثل SMEX حدوث اضطرابات رقمية في عدة دول خليجية نتيجة الضغط على البنية التحتية السحابية واستهداف بعض مراكز البيانات، ما انعكس في بطء الخدمات أو تعطلها جزئياً. وفي حالات مشابهة، مثل الأعطال التي أصابت خدمات سحابية إقليمية خلال فترات توتر سابقة، أدى ذلك إلى توقف تطبيقات حكومية ومصرفية بشكل مؤقت في أكثر من دولة، رغم عدم استهدافها مباشرة. هذا النمط يفسر ما حدث في السعودية: خلل جزئي في الخدمات الرقمية، وتذبذب في الأداء، نتيجة ترابط الأنظمة الرقمية إقليمياً واعتمادها على بنية سحابية مشتركة تتأثر بأي استهداف أو ضغط مفاجئ.
أما الرسائل العشوائية التي تلقاها المستخدمون، فتشير تقارير الأمن الرقمي إلى أنها تندرج ضمن حملات هندسة اجتماعية أو حربمعلومات تهدف إلى خلق ارتباك نفسي. وقد رُصدت حالات مماثلة في المنطقة، حيث تلقى مستخدمون رسائل تحذيرية مزيفة تطلب الإخلاء أو تدّعي وجود تهديدات أمنية، بهدف نشر الذعر دون تنفيذ هجوم مادي مباشر. وتدعم تقارير أمنية دولية هذا التفسير، إذ حذرت من تصاعد نشاط مجموعات مرتبطة بإيران تستخدم رسائل SMS أو تطبيقات التواصل لنشر معلومات مضللة أو روابط خبيثة. التأثير الفعلي لمثل هذه العمليات كان مزدوجاً: تقنياً عبر الضغط على الشبكات والخدمات، ونفسياً عبر زعزعة الثقة الرقمية ورفع مستوى القلق العام، ما يعكس تحوّل الصراع نحو أدوات غير تقليدية تستهدف المجتمع والبنية التحتية في آن واحد.
تمويل تعليمي لمن اراد اكمال دراسته الجامعية
تم تداول خبر في شبكات التواصل الاجتماعي السعودية خلال الفترة الأخيرة يدور حول ما وُصف بأنه برنامج تمويل تعليمي يتيح للراغبين إكمال دراستهم الجامعية بشروط ميسّرة، بل وتضمنت بعض الصياغات ادعاءات بوجود تمويل كامل يشمل الرسوم الدراسية، إضافة إلى مكافأة شهرية وسكن مجاني. وقد تم تداول هذه المعلومات على نطاق واسع عبر حسابات فردية ومنصات غير رسمية، ما أعطاها زخماً وانتشاراً سريعاً، خصوصًا بين فئة الشباب الباحثين عن فرص تعليمية بديلة. غير أن التحقق من المصادر الرسمية، بما في ذلك بيانات الجهات الحكومية والمؤسسات المالية ذات العلاقة، لا يُظهر وجود إعلان حديث يطابق هذه الصيغة الشاملة. الموجود فعليًا هو برامج قائمة منذ سنوات مثل تمويل التعليم عبر بنك التنمية الاجتماعي أو مبادرات تقسيط الرسوم عبر بعض البنوك والجامعات، وهي برامج تختلف من حيث الشروط والنطاق، وغالبًا ما تكون قروضًا ميسّرة أو دعمًا جزئيًا، وليست منحًا مجانية مفتوحة كما تم تصويرها في التداول الرقمي.
أما من زاوية التحليل، فإن انتشار هذا النوع من الأخبار إن لم يكن دقيقًا بالكامل يعكس تحولات أعمق في توقعات العلاقة بين الدولة والمجتمع، خصوصًا فيما يتعلق بدور الدولة في رعاية التعليم. فمجرد قابلية تصديق هذا الخبر تشير إلى وجود طلب اجتماعي متزايد على تدخل الدولة لتخفيف أعباء التعليم، في ظل تحولات اقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة. كما يمكن قراءة هذا التداول بوصفه مؤشرًا على احتقان صامت لدى فئات من الشباب، يبحث عن قنوات للترقي الاجتماعي عبر التعليم، ويأمل في دعم مؤسسي أكثر سخاءً. في المقابل، قد تسعى الدولة من خلال سياسات التمويل الميسر بدل المنح المباشرة إلى إعادة صياغة نموذج الرعاية من الدعم الكامل إلى التمكين المشروط، بما يوازن بين الاستدامة المالية وتعزيز المسؤولية الفردية. كذلك يعكس الأمر فجوة في الاتصال المؤسسي، حيث تترك المعلومات غير الدقيقة مساحة لملء الفراغ، ما يستدعي خطابًا رسميًا أكثر وضوحًا واستباقية.
ذكرى البيعة
في شهر مارس ٢٠٢٦، احتُفل في السعودية بالذكرى التاسعة لبيعة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث ركزت التغطيات الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية على إبراز ما تصفه بـ”مسيرة التحول” منذ عام ٢٠١٧. وتناولت هذه الاحتفالات باستعراض ما يوهم بأنه إنجازات مرتبطة برؤية السعودية ٢٠٣٠، بما في ذلك التوسع في المشاريع الاقتصادية الكبرى، ودعم ريادة الأعمال، وتعزيز دور صندوق الاستثمارات العامة في خلق فرص عمل وتنويع الاقتصاد كما وصفته صحيفة عكاظ. وأيضاً جرى تسليط الضوء على قرارات تنظيمية حديثة مثل ضبط سوق الإيجارات في الرياض بهدف تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي .وعلى المستوى الرمزي، قدّمت المناسبة باعتبارها محطة وطنية يستحضر فيها السعوديون فكرة التلاحم بين القيادة والشعب والانتقال إلى مرحلة جديدة من التحديث والتنمية، مع تأكيد مستمر على أن البيعة تمثل لحظة تأسيسية في إعادة تشكيل السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
تحليل هذه المناسبة يتجاوز البعد الاحتفالي إلى دلالات سياسية أعمق تتعلق بطبيعة النظام والعقد الاجتماعي في السعودية. إذ تُستخدم ذكرى البيعة المصطنعة كأداة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية عبر ربطها بالإنجاز الاقتصادي والتحول التنموي المزعوم، بحيث يصبح الأداء الاقتصادي جزءاً من مصادر الشرعية، وليس فقط الامتداد التقليدي للبيعة الدينية والسياسية. كما تعكس هذه المناسبة تحوّلاً في خطاب الدولة نحو التركيز على القيادة الفردية ذات الرؤية، حيث يتم شخصنة مشروع التحول في شخصية ولي العهد بوصفه مهندس التغيير. كذلك، تُسهم هذه الاحتفالات في تخفيف الضغوط الاجتماعية، خصوصاً لدى فئة الشباب، عبر الترويج والإيهام بأن فرصة العمل والرفاه الاقتصادي قائم على أحسن وجه وأن هناك العديد من المشاريع المستقبلية التي تقام حالياً. وفي الوقت نفسه، تعكس مركزية الدولة في توجيه الاقتصاد والمجتمع، حيث يتم دمج التنمية الاقتصادية المزعومة كإعادة ضبط المجال العام ضمن إطار سياسي محكوم، ما يشير إلى نموذج التحديث السلطوي، ومع هذا الدولة تعلن بشكل جلي للصحافة الغربية عن تعطيلها لعدد من المشاريع الكبرى على مدى الأشهر الماضية بما فيها نيوم ركيزة مشاريع رؤية ٢٠٣٠ والذي تم إيقافه أيضاً. إذاً ما هو الإنجاز الذي يحشد له الإعلام الرسمي الاحتفاء بيوم البيعة؟!
تلقى جاريد كوشنر ملياري دولار من المملكة العربية السعودية دون مقابل
تم تداول خبر يشير إلى أن جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، حصل بعد خروجه من البيت الأبيض علىاستثمار بقيمة ٢ مليار دولار من (صندوق الاستثمارات العامة السعودي). هذا التمويل جاء عبر شركته الاستثمارية Affinity Partners، التي أُنشئت حديثًا حينها، ورغم محدودية خبرته في إدارة صناديق استثمارية بهذا الحجم. وقد أثار القرار جدلًا واسعًا في الأوساط الإعلامية والسياسية الأمريكية، خاصة مع تقارير تحدثت عن تحفظات داخلية لدى لجنة المستشارين في الصندوق بشأن جدوى الاستثمار والمخاطر المرتبطة به، قبل أن يُعتمد القرار في النهاية من القيادة العليا للصندوق.
تحليل هذا الحدث يتجاوز كونه صفقة مالية إلى كونه مثالًا مكثفًا على تداخل السياسة بالاقتصاد في العلاقات الدولية، خصوصًا في الأنظمة الريعية والتسلطية. فالقضية لا تتعلق فقط بجدوى استثمارية، بل بطبيعة استثمار رأس المال السياسي الذي راكمه كوشنر خلال عمله الرسمي، خاصة في ملف العلاقات الأمريكية-الخليجية. هذا النمط من التبادل حيث تتحول الشبكات السياسية إلى أصول مالية يعكس أزمة في طبيعة العلاقات غير المتكافئة، حيث تُستخدم الموارد السيادية لتعزيز النفوذ السياسي الخارجي أو لضمان استمرارية قنوات التأثير داخل مراكز القرار الدولي. كما يطرح تساؤلات جوهرية حول الحوكمة والشفافية في إدارة الأموال العامة، وحدود الفصل بين المصلحة الوطنية والعلاقات الشخصية.
ما يكشفه هذا المشهد يتجاوز كثيراً حدود صفقة استثمارية عادية؛ إذ يضع أمامنا نموذجاً صارخاً للاسترزاق السياسي الرخيص، حيث تتحوّل العلاقات الاستراتيجية المُبنية في أروقة السلطة إلى رساميل خاصة بعد مغادرة المنصب. أشارت أستاذة الأخلاقيات القانونية كاثلين كلاركإلى أن كوشنر استطاع توظيف قربه من الرئيس ونفوذه داخل الإدارة وتحويلهما مباشرةً إلى مكاسب مالية شخصية. والأخطر من ذلك أن الصندوق لم يُحقق أي أرباح لمستثمريه، غير أن كوشنر جمع ١٥٧ مليون دولار من رسوم الإدارة وحدها، منها ٨٧ مليوناً مصدرها الجانب السعودي، وهذه المعطيات تُغذّي تساؤلاً جوهرياً: هل المال السعودي استثمارٌ فعلي، أم أنه شكلٌ من أشكال المكافأة المؤجّلة على سياسات رسمها كوشنر حين كان في السلطة، من صفقات الأسلحة إلى الصمت عن قضية خاشقجي؟ هذه الظاهرة ليست حكراً على شخص بعينه، بل هي تعبير عن خلل جوهري في المنظومة السياسية التي تتيح لمن يمسكون بخيوط القرار أن يُنقّدوا نفوذهم، فيما تبقى القوانين الأخلاقية الرادعة خطوطاً باهتة لا تقف أمام إغراء الثروة.
زيارة السيسي للسعودية: مجاملة دبلوماسية في ظل توترات مكتومة
في الحادي والعشرين من مارس ٢٠٢٦، أجرى الرئيس عبد الفتاح السيسي زيارة أخوية قصيرة إلى كل من البحرين والمملكة العربية السعودية، في إطار التأكيد على التضامن المصري مع دول مجلس التعاون الخليجي في ظل الأوضاع الإقليمية الراهنة. وقد كشفت طبيعة الزيارة نفسها عن حجم العلاقة بين الرجلين؛ إذ كان في استقبال السيسي عند وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث عُقدت جلسة مباحثات بمشاركة وفدي البلدين، أكد خلالها السيسي دعم مصر للمملكة في مواجهة التحديات الإقليمية، وأن أمن الخليج امتداد للأمن القومي المصري. غير أن الاستقبال في المطار دون مراسم رسمية، وطابع الزيارة العابر الذي امتد لساعات قليلة، يُقرأ دبلوماسياً كمؤشر على برودة في العلاقة السعودية المصرية. فالأنظمة التسلطية تتقن فن إدارة الصورة، وأي رئيس يُستقبل في المطار لا في قصر الضيافة يعلم أن رسالة ما قد أُرسلت، حتى وإن تبادل الطرفان عبارات المديح الرسمي.
هذه البرودة ليست وليدة اليوم؛ فجذورها تعود إلى منظومة معقدة من الملفات العالقة. في يناير ٢٠٢٣، صرّح وزير المالية السعودي بأن سياسة المملكة تجاه الدعم المالي لمصر قد تغيرت، إذ باتت تشترط إصلاحات اقتصادية حقيقية بدلاً من تقديم منح ودائع مباشرة. فضلاً عن ذلك، بدأت الرياض في إعادة تقييم مساعداتها، مع توجّه نحو الاستثمار في الأصول والمؤسسات بدلاً من المنح، وهو ما أفضى إلى توترات بين البلدين تجلّت في سجالات إعلامية شملت شخصيات بارزة من الجانبين. ويظل ملف جزيرتي تيران وصنافير الجرح الأعمق في العلاقة؛ إذ ترى الرياض أن القاهرة تتباطأ في تسليم الجزيرتين لأسباب غير مقنعة، فيما يُعتقد أن السيسي يعيق النقل النهائي لممارسة ضغط على الرياض واستخلاص مكاسب اقتصادية تخفّف من حدة الأزمة المالية التي تعصف بمصر. في المحصلة، تجمع هذين النظامين علاقة نفعية مثيرة للجدل: نظام مصري يبيع الموقف الجيوسياسي بحثاً عن إنعاش اقتصادي لا يتحقق، ونظام سعودي يُحوّل المساعدات إلى أدوات نفوذ دون أن يكلّف نفسه الإجابة عن التساؤلات الشعبية في بلاده حول جدوى هذه الشراكات. كلا الحاكمين يحرم مواطنيه من أي تأثير حقيقي في صياغة القرار.
خاتمة
ما كشفته أحداث مطلع عام ٢٠٢٦ يتجاوز كونه أزمة طارئة إلى كونه كاشفاً بنيوياً لتراكمات عقود من الخيارات الخاطئة في منطقة الخليج. فالحرب التي اندلعت بقرار أمريكي إسرائيلي دون مشاورة حقيقية مع دول الخليج، أفضت إلى ضربات إيرانية طالت منشآت نفطية وعسكرية وسفارات على الأراضي السعودية، وهو ما أسقط الادعاءات التي ترسّخت على مدى ثلاثة عقود منذ حرب الخليج ١٩٩١ بأن الوجود العسكري الأمريكي يُشكّل ضمانة أمنية فعلية. والحقيقة التي باتت ماثلة أن هذا الوجود كان في أحيان كثيرة عبئاً جيوسياسياً أكثر منه درعاً واقياً، إذ جعل الدول المضيفة أهدافاً مباشرة في صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل.
وعلى المستوى الأمريكي، لم يكتفِ ترامب بالتقصير في الحماية، بل حوّل الأزمة إلى فرصة ابتزاز مالي صريح، بينما يجوب غراهام العواصم الإقليمية ساعياً إلى تحميل دول الخليج كُلفة حرب صنعتها واشنطن وتل أبيب. وتظل قضية تمويل كوشنر بملياري دولار من الصندوق السيادي السعودي نموذجاً فاضحاً للطريقة التي تتحوّل بها العلاقات الاستراتيجية إلى صفقات شخصية، وبها تُستنزف الموارد الوطنية في خدمة شبكات النفوذ الخارجية.
أما على الصعيد الداخلي، فإن الاحتفال بذكرى البيعة في خضم تجميد المشاريع الكبرى، وانتشار أخبار التمويل التعليمي غير الدقيقة في فضاء رقمي يتعرض للاختراق والتضليل، تُشكّل مؤشرات على فجوة متسعة بين الخطاب الرسمي والواقع المُعاش. وتأتي زيارة السيسي القصيرة للسعودية لتشير على أن العلاقات البينية العربية ذاتها باتت محكومة بالحسابات الضيقة والمساومات الصامتة بعيداً عن أي رؤية استراتيجية مشتركة.
الدرس الأعمق الذي تُلقّنه هذه المرحلة هو أن الأمن الحقيقي لا يُستورد ولا يُشترى بالتريليونات، وأن الأنظمة التي تبني شرعيتها على الحماية الخارجية وتُهمّش بناء مؤسساتها الوطنية تجد نفسها في لحظات الأزمة رهينةً لمزاج آخرين. وما لم تُعاد صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أُسس من المشاركة والمحاسبة، ستبقى هذه الدول أسيرة معادلة مُكلفة: تدفع الثمن دائماً، وتملك قرارها نادراً.
لقراءة كامل التقرير بنسخه بي دي إف