الأسباب السياسية لمشكلة البطالة وكيفية حلها؟

 

تعتبر مشكلة البطالة تحدياً كبيراً لصانع القرار تستوجب التدخل السريع وتقديم حلول عملية للقضاء عليها قبل أن تصل إلى مراحل تراكمية خطيرة، فالبطالة هي التباين بين الفرص الوظيفية المتاحة وتعداد الباحثين عن العمل، فالوظائف تُخلق من خلال إنفاق المستثمرين على نشاطات اقتصادية جديدة ومن ثم يتم ملء هذه الشواغر بالراغبين في العمل، أما وظائف القطاع العام فهي محدودة ولا تستوعب سوى أعداد ضئيلة نظراً لتعزيز كفاءة الأجهزة الحكومية، وبالتالي فإن البطالة هي عملية ديناميكية حيث أنه في كل عام يدخل سوق العمل عدد كبير من خريجي الجامعات والمعاهد المتخصصة يتنافسون في الحصول على الوظائف المناسبة المعروضة في الاقتصاد الوطني في العام نفسه. وبهذا التوصيف فإن البطالة هي خلل هيكلي في الدورة الاقتصادية إذا لم يتم إصلاحه فسيتحول إلى إشكالية مزمنة قد يصبح علاجها مستحيلاً في المستقبل، لذا فإنه يمكننا القول أن أهم مسببات البطالة هي فشل السياسات الحكومية في توجيه الاستثمارات الخاصة نحو القطاعات التي تخلق المزيد من الوظائف، ويمتد كذلك إلى الإخفاق في حماية الفرص المتاحة وتخصيصها لتوظيف القوى العاملة الوطنية. وفي الوقت الذي يتجاهل فيه النظام السياسي المستبد الأصوات المطالبة بتقديم حلول جذرية لمشكلة البطالة ويستمر في التظاهر بأنه غير مكترث بالمشكلة أصلاً لأنه لا يخضع للمسائلة ولا يخشى تبعات تصويت المواطنين، إلا أن الوضع في البلدان الديمقراطية مختلف تماماً فقد يؤدي تفاقم مشكلة البطالة إلى الإطاحة بالنظام السياسي برمته من خلال صناديق الاقتراع الشعبية.

إذاً مسببات البطالة سياسية وليست اقتصادية أو اجتماعية أو تأهيلية كما يدعي البعض، وتكمن جذور المشكلة في حرمان الشعب من حقه المشروع في التصويت واختيار حكومته وانتخاب نوابه الذين يخوّلهم تمثيله، وقد تمخض عن ذلك “قيادات” سياسية غير مؤهلة وفاشلة تبحث عن مصالحها الشخصية وتضحي بالمصالح الوطنية العليا، ناهيك عن خيانتها لأمن الوطن والتخلي عن دورها في الدفاع عن مصالح المواطنين. في ظل هذه الظروف السياسية المحمومة ينحصر دور النظام السياسي في ضمان المناصب السياسية العليا لأبناء الأسرة الحاكمة بصرف النظر عن شروط تأهيلهم، فأصبح المقربين منهم يشغلون الوظائف الرفيعة مثل الوزراء ونواب الوزراء وحكام المناطق والمحافظون، ولم يكتفوا بالفشل في اتخاذ القرارات التي تخدم المصالح الوطنية، بل شاركوا في تدمير أمن ومصالح المواطنين من خلال استغلال نفوذهم اللامحدود في السباق نحو الإثراء غير المشروع. وبهذا يكون الفاسدون من أبناء الأسرة الحاكمة هم السبب المباشر في معاناة الشعب من الفقر والبطالة من خلال إغراق سوق العمل بالعمالة الأجنبية الرخيصة التي حلت محل الأيدي العاملة الوطنية، هذا التدمير المتعمد لسوق العمل المحلي أدى إلى تدهور مستوى أجور المواطنين التي أصبحت تُحدد في أسواق عمل الدول ذات الكثافة السكانية (كالقاهرة ودلهي ودكا…. إلخ)، ويمكن إثبات هذه الظاهرة – أو نفيها – من خلال نشر وزارة الموارد البشرية قائمة بكبار كفلاء العمالة الأجنبية.

لعل الخطوة الأولى لحل مشكلة البطالة هي الحصول على إحصاءات دقيقة للنسب الحقيقية للعاطلين عن العمل، فجميع الإحصاءات التي تنشرها الوزارات ذات العلاقة لا تمت إلى الحقيقة بصلة، بل يتم تزويرها لتُظهر النجاحات المزعومة لرؤية الفشل، في حين يستمر استحواذ الأيدي العاملة الأجنبية على الفرص الوظيفية وتزداد معاناة المواطنين من العوز والبطالة. وإذا كان النظام السياسي جاداً في نزع فتيل قنبلة البطالة الموقوتة وتقليص نسب الأجانب التي تمثل خطراً وجودياً على الأمن الوطني، فعليه اتخاذ خطوات عملية وعاجلة تقضي بقصر العمل في قطاع البيع والتوزيع وغيرها من القطاعات على المواطنين، وتشجيع المواطنين على الاستثمار في تلك المشاريع العائلية الصغيرة. ومن تلك الخطوات العملية تأسيس المئات من الشركات المساهمة التي تنظم عمل القطاعات المختلفة مثل البناء والتشييد والنقل والتشغيل والصيانة حيث تضعف سيطرة العمّال الأجانب على تلك النشاطات وتضمن إحلال العمالة الوطنية من خلال التدريب ونقل المهارات العملية. هذا ويضاف إلى ذلك إعادة النظر في عقود المقاولات الحكومية في المشاريع الكبرى التي تُمنح للشركات الأجنبية التي تخصص الوظائف ذات الرواتب العليا فيها للأجانب، في الوقت الذي يقتصر نصيب الأيدي العاملة الوطنية على الفرص ذات الأجور المتدنية، ويتم تحقيق ذلك من خلال إلزام المقاولين بتوظيف وتدريب المهنيين المواطنين على العمل في تلك المشاريع من خلال منح المقاولين إعفاءات ضريبية ومعونات وأولوية في الحصول على عقود المشاريع للمقاول الذي يحقق نسب عليا في تمكين الأيدي العاملة الوطنية.

وفي الختام، على العاطلين عن العمل تنظيم صفوفهم من خلال تأسيس رابطة في الفضاء الإلكتروني لأجل المطالبة بحقوقهم من خلال الضغط على النظام السياسي بالطرق السلمية حتى يصبح توظيف المواطنين أولوية قصوى تضاهي بقاء وسلامة النظام السياسي، حتى يدرك المستبد أن الوضع قد تغير وأن استمراره في الحكم مشروط بمدى دفاعه عن المصالح الوطنية العليا ورضا الشعب عن أدائه.



شاركـــــها