التقرير الشهري: حال السعودية شهر أبريل ٢٠٢٦

مقدمة

يهدف هذا التقرير إلى تقديم رصد وتحليل نقدي لأبرز الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية خلال شهر أبريل ٢٠٢٦ مع التركيز على تقييم سلوك النظام السعودي وسياساته. التقرير يُسلط الضوء على التناقضات بين التوجهات المعلنة والسياسات الفعلية، وتأثيرها على القضايا الإقليمية والدولية. تم إعداد التقرير بالاستناد إلى مصادر متنوعة، تشمل وكالات أنباء محلية ودولية، وتقارير منظمات دولية، وتحليلات خبراء. في هذا التقرير، نسلط الضوء على هذه التناقضات من خلال قراءة نقدية لأبرز التحركات الدبلوماسية، والانتهاكات الحقوقية، والسياسات الاقتصادية، مدركين أن أي تحليل رصين لا بد أن ينطلق من الواقع، لا من ادعاءات السلطة، ومن مصالح الناس، لا من سرديات الأجهزة الرسمية.

يتناول هذا التقرير جملةً من الوقائع السياسية والاقتصادية والإعلامية التي برزت خلال شهر أبريل من عام ٢٠٢٦ جملةً من الأحداث المتشابكة التي تكشف في مجملها عن طبيعة المشهد السعودي الراهن بكل تعقيداته وتناقضاته الصارخة. فعلى الصعيد الحقوقي، واصلت السلطات تنفيذ أحكام الإعدام بوتيرة غير مسبوقة في تاريخ المملكة، إذ بلغ عدد الذين نُفّذ بحقهم الإعدام هذا الشهر وحده اثنين وثلاثين حالة، طالت من بينهم من اعتُقلوا وهم أطفال لم يبلغوا العاشرة من عمرهم، في غياب شبه تام لضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع. وتُضاف إلى هذا المشهد الحقوقي القاتم قضية سعود الفرج التي كشفت عن بُعد أشد خطورة، يتمثل في توظيف أجهزة الأمن لتهمة الإرهاب ذريعةً لتصفية من يرفض الانخراط في العمل الاستخباراتي لصالح الدول، حيث وصل عدد الأشخاص الذين أعدمتهم السلطة أكثر من ٢٠٠٠ إنسان في فترة سلمان فقط.

وعلى الصعيد الديني، تصدّر المشهدَ حذفٌ ممنهج لفتاوى المفتي العام صالح الفوزان الإشكالية، في خطوة تعكس نهجاً راسخاً في التحكم بالذاكرة الجمعية وتشكيل الخطاب الديني وفق مقتضيات اللحظة السياسية لا وفق اعتبارات الإصلاح الديني الحقيقي. فالدولة تمحو جزء جوهري من خطابها الديني الرسمي الذي يقوم على تشريع عنف السلطة وقمع المواطنين بفتاوى دينية منتقاه من قبل شخصيات محددة مثل الفوزان. اقتصادياً، يتواصل الضخ الهائل للمال العام في مشاريع لم تُثبت جدواها، من ملاكمة لندن إلى غيرها في مقابل التخلي عن تمويلدوري ليف غولف الذي أُعلن عن خسائر تجاوزت خمسة مليارات دولار، فيما يُجاهر تقرير رؤية ٢٠٣٠ بنسب إنجاز مبهرة لا يسندها واقع المواطن المثقل بالضرائب وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، التي باتت تتجلى بوضوح في الارتفاع المذهل لأرقام الدفع الآجل من أربعة عشر مليون ريال إلى سبعة وثلاثين مليار ريال في أربع سنوات فحسب، وهو رقم لا يعكس ازدهاراً بقدر ما يعكس أزمة صامتة في القدرة الشرائية الفعلية للمواطن.

إقليمياً، وجدت المملكة نفسها في قلب أزمة شبه وجودية حادة، إذ استهدفت الضربات الإيرانية شريانها النفطي الرئيسي الذي كانت تعوّل عليه بديلاً عن مضيق هرمز، فيما أعلنت الإمارات انسحابها من أوبك في أوضح إشارة على التصدع الخليجي الصامت الذي طال كتمانه. هذا التقرير يرصد هذه الأحداث بعين تحليلية نقدية تسعى إلى قراءة ما وراء الأرقام والتصريحات الرسمية، وفهم البنية المؤسسية التي تجعل هذه الأنماط متكررة لا استثنائية في مسار الحكم السعودي الراهن.

الإعدامات مستمرة

استفتحت الحكومة السعودية شهر أبريل بإعدام المواطن الشاب سعود بن محمد بن علي الفرج على خلفية الانضمام إلى تنظيم إرهابي خارجي، وهي ذات التهمة التي من خلالها تقتل السلطات السعودية مواطنيها دون وجود دليل حقيقي. تم اعتقال في عام ٢٠٢١ على خلفية مشاركته الاحتجاجية السلمية في مظاهرات حدثت عام ٢٠١٠ -٢٠١١ لكن التطور الخطير في موضوع الفرج هو ما ذكرته منا لحقوق الإنسان أنه “في بداية نوفمبر ٢٠١٩، تلقى الفرج مكالمة هاتفية من الملازم العقيد من المباحث الذي طلب منه المشاركة في مهمة استخباراتية نيابة عن الحكومة السعودية. رفض الفرج المشاركة في المهمة وبالتالي تم تهديده من قبل الملازم”. يتعرض العديد من الشيعة في السعودية إلى استهداف ممنهج من قبل الحكومة السعودية، فلا يتم النظر لهم كمواطنين، بل كمواطن مدان. وفي ٩ أبريل أعدمت الدولة الشاب على السبيتي وهي الحالة الثالثة كما ذكرت منظمة القسط لحقوق الإنسان لإعدام أطفال قصر تم اعتقالهم وهم حول العاشرة من العمر. ذكرت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوقالإنسان أن عدد الأشخاص الذين تم إعدامهم فقط منذ تولي سلمان بن عبدالعزيز الحكم في ٢٣ يناير ٢٠١٥ تجاوز ٢٠٠٠ إنسان. هذا الرقم هو الأعلى في تاريخ السعودية. إضافة أن السلطات السعودية أعدت فقط في هذا الشهر ٣٢ حالة. تعكس هذه الإعدامات الحالة العدلية الإنسانية في السعودية، حيث تنتهي حياة العديد من المواطنين والمقيمين بشكل غير عادل في معظم الحالات، حيث الاختلال العدلي وفقدان المتهمين لآليات تضمن وجود محاكمة عادلة هي أبرز سمات الحالة السعودية، وهي حالة مستمرة في طبيعة الحكم السعودية لكنها أكثر وضوحاً في عهد سلمان وابنه محمد، حيث لا عدالة مع كل من تتهمه السلطة.

حذف حساب الفوزان (المفتي العام)

خلال الأشهر الماضية تم تعيين صالح الفوزان في منصب المفتي العام للسعودية، وهو ما يأتي خطوة منسجمة مع توجهات الحكم في عهد سلمان وابنه محمد، عُرف الفوزان بخطابه المتشدد والتكفيري وفي ذات الوقت الداعم للسلطة في أي خطوة أو اتجاه تتبعه السلطة السعودية، حتى لو كان يناقض اتجاهاتها، فصالح الفوزان يساهم في كل مرة في إسباغ مسحه شرعية دينية على سلوك السلطة. ولهذا يأتي تعيينه في الأشهر الماضية كمفتي عام هو بمثابة مكافأة له، على الرغم أن منظومة الحكم في عهد سلمان ومحمد تجاوزت تقاليد الحكم في خلق التوازنات السابقة مع كبار العلماء. ما حدث هذا الشهر هو أنه تم حذف العديد من الفتاوى التي أصدرها صالح الفوزان وتعتبر فتاوى شاذة دينياً ولا تنسجم لا مع روح الدين الإسلامي ولا مع المنطق السليم لأي إنسان كائن من كان. لهذا تأتي هذه الخطوة في تقليل المحتوى الجدلي الذي يتناقض مع اتجاهات الانفتاح المزعوم الذي يتبناه محمد بن سلمان. وهي خطوة تنسجم مع محو الذاكرة التاريخية، حتى لو كانت سيئة، فالمنهج المتبع هو إلغاء كل ما يخالف اتجاهات الدولة، حتى لو ظهر كاختلال وتدمير للذاكرة التاريخية للشخص أين كان. فالدولة لا تكترث بذاكرة العلماء ولا المفكرين، فالمهم لديها هو تعزيز موقفها، حتى لو على حساب محو أرشيفات كبرى من الوجود.

تداعيات الحرب الإيرانية الأمريكية:

دخلت الحرب الإيرانية الأمريكية مرحلة جديدة بعد ٦ أسابيع من الضربات المستمرة بين الجانب الأمريكي على الجانب الإيراني، في الوقت الذي كان الإيرانيين يوجهون صواريخهم وضرباتهم العسكرية على دول الخليج مستهدفة في البدايات القواعد العسكرية الأمريكية مقراتها، ثم منشأة الطاقة والبنية التحتية. لكن الحرب دخلت منعطف جديد بعد شروع الطرفين الأمريكي والإيراني لقبول الوساطة الباكستانية في ٨ أبريل للتهدئة وإجراء تفاوضات يرجى من خلالها إنهاء الحرب. إلى نهاية هذا الشهر، لم تسفر هذه المفاوضات عن اتفاق نهائي، لهذا تجد السعودية نفسها في صلب هذه التطورات، إذ تُعدّ الوساطة الدبلوماسية لإنهاء الصراع ذات أثر مباشر على أمنها واستقرارها وهي تسعى جاهدة لدعمها. ومن أجلّ وأوضح هذا الاتجاه هو دعم المالية الباكستانية حيث نقلت رويترز نقلاً عن وكالة الأنباء السعودية الرسمية ​أن المملكة مددت أجل ‌وديعة بقيمة خمسة مليارات دولار لدى البنك المركزي الباكستاني، وأعلنت ​عن وديعة إضافية بقيمة ​ثلاث مليارات دولار. تأتي هذه الخطوة كإستثمار سعودي يحافظ على بنيتها التحتية والنفطية التي يقوم عليها الاقتصاد السعودي بشكل أساسي، هو البحث عن أمل في وقف الحرب ووقف الاعتداءات الإيرانية على خطوط إنتاج ونقل النفط خصوصا بعد إغلاق مضيق هرمز.

في نفس السياق تم ضرب أحد أهم مسارات نقل النفط من الساحل الشرقي إلى الغربي، يعتبر هذا المسار هو مسار وشريان أساسي يتم من خلاله نقل ٥ مليون ملايين برميل نفط يومياً، وبضربه يتعطل الاقتصاد السعودي بشكل جوهري. فيما أسفرت هذه الضربة عن سقوط قتيل و٧ مصابين ضحايا هذا الاعتداء الإيراني. تشكل هذه الضربات آثار متعددة، فعلى المستوى المحلي مع كثرة هذه الضربات تقل ثقة المواطنين بقدرة الدولة على توفير حماية حقيقية لهم خصوصاً في حال وقوع خسائر بشرية. أما من الناحية الاقتصادية ينعكس على واقع سياسي وجغرافي جديد أن الدولة لا تملك خيارات حقيقة ومضمونة لا من خلال الخليج ولا من خلال البحر الأحمر الذي كانت تعتقد أنها سوف تكون قادرة على تجاوز إشكالية إغلاق مضيق هرمز، لكن وصول الضربات الإيرانية هو ضربة قاضية على الاقتصاد السعودي. لهذا تأمل الحكومة السعودية بنجاح الهدنة والوساطة الباكستانية. والتحدي الحقيقي هو ماذا سوف يكون شكل المنطقة بعد نهاية الحرب، حيث تتأرجح توازنات القوة إلى الإيرانيين في التحكم بمجريات الاقتصاد والممرات المائية سواء في الخليج أو البحر الأحمر، وهو ما يعد واقع جديد للحكومة السعودية.

 

صدور التقرير السنوي لرؤية ٢٠٣٠:

أصدرت المملكة يوم السبت ٢٥ أبريل التقرير السنوي لرؤية السعودية ٢٠٣٠، إيذاناً بالانتقال إلى المرحلة الثالثة والأخيرة من الرؤية، يزعم التقرير أن الرؤية حققت ٩٣٪ من أهدافها. يعكس هذا التقرير حالة الأوهام التي تعيشها الدولة، حتى لو أصدرت تقارير وكتبت صحف وأقيمت مؤتمرات حول الرؤية، لكن الواقع يقول بنفس خطابات السلطة، أن الدين العام تضاعف، وأن العجز المالي لهذا العام هو يمثل ثلث الميزانية، مع ارتفاع التضخم المالي في معظم المدن السعودية وخصوصا المدن الكبرى والعاصمة، وزيادة البطالة بين خريجي الجامعات وطلاب الثانوية. خروج تقرير يزعم نجاح الرؤية هو شكل من أشكال سلوك السلطة المنفصل عن الواقع والذي لا يريد أن يقدم مراجعات حقيقة ومسائلة عن سلوك السلطة. فمحمد بن سلمان زعم في أول خروج له في الإعلام أن هدف الرؤية هو تنويع الاقتصاد وإيقاف الاعتماد على النفط، فهل تحقق هذا المطلب؟ تنويع الاقتصاد لا يكون بسيطرة الدولة على مفاصل الاقتصاد العام والخاص، بل بإتاحة المجال للمشاريع المتوسطة والصغرى دون قيود مالية تتربح منها الدولة دون حق. فالقوانين والتشريعات التي سنتها الحكومة على القطاع الخاص قتلت العديد من المشاريع وأخرجتها من السوق بسبب تكاليف ليست في صالح المستثمر المحلي. أيضا أهم المشاريع التي تبنتها الدولة للرؤية هو المدن السياحية والمدن الجديدة وعلى رأسها نيوم، كلها تم إيقافها بعد تم ضخ بلايين الأموال من الخزينة العامة للشعب دون محاسبة تذكر. كيف ستتم محاسبة من أهدر المال العام في مشاريع وهمية، فضلاَ عن طرد سكان العديد من المناطق وإيقاف عقاراتهم وهدم أملاكهم لأجل رغبة شخص واحد مقتنع بتصور معين حول شكل الدولة والمشاريع.

 

الحالة المالية والاقتصادية:

 في مؤتمر صحفي بالرياض بتاريخ ١٥ أبريل، استعرض محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان استراتيجية الصندوق للفترة ٢٠٢٦-٢٠٣٠،  أكد الرميان أن خطط نيوم تعتمد على الإنجاز التدريجي المنضبط وفق الجدوى التجارية، وأنه لم يتم إلغاء أي مشروع في نيوم لكن تم تأجيل بعضها، مع التركيز على “أوكساجون” كمحرك أول “هي مدينة صناعية مستقبلية عائمة تقع في نيوم، السعودية، وتعتبر أكبر هيكل عائم في العالم. ترتكز على الابتكار والاستدامة، وتستهدف تطوير القطاعات النظيفة والمتقدمة، معتمدين على الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة بنسبة١٠٠٪ بهدف خلق مركز صناعي عالمي يربط مباشرة بالأسواق الدولية عبر البحر الأحمر”. هذا التعريف وفق موقع نيوم. وأوضح الرميان أن العمل جارٍ لإعادة هيكلة مشاريع نيوم لتحقيق جدوى مالية مستدامة وتنفيذها على مراحل مدروسة. كما صرّح بأن مشروع ذا لاين يُعدّ أحد أبرز مكونات نيوم، لكنه رغم أهمية إنجازه بحلول 2030، لا يُعتبر مشروعاً أساسياً في المرحلة الحالي.

هذا التصريح يقرأ في سياق تعديل لصورة الدولة أمام الجمهور العام، حيث خلال الأشهر الماضية أعلنت بشكل عام في عدد من الملتقيات أنها أوقفت عدد من المشاريع، وصرحت عدد من الشركات أن السلطات السعودية أخبرتها بإنهاء عقودها حول هذه المشاريع، ما جعل صورة الدولة تبدوا متخبطة، حتى أنه تم إقالة الفالح بعد تصريحه عن إدارة المشاريع أنها ليست استراتيجية في اتخاذها للقرارات، ما ترتب عليه إقالته في أقل من أسبوع. عندما أُطلق ذا لاين عام ٢٠٢١، كان الخطاب يتحدث عن مليون ونصف ساكن بحلول عام ٢٠٣٠ وخط حضري بطول ١٧٠ كيلومتراً. اليوم يقول الرميان وهو المسؤول الأول في الصندوق الممول إن ذا لاين “ليس مشروعاً أساسياً” في المرحلة الراهنة، وهذا ليس تعديلاً في الأولويات، بل تراجع جوهري عن وعود رُوِّجت للعالم ولمواطنين هُجِّروا قسراً من أراضيهم. أبناء قبيلة الحويطات دفعوا ثمناً إنسانياً حقيقياً، بالتهجير والاعتقال وما هو موثق دولياً من انتهاكات، لصالح مشروع باتت قيادته تصفه بأنه غير أساسي في هذه المرحلة. الفجوة بين الخطاب الأصلي الطموح والتراجع الهادئ اليوم تكشف أن المشروع قُدِّم للرأي العام بحجم أكبر بكثير مما كانت تمثله الجدوى الحقيقية.

تصريح الرميان هو اعتراف ضمني بأن الأزمة الإقليمية تضغط على الأجندة الاستثمارية. لكن ما لم يُقَله أخطر مما قيل: فهو لم يذكر كم كلّف ذا لاين من الأموال العامة قبل أن يُهمَّش؟ لا أحد يعرف بالضبط كم هي الأموال التي صرفت من المال العام ومن الديون التي تتراكم بسبب هذا الوهم، ولا عدد الأموال التي تم إجبار التجار والشركات المحلية لدعم هذا المشروع والمشاريع المماثلة في نيوم بالتحديد وغيرها. وكل هذا لأن صندوق الاستثمارات العامة يعمل في غياب شبه تام للرقابة المستقلة لا برلمان يسأل، ولا ديوان محاسبة فاعل يُدقق، ولا صحافة حرة تحقق. المفارقة الصارخة أن الصندوق يُدار بأموال الشعب السعودي لكنه لا يُجيب أمام الشعب السعودي. التخطيط للمشاريع الكبرى جرى في أجواء انبهار إعلامي وتسابق للترويج، لا في أجواء التدقيق والتحليل الرصين. والنتيجة: مليارات أُنفقت على تصميمات وعقود وتهجير، والمحصلة الميدانية كيلومترات محدودة من الهيكل. لهذا كل ما يحدث هو متوقع منذ اليوم الأول لدى العديد من المراقبين العارفين بطبيعة الأنظمة التسلطية خصوصا أنه لا مكان للشفافية والمحاسبة لهذا من الطبيعي أن يكون هناك استهتار بالأموال العامة وبممتلكات الشعب وما يترتب عليها من آثار لا تمحى.

تركي آل الشيخ وملاكمة الـ٥٠ مليون

يواصل تركي آل الشيخ، رئيس هيئة الترفيه السعودية والمستشار الملكي، ضخّ عشرات الملايين من الدولارات في قطاع الملاكمة العالمية، إذ تجاوزت الجوائز المُخصصة لنزالات كبرى ينظمها في لندن وغيرها حاجز ال٥٠ مليون دولار، فضلاً عن عشرات الملايين الإضافية التي تُصرف على الإعلان والترويج وحقوق البث. وتأتي هذه الأرقام في سياق يزعم بتبني استراتيجية أوسع تتبناها السعودية لاستضافة الأحداث الرياضية الكبرى وتحويل المملكة إلى وجهة ترفيهية عالمية ضمن أهداف رؤية ٢٠٣٠، ويتولى تركي آل الشيخ شخصياً الإشراف على ملفات الترفيه والرياضة بصلاحيات واسعة وبميزانيات ضخمة لا تخضع لأي رقابة مستقلة أو تدقيق عام.

تأتي هذه الإعلانات في الوقت الذي تعلن الدولة عن عجز ودين مالي كبير لهذا العام والعام القادم، وفي وقت تتعرض المداخيل النفطية المالية لشبه شلل اقتصادي نتيجة الحرب الحالية، لكن كلها يمر دون أن يتم إخضاع أي من مشاريع الترفيه لأي مساءلة أمام أي جهة رقابية مستقلة أو حتى السماح بالنقد الاجتماعي لها في المجال العام. مبلغ بقدر ال٥٠مليون دولار جوائز في نزالَي ملاكمة في لندن لا الرياض عني أن المال السعودي يُضخ في اقتصاد بريطاني ويُبهج جمهوراً بريطانياً، بينما يعاني مواطنون سعوديون من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الدعم الحكومي ورسوم الخدمات التي فُرضت في إطار رؤية ٢٠٣٠ ذاتها. الزعم بأن مثل هذه المناسبات هي استثمار ناعم هو شكل من الأوهام التي يسوقها النظام السعودي داخلياً، بل على العكس هو يعزز صورة سلبية عن دولة تبدو متخلفة في إنفاقها المالي، فهي لديها إشكاليات حقيقة وتقوم بإنفاق أموال كبرى في الخارج دون وجود هدف حقيقي، فهذه الأموال لا تمول فيها مشاريع تنموية مثل التعليم أو الصحة مما يخلق أثر نفسي حقيقي في نفوس المستفيدين، بل هي لجمهور رياضي لرياضة تعاني من إشكاليات بالبقاء لعدم وجود من يدعم أو يقتنع بهذا النوع من الرياضات البائسة.

هذا النموذج يُكرّس ثقافة خطيرة مفادها أن المسؤول القريب من محمد بن سلمان يستطيع أن يُنفق ما يشاء متى شاء ويُسوّق إنفاقه باعتباره “تحسيناً للصورة” أو “الدبلوماسية الناعمة”، وهي مصطلحات فضفاضة لا يمكن قياسها ولا محاسبة أحد عليها. وحين تُضاف هذه الأرقام إلى ما يُصرف على جولات بطولات الغولف وسباقات الفورمولا، واستقطاب نجوم كرة القدم وعروض الفنانين العالميين بمبالغ فلكية، تتشكل صورة لدولة تُنفق مليارات على شراء الصورة في الخارج بينما تغيب الشفافية في الداخل. وكل هذه تعكس شيء جوهري أنه دون وجود نظام ديمقراطي ومحاسبة حقيقة فلن ولن يتوقف العبث والفساد المالي، فالسلطة الملكية تعتقد أنها فوق المواطنين.

الانسحاب من دوري ليف غولف

أعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي توقفه عن تمويل دوري ليف غولف بعد موسم ٢٠٢٦، حيث يعتبر صندوق الاستثمار هو المالك الرئيسي لهذا الدوري، ومحمد بن سلمان هو رئيس مجلس الإدارة الخاص به. بحسب ما أفاد متحدث باسم الصندوق لوكالة الصحافة الفرنسية، وذلك بعد ساعات من إعلان الدوري أنه يسعى لتأمين شركاء ماليين على المدى الطويل. وترددت شائعات بأن داعمي ليف في الرياض تراجعوا عن دعمهم للمشروع الباهظ التكلفة، والذي يُقال إنه كلّفهم أكثر من ٥ مليارات دولار حتى الآن. وبالتوازي مع ذلك، تأجّلت دورة نيو أورلينز المقررة في يونيو بسبب تغييرات نموذج أعمال ليف، في مشهد يكشف عن أزمة مالية هيكلية تضرب الدوري من الداخل.

كان هدفه المعلن هو تطوير لعبة الغولف عالمياً،  فيما كان هدفه الحقيقي غسيل الصورة وشراء الشرعية الدولية عبر الرياضة مثل ما حدث مع شراء عقود لاعبي كرة القدم الأشهر عالمياً مثل كريستيانو رونالدو وبنزيما ورياض محرز وغيره من نجوم الدوري الإنجليزي والفرنسي. المفارقة المؤلمة أن هذا المبلغ الضخم لم يُنفَق على مستشفيات أو تعليم أو إسكان للمواطن السعودي، بل ذهب إلى جيوب لاعبي غولف أمريكيين وأوروبيين، في رياضة يمارسها أقل من ١٪ من سكان العالم، في بلدان لا تربطها بالمملكة أي علاقة جغرافية أو ثقافية. يُشير الانسحاب المحتمل إلى أكثر من مجرد تحول في الاستثمار الرياضي، بل يؤكد توجهاً أوسع في إعادة تقييم الأولويات الاقتصادية للمملكة. لكن هذا “التقييم” الذي جاء في وقت متأخر حيث تراكم الديون العامة وفشل واقعية المشاريع وزيادة البطالة وسير الدولة بقيادة محمد بن سلمان في مسار غير واقعي في ضخ مشاريع أحرقت الاحتياطيات المالية للدولة وراكمت الدين العام وتخمت الحالة المعيشية، فمن الطبيعي أن يكون هناك مؤشرات خطر حقيقي للأزمة المالية، في الوقت الذي بدأت فيه الحرب أضحت الدولة في مأزق في عدم قدرتها على بيع النفط بنفس الوتيرة التقليدية وهو ما يقلل من مداخيلها النفطية.

المبيعات عبر الدفع الآجل في السعودية (تابي وتمارا)

كشفت بيانات البنك المركزي السعودي “ساما” وقطاع الفنتك السعودي ( الفنتك اختصار للمصطلح الإنجليزي Financial Technologyأي التكنولوجيا المالية) عن قفزة مذهلة في حجم مبيعات الدفع الآجل “اشتر الآن وادفع لاحقاً” عبر منصتَي تابي وتمارا، إذ ارتفعت من ١٤ مليون ريال عام ٢٠٢٠ إلى ٣٧ مليار ريال عام ٢٠٢٤، أي بنمو يتجاوز ٢٦٠٪ في أربع سنوات فقط. ويعكس هذا الرقم تحولاً سلوكياً عميقاً في أنماط الاستهلاك لدى الشريحة الشبابية السعودية التي تُشكّل الغالبية العظمى من مستخدمي هذه المنصات، في سياق ترويجي مكثف تدعمه تطبيقات التجارة الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، وسط منظومة تشريعية لا تزال في طور التشكّل لتنظيم هذا القطاع المتسارع.

الرقم مثير للإعجاب من زاوية النمو الاقتصادي، لكنه مقلق للغاية من زاوية الصحة المالية للفرد والمجتمع. النمو بهذا الحجم الهائل لا يعكس بالضرورة ازدهاراً في القدرة الشرائية، بل قد يعكس العكس تماماً: أن شرائح واسعة من السعوديين باتوا يعجزون عن تحمّل تكاليف مشترياتهم نقداً فيلجؤون إلى التقسيط لتغطية احتياجاتهم اليومية. وهذا يتجلى كأحد أسباب ارتفاع تكاليف المعيشة، حيث أقرت الحكومة السعودية الضريبة المضافة، التي قالت أنها مؤقتة وليست دائمة لتجاوز أزمات مالية بسبب انخفاض أسعار النفط في تلك الفترة ٢٠١٦، حيث بدأت ضريبة القيمة المضافة من ٥٪ ثم تم رفعها بشكل جائر إلى ١٥٪ ثلاثة أضعاف. إضافة إلى إيقاف الكثير من البدلات في رواتب الموظفين مثل بدلات غلاء المعيشة، وثم خفض دعم الوقود والكهرباء، يصبح الدفع الآجل ليس خياراً بل صمام أمان اضطرارياً لمواطن يجد أن راتبه لم يرتفع بنفس وتيرة ارتفاع تكاليف حياته. وهذا ما لا تقوله الأرقام البراقة في بيانات الفنتك.

هناك مخاطر حقيقة عن هذا الرقم، فالكثير من البيانات غير متاحة، على سبيل المثال، كم عدد الأشخاص المتعثرين الذين لا يستطيعون سداد ديونهم التقسيطية؟ وكم عدد الأسر التي راكمت ديوناً استهلاكية صامتة موزعة على منصات متعددة دون أن يعلم أحد حجمها الإجمالي. منصات الدفع الآجل تعمل بنموذج ربحي قائم على تشجيع الإنفاق المتكرر والمتراكم. والمشكلة المؤسسية أن ساما، رغم كونها مصدر البيانات، لا تُفصح عن معدلات التعثر ولا عن متوسط الدين الفردي المتراكم عبر هذه المنصات. هذا النوع من التسهيلات المالية التي تسمح الدولة بتشريعها للأسف يغرق المواطن في وحل الديون والرسوم التي تفرضها هذه التطبيقات التي سيكون أسير لها ولا يستطيع سدادها لأن مداخيله المالية أقل من تكاليف المعيشة، وهذا كله بسبب فشل الدولة في القدرة على خفض التضخم المالي وأيضا سنها للعديد من الرسوم في جميع مناحي الحياة التي ترهق المواطنين.

تقرير ‏اللجنة الفيدرالية للحقوق الدينية الدولية الامريكية

صدر خلال شهر أبريل تقرير حول الحقوق الدينية، مما جاء فيه أن السعودية تم تصنيفها ضمن ١٨ دولة حول العالم كـ”دول ذات قلق خاص”، وذلك سبب انتهاكاتها الممنهجة والمستمرة والصارخة لحرية الدين، وتشمل القائمة السعودية إلى جانب الصين وكوريا الشمالية وإيران وروسيا وغيرها. والسعودية على هذه القائمة باستمرار منذ عقدين دون انقطاع. أوضح التقرير أن أوضاع الحرية الدينية في السعودية بالغة الخطورة، وأن السلطات القضائية تُعاقب المعارضين الدينيين بأحكام سجن تعسفية مطوّلة، وأُعدم مئات من المسلمين الشيعة بسبب احتجاجهم على القيود المفروضة على حريتهم الدينية، كما تواصل الكتب المدرسية الحكومية تعزيز التعصب تجاه المعتقدات الدينية المختلفة. التقرير بالغ الأهمية توثيقياً، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن أزمة مصداقية أمريكية: السعودية دولة “قلق خاص” منذ عقدين وهي حليف استراتيجي أمريكي في الوقت نفسه. وبما أن وزارة الخارجية الأمريكية لم تُصدر تقريرها السنوي المقرر قانونياً عن الحرية الدينية منذ قرابة عامين، يبقى تقرير USCIRF المرجع الدولي الأشمل المتاح. لكن توصياته تظل حبراً على ورق ما لم تترجمها ضغوط دبلوماسية حقيقية، وهو ما يبدو بعيداً في ظل المصالح الجيوسياسية والنفطية التي تربط واشنطن بالرياض.

الصحة القابضة توظف طبيب سعودي براتب أربعة آلاف ريال

“الصحة القابضة” هي الذراع الاستثماري التجاري لوزارة الصحة السعودية، أُنشئت لإدارة المستشفيات الحكومية بمنطق القطاع الخاص وتحقيق الكفاءة والربحية كما تزعم وزارة الصحة، لكن الهدف الأساسي هو تقليل الإنفاق الحكومي على أهم القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم، لهذا تأتي الصحة القابضة كمشروع خاص يراد من خلاله أن تقوم المستشفيات بدور وظيفي لكن بأقل التكاليف المالية. خلال شهر أبريل تم تداول خبر يشير إلى أن هذه الجهة عرضت توظيف طبيب سعودي مؤهل براتب لا يتجاوز ٤٠٠٠ ريال شهرياً، وهو رقم إذا صح يمثل صدمة حقيقية في سوق العمل الطبي، إذ يقل عن الحد الأدنى الذي يتقاضاه كثير من الموظفين الإداريين في القطاع الحكومي، ويُساوي أو يقل عن رواتب بعض العمالة الوافدة غير المتخصصة.

هذا الرقم إذا ثبت فهو فضيحة مؤسسية بكل معنى الكلمة. الطبيب السعودي أمضى ما لا يقل عن ست إلى ثماني سنوات في الدراسة والتدريب، وغالباً تكبّدت الدولة أو الأسرة عشرات الآلاف من الريالات في تأهيله، ليُعرض عليه في النهاية راتب لا يكفي لتسديد إيجار شقة متواضعة في الرياض أو جدة. والمفارقة المرة أن هذا يحدث في ظل رؤية ٢٠٣٠ التي تتبنى خطاباً رنيناً عن “تمكين الكوادر الوطنية” و”السعودة الحقيقية” للقطاع الصحي. خلال السنوات الحالية تتكشف ثمار مشاريع الرؤية وإدارة محمد بن سلمان للبلد، حيث الغلاء الفاحش، والتضخم وزيادة البطالة وتدني الرواتب الحكومية، هذه مؤشرات تثبت أن الفشل سمة أساسية في طبيعة هذه السلطة. حيث كان في السابق من يذهب لمهنة الطب يكون أحد الدوافع أنه سوف يجني راتباً ممتازاً كثمرة لسنوات من الجد والاجتهاد. وللأسف أنه رغم وجود فرص كثيرة لتغيير العديد من الأمور إلى نصابها الصحيح إلا أن سوء الإدارة والتخطيط رهين وسمة جوهرية في إدارة محمد بن سلمان للبلد وهي نتيجة طبيعية في ظل عدم وجود محاسبة ورقابة شعبية.

أكثر من ٦ ملايين تأشيرة صادرة من بعثات المملكة في الربع الأول لعام ٢٠٢٦

أعلنت المملكة العربية السعودية إصدار أكثر من ٦ ملايين تأشيرة عبر بعثاتها الدبلوماسية خلال الربع الأول من عام ٢٠٢٦ فقط، أي بمعدل يتجاوز٧٠ ألف تأشيرة يومياً، وتتصدر باكستان قائمة الدول المستفيدة من هذا الكم الهائل. تشمل هذه التأشيرات أنواعاً متعددة من العمل والعمرة والزيارة، في سياق تصاعد الطلب على العمالة الوافدة لخدمة المشاريع العملاقة ضمن رؤية ٢٠٣٠، وفي ظل موسم عمرة استثنائي استقطب ملايين القاصدين من شتى أنحاء العالم. تصدّر باكستان للقائمة وهو ما يأتي ضمن المكافآت التي تقدمها السعودية لحكومة باكستان وبعض الدول في فتح أبواب عمل في الخارج وخصوصا للدول التي تعاني من فائض بشري وأزمات اقتصادية حادة. حيث تقوم السعودية ضمن تسويات إقليمية مع العديد من الدول العربية في خلق فرص عمل لمواطني هذه الدول ضمن توازنات تسعى السعودية من خلالها إلى فرض نفوذها في تلك الدول. هذا النوع من الفرص في العمل ليس بالضرورة في قطاعات البناء والخدمات والنظافة والأمن، بل في حالات كثيرة في تخصصات مهنية كالطب والهندسة والعلوم التقنية، لكن تتجاهل الحكومة تراكم أعداد العاطلين عن العمل لأجل حساباتها السياسية في الخارج. لا شك أن التكامل هو سمة طبيعية لكن ليس على حساب الأسس البديهية أن يكون لدى المؤهلين من المواطنين فرصة عمل في مجالاتهم التعليمية والمهنية. من جانب آخر، يعتبر الرقم الصادر مبالغ فيه كثير، و السؤال الذي لا تجيب عنه الإحصاءات الرسمية: كم من هذه التأشيرات ذات عمل حقيقي؟ وكم منها تأشيرات وهمية عبر نظام الكفالة الذي تحوّل إلى تجارة بشر مُقنَّنة؟ حيث يستنفع العديد من النافذين في العمل في الاتجار بهذه التأشيرات، فيتم بيعها في سوق سوداء، ويشتريها الشخص الذي يريد القدوم للبلد للعمل بسعر مضاعف للسعر الطبيعي وربما ١٠ أضعاف.

من جهة أخرى، يعتبر نظام الكفالة الذي يربط الوافد بصاحب العمل ربطاً شبه تام لا يزال يُشكّل العمود الفقري لهذه المنظومة، ورغم الإصلاحات الجزئية المعلنة فإن التقارير الدولية لمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش تواصل توثيق حالات احتجاز جوازات السفر وتأخير الرواتب والترحيل التعسفي. تصدّر باكستان هذه القائمة يعني أيضاً أن مليارات الريالات تخرج من الاقتصاد السعودي سنوياً كتحويلات مالية، وهو تسرب اقتصادي حقيقي لا تعالجه رؤية ٢٠٣٠ بأي خطة جادة  لأن معالجته الحقيقية تستلزم رفع رواتب العمالة الوافدة وتحسين اشتراطاتها، وهو ما يتعارض مع منطق خفض تكاليف المشاريع الكبرى التي تُسوَّق على أنها إنجازات الرؤية.

تصاعد الخلاف الإماراتي السعودي

أشارت بعض المصادر الصحفية أن الإمارات العربية المتحدة تضغط بشكل مكثف على إدارة ترامب لتصنيف حليف السعودية في اليمن حزب الإصلاح منظمةً إرهابية، في خطوة من المرجح أن تُشعل التوترات مع السعودية الداعم الرئيسي للحزب والذي يستضيف العديد من قياداته في السعودية منذ بدايات عاصفة الحزم. وقد أمضت أبوظبي الأشهر الأربعة الماضية في الضغط على واشنطن لمحاولة تصنيف حزب الإصلاح “منظمة إرهابية عالمية مُعيَّنة بشكل خاص”، بحجة أن التصنيفات الأمريكية السابقة للفروع الأخرى لجماعة الإخوان المسلمين لم تذهب بعيداً بما يكفي. وفي حال نجاح المسعى الإماراتي، فإن ذلك سيُلزم المؤسسات المالية الأمريكية بتجميد أصول الحزب وحظر دخول أعضائه إلى الأراضي الأمريكية. والإصلاح حزب يمني شرعي يُشكّل ركيزة أساسية في الحكومة المعترف بها دولياً، ويضم قاعدة شعبية واسعة في محافظات استراتيجية كمأرب وشبوة وحضرموت.

ما يجعل هذا الملف فاضحاً بشكل خاص هو السياق التاريخي الذي تتجاهله أبوظبي حين تتحدث عن “مكافحة الإرهاب”. فبين عامَي ٢٠١٥ و ٢٠١٨ وظّفت الإمارات العديد المرتزقة الأمريكيين والجانب لتنفيذ عمليات اغتيال ممنهجة استهدفت قيادات الإصلاح في اليمن وقد وثقت BBC هذه الممارسات وشاهدات الضحايا والمتورطين، إضافة إلى التحقيق الذي أعدته منظمة Reprieve في ١٦٠ عملية قتل، ولم تجد سوى ٢٣ حالة فقط لها صلة فعلية بالتنظيمات الإرهابية. أي أن الدولة التي تطالب اليوم بتصنيف الإصلاح إرهابياً هي ذاتها التي استأجرت عناصر من تنظيم القاعدة للعمل مع وكلائها في الجنوب اليمني. وتسعى الإمارات من خلال هذا التصنيف إلى تبرير جرائم الاغتيال والتعذيب في “المواقع السرية” بجنوب اليمن التي استهدفت قيادات الإصلاح، وإعادة تأطير “ملفها الأسود” المكشوف باعتباره جهداً لمكافحة الإرهاب.

كل هذا يأتي في سياق الصراع على النفوذ في المنطقة، حيث التنافس بين السعودية والإمارات على أشده في عدد من الأماكن، في السودان طالبت الحكومة السعودية الحكومة الأمريكية بإجبار الإمارات الخروج من السودان وإيقاف دعم مليشيات الدعم السريع. تسعى الإمارات منذ عشر سنوات على بسط نفوذها في مناطق محدده لإحكام مفاصل السيطرة الإقليمية وأيضا في مسار توافقي مع الاحتلال الصهيوني في إسرائيل الذي يبارك خطوات الإمارات في اليمن والسودان وغيرها، وهذا أحد أوجه الخلاف بين الطرفين.

خروج الإمارات من أوبك

أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة يوم الثلاثاء قرارها بالخروج من منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” وتحالف “أوبك+” على أن تبدأ في تنفيذ قرارها اعتباراً من الأول من مايو ٢٠٢٦. وقال وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي إن الانسحاب سيمنح بلاده مرونة أكبر “لضمان تلبية متطلبات العالم المستقبلية المتعلقة بالمنتجات الخام والبتروكيماويات”، مؤكداً أن كون الإمارات “دولة غير ملزمة بأي التزامات ضمن المجموعة سيمنحها مرونة أكبر”. وفي خطوة وصفتها الصحافة العالمية بـ”الصادمة” و”الأكبر من نوعها في تاريخ المنظمة”، جاء القرار بعد أيام من دعم أمريكي علني لأبوظبي، وفي خضم حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز. الإمارات لم تنسحب من أوبك في زمن الرخاء والاستقرار، بل اختارت لحظة إغلاق هرمز والأزمة الإقليمية المشتعلة وخصوصا أن لديها اتجاهات مختلفة عن محيطها الخليجي، ففي الوقت الذي تسعى السعودية وقطر وعمان إلى محاولة خلق ودعم كل خيارات التهدئة وعدم الانجراف في حرب تبدو كل دول الخليج مجتمعة لا تستطيع مواجهة القوة الإيرانية. لهذا يأتي قرار الانسحاب أشبه برسالة سياسية واضحة بقدر ما هو قرار اقتصادي. تشير بعض التحليلات أن خروج الإمارات يعني ضخ نفط إضافي في السوق العالمي خارج سقف أوبك وعدم التقيد بالسعر ولا بالكمية. أما على صعيد العلاقة السعودية الإماراتية، فالانسحاب يكشف عن تصدع خليجي وامتداد للخلاف الصامت بين الطرفين: أبوظبي دأبت على الشكوى من قيود حصصها داخل أوبك مقارنة بطاقتها الإنتاجية الفعلية، والخلاف بين الرياض وأبوظبي على الحصص ليس وليد اليوم، لكن إغلاق هرمز أعطى الإمارات ذريعة مثالية وغطاءً دولياً للخروج علناً.

تعتبر الإمارات رابع أكبر منتج في المنظمة بطاقة تتجاوز أربعة ملايين برميل يومياً وهو ما يمثل خسارة لأوبك وفق تحليل خاص بالجزيرةالإنجليزية. وترجح بعض التحليلات أن هذا قد يُضعف أوبك ويُقوّض مركزية القرار السعودي في تأثيره على المنظمة، وصفت صحيفة واشنطنبوست الخروج الإماراتي بأنه “ضربة لسيطرة المجموعة على الأسعار، التي قادتها عملياً السعودية. المملكة بنت نفوذها في أوبك على التوافق الخليجي، فإذا انفرط هذا التوافق يصبح التحكم في الأسعار العالمية أصعب وأكثر تكلفة. والأهم أن الخروج الإماراتي قد يفتح الباب أمام دول أخرى داخل التحالف كالكويت وحتى العراق لإعادة تقييم مصالحها وعدم الالتزام بحسابات أوبك. الخلاصة أن ما بُني على مدى ستين عاماً من منظومة تحكم جماعي في سوق النفط العالمي يواجه اليوم أشد اختبار وجودي في تاريخه، وإيران المحاصرة والحرب والانسحاب الإماراتي تُشكّل معاً عاصفة قد تُعيد رسم خارطة الطاقة العالمية بالكامل.

خاتمة

تكشف أحداث شهر أبريل ٢٠٢٦ في مجملها عن نمط ثابت ومتكرر في طريقة اشتغال السلطة السعودية، فمن إعدامات لم تستوفِ شروط العدالة الإجرائية الأولية التي طالت أطفالاً اعتُقلوا قبل أن يبلغوا سن الرشد، إلى تقرير يُبشّر بنجاح رؤية تتآكل ثمارها في جيوب المواطنين يومياً، إلى مليارات أُنفقت على ترفيه خارجي في عواصم أوروبية فيما يُعرض على طبيب سعودي متخصص أمضى ثماني سنوات في التأهيل راتبٌ لا يكفي لتسديد إيجاره الشهري كل هذا يُشكّل صورة متسقة لمنظومة حكم تفتقر إلى آليات التصحيح الذاتي لغياب الرقابة والمساءلة الحقيقية. والأخطر في المشهد الراهن أن الأزمات باتت واضحة خصوصا في ظل ظروف الحرب الحالية، التي كشفت عن عجز دفاعي ضد العدوان والهجمات العسكرية الإيرانية التي تهدد الشريان النفطي الأساسي الذي راهنت عليه المملكة بديلاً عن هرمز، وتصدع خليجي بات علنياً بعد الانسحاب الإماراتي من أوبك يُضعف القدرة التفاوضية الجماعية في سوق النفط العالمي، وأعباء مالية متراكمة على المواطن في ظل عجز مالي يمثل ثلث الميزانية وتضخم يأكل الرواتب الثابتة، كل ذلك في ظل غياب فضاء عام يسمح بنقاش مشروع أو معارضة منظمة أو صحافة تحقيقية مستقلة.

ولعل أبلغ ما يختصر المشهد هو هذا التناقض الفاضح بين مستويين متوازيين لا يلتقيان: مستوى الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن ٩٣٪ إنجاز ورؤية تدخل مرحلتها الثالثة وصندوق استثمار عملاق يُدار بكفاءة عالمية، ومستوى الواقع الذي يُخبر عن مشاريع عملاقة توقفت بعد إحراق المليارات، وطبيب يُعرض عليه أربعة آلاف ريال، وشاب أُعدم بسبب رفضه العمل عميلاً لجهاز الأمن، ومواطن يلجأ إلى منصات الدفع الآجل لتغطية نفقاته الأساسية.

تاريخياً، لا تسقط الأنظمة بضربةٍ واحدة، بل تتآكل تدريجياً تحت وطأة القرارات التي تُتّخذ دون محاسبة، حتى تتسع الهوّة بين الصورة التي يرسمها النظام عن نفسه وبين الواقع المعاش، فلا يعود بمقدور الآلة الإعلامية تجميل ما بات عياناً للجميع. وما يجعل الحالة السعودية الراهنة بالغة الدلالة أن هذه الفجوة لم تعد تحتاج إلى تحليل أكاديمي وبحثي معمق لاكتشافها، بل باتت تطرق باب كل مواطن في فاتورته الشهرية وعرض توظيفه وراتبه المتآكل وخوفه من التعبير عن رأيه. والأنظمة التي تُغلق كل منافذ التصحيح السلمي والنقد المشروع والمحاسبة المؤسسية لا تُلغي بذلك احتمال التصحيح، بل تؤجله وتُراكم ثمنه حتى يغدو أثقل مما كان يمكن تحمله لو جرى في وقته وبأدواته الطبيعية. هذا ما تقوله أحداث أبريل لمن أراد القراءة بعيداً عن بريق الأرقام الرسمية وضجيج المؤتمرات وحفلات الترفيه ومباريات كرة القدم.

شاركـــــها