ما هي الكلفة الاقتصادية لمصادرة حرية الرأي والتعبير؟
أحد أهم الركائز الأساسية في دساتير الدول الديمقراطية هي ضمان حرية الرأي والتعبير التي تحد من قدرة النظام السياسي على البطش ومعاقبة من يتجرأ على البوح بأفكاره، ويأتي هذا الحق في أطار منظومة متكاملة من التشريعات والمؤسسات التي تشكل النظام السياسي وتحد من تفرد شخص أو حزب سياسي بالقرارات السياسية العليا، لعل من أبرز تلك الإجراءات هو الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) ووجود وثيقة دستورية تنظم عمل السلطات وتنص على حماية حقوق الإنسان الأساسية. هذه التنظيمات والتشريعات تجعل حرية الرأي والتعبير ليست مسموحة فحسب، بل ومقدسة، فالنظام السياسي الديمقراطي عادة ما يسترشد برأي الشعب حيال القضايا المصيرية والقرارات المفصلية من خلال وجود مؤسسات متخصصة لقياس الرأي العام، ويأتي في هذا السياق حرية الصحافة (السلطة الرابعة) التي تعد أهم روافد حرية الرأي والتعبير، وفتح المجال للصحافة المستقلة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
لكن الوضع في دول الطغيان مختلفاً تماماً حيث تتركز جميع السلطات في أيدي دائرة محدودة من الأفراد، وتفتقر البيئة القانونية لأية تشريعات تقر حقوق الإنسان الأساسية، ولا يوجد حرية للصحافة، وتتم صياغة القوانين لخنق الآراء الحرة حتى في الفضاء الإلكتروني كنظام “الجرائم المعلوماتية” الذي يبدو في ظاهره أنه ينظم النشر على شبكات الانترنت، لكنه في الحقيقة يستخدم لقمع حرية التعبير خصوصاً في قضايا الشأن العام حتى يستمتع الطاغية بالسلطة المطلقة التي هي حقاً “مفسدة مطلقة”. هذا بالإضافة إلى تخلف البيئة القضائية التي تعاني من تبعيتها للسلطة التنفيذية التي تدير جميع شؤون البلاد من خلال الإدارة المركزية التي تصادر أبسط معايير استقلال ونزاهة وعدالة الجهاز القضائي، فالذي يقرر العقوبات هو الحاكم وأما دور المؤسسات العدلية فهو المصادقة على تلك الأحكام من خلال عقد “محاكمات” مسرحية محسومة النتيجة سلفاً. كما تجدر الإشارة هنا أن قضاة المحاكم يجهلون مبادئ ومعايير حقوق الإنسان الدولية بما في ذلك تلك التي صادق عليها واعتمدها النظام السياسي، لذا لم يكن مستغربا أن تصدر أحكام قضائية مغلّظة من المحاكم تصل إلى السجن الطويل أو الإعدام في قضايا تندرج ضمن حالات حرية الرأي والتعبير.
إن تحليل كلفة مصادرة حرية التعبير لا تنحصر في الجوانب السياسية والاجتماعية فحسب، بل تمتد إلى الشأن الاقتصادي من خلال التأثير على كفاءة وفاعلية قوى السوق في ظل غياب المعلومات الاقتصادية الضرورية التي تحتكرها الأجهزة الحكومية، ويُعاقب كل من يجرؤ على نشر بيانات مغايرة أو يعرضّ الرواية الرسمية للنقد والتحليل حتى لو أتبع الأسلوب العلمي المتجرد والمحايد. يترتب على تباين حجم المعلومات بين الأجهزة الحكومية والمستثمرين خلل في قراءة المؤشرات الاقتصادية كالأسعار وتقييم المخاطر والتنبؤ باضطراب سلاسل الإمدادات وفقدان الثقة في حوكمة الشركات المحلية، ويؤدي ذلك إلى تراجع حجم الاستثمارات في النشاطات الاقتصادية الأكثر كفاءة مما يؤدي إلى تأثيرات سلبية خطيرة على النمو الاقتصادي.
بالنظر إلى الجدل الدائر الآن حول إلغاء وتعديل بعض برامج التعليم العالي في الجامعات المحلية، فإن هذا النقاش يغفل الركن الأساسي في نجاح العملية التعليمية ألا وهو أن توفر الحريات الأساسية في البيئة الجامعية يُعد شرطاً أساسياً للتميز والإبداع، لذا لم يكن محض مصادفة أن تنجح الجامعات التي تتمتع بسقف حرية كبير من تحقيق اكتشافات علمية وإبداعات فنية وأدبية هائلة، في حين يقتصر دور الجامعات في التلقين واجترار أفكار بالية في ظل بيئة القمع الفكري. إن مصادرة حرية الرأي والتعبير يترتب عليها هجرة العقول المبدعة التي لا تستطيع البوح بأفكارها في ظل بيئة طاردة تعتبر الآراء الجديدة تهديداً وجوديًا، مما يدفع الناس إلى الانتقال إلى بلدان أجنبية تُراعى فيها حرية الرأي والتعبير، والغريب أن النظام السياسي القمعي لم يكتف بما ارتكبه من جريمة تهجير للعقول الوطنية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بملاحقتهم بالاغتيال الحسي والمعنوي بوصفهم بالخونة والمشردين.
إن منع النقد البناء وحضر النقاش العلمي حول السياسات العامة يفوّت الفرصة على متخذ القرار لتصحيح الأخطاء وتعديل المسار قبل وقوع الكوارث الاقتصادية التي قد تتسبب في خسائر كبيرة للمستثمرين، مما يؤدي إلى تقليص تدفقات الاستثمارات الأجنبية وهجرة رؤوس الأموال المحلية نظرًا لارتفاع المخاطر جراء فقدان الثقة في أداء المؤسسات الحكومية والعشوائية في تطبيق التشريعات في ظل غياب سيادة القانون. ولعله من نافلة القول التأكيد على أن غياب حرية الصحافة ومصادرة حرية الرأي والتعبير يترتب عليها تفشي الفساد المالي والاداري حيث توجه الاستثمارات الحكومية مدفوعة بالمكاسب الشخصية إلى مشاريع كبرى خيالية مصيرها الفشل دون رقابة أو محاسبة أو انتقاد من قبل المختصين والمهتمين بالشأن العام.
مصادرة حرية الرأي والتعبير تتطلب إنفاقاً كبيرًا من المال العام على أجهزة الرقابة والتجسس والتحقيق والمحاكمة والسجون وكل ذلك يأتي على حساب الإنفاق على مشاريع البنى التحتية والصحة والتعليم في ظل ما يسمى بتكلفة الفرصة البديلة، خصوصًا أن الإنفاق على منظومات القمع تمثل نسبة كبيرة من الميزانية العمومية المحاطة بالسرية التامة نظراً لاعتبارها من متطلبات الأمن الوطني. إلا إن حرية الرأي والتعبير السلمي هي الضامن لتحقيق الاستقرار والسلم الاجتماعي من خلال نزع فتيل الاحتقان الشعبي الذي قد يؤدي إلى الانفجار العنيف (المظاهرات والاحتجاجات الشعبية) التي تفضي إلى كلفة اقتصادية هائلة مقارنة بالكلفة البسيطة المترتبة على السماح بحرية إبداء الرأي والنقد البناء.