التستر التجاري أم التستر السياسي؟

في محاولة لتخطي الأنظمة والقوانين التي تنظم قطاع الأعمال يلجأ بعض المستثمرين إلى ممارسة نشاطاتهم التجارية خلف غطاء يخفي شخصياتهم ويحجب الأنظار عن تفاصيل تعاملاتهم المالية حتى لا تطّلع عليها الجهات الرقابية التي تقيّد دخول المستثمرين إلى نشاطات معينة من خلال اشتراط تصاريح مسبقة أو فرض رسوم عالية. لعل المثال الواضح في هذا الاتجاه هو قصر الاستثمار في بعض النشاطات المحلية على المنشآت الوطنية مما يدفع الأجانب إلى البحث عن ستار يختفون خلفه ويمكّنهم من العمل وجني أرباح وفيرة ويحميهم من الملاحقة النظامية ويضمن لهم الإفلات من العقاب. وهذه الممارسات تحمّل الاقتصاد الوطني تكاليف كبيرة من خلال مزاحمة المستثمرين المحليين بتقليص الفرص الاستثمارية المتاحة، وتراجع توظيف القوى الوطنية، وفشل وإغلاق المشاريع المتوسطة والصغيرة، واستمرار نزيف الاقتصاد الوطني بزيادة تدفقات التحويلات الأجنبية. إلا أن العامل الحاسم الذي دفع النظام السياسي إلى الاعتراف بمخاطر التستر التجاري هو تفويت فرصة جني رسوم وضرائب تحقق مداخيل عالية لخزينة النظام السياسي، الذي لم يكترث يوم لبطالة وفقر وتهميش الشعب الذي خسر مصادر دخله بتسليم القطاع الخاص للوافدين الأجانب، ولعل ذلك السبب الجوهري هو الذي أجبر النظام على تبني سياسات “الاستثمار الأجنبي” الذي يحقق تدفقات مالية للخزينة العامة مع تجاهل الأزمات التي ترهق كاهل المواطنين وتخنق الاقتصاد الوطني. 

إلا أن السؤال الملّح الذي يبحث عن إجابة واقعية هو: هل المشكلة تكمن في الجوانب الاقتصادية والتجارية فحسب؟ أما أنها تمتد إلى غايات سياسية قد تخفى عن الكثير من المتابعين والباحثين المهتمين بالشأن العام؟ ويمكننا القول بأن خصال السرية والخفاء والخداع تتماهى مع طبيعة النظام السياسي المستبد الذي اعتاد الكذب والاختباء خلف كيانات سياسية هزيلة تمكّنه من عدم إماطة اللثام عن مواقفه السياسية المخزية، ولعل هذا يفسر تخلي النظام عن عضوية “مجلس الأمن” قبل بضع سنوات والتذرع بالمطالبة بإصلاح الأمم المتحدة، لكن السبب الحقيقي هو التملص من المواقف والتصويت العلني الذي يفضح حقيقة النظام الخائن الذي يتقن فن المؤامرات والدسائس وشراء الذمم والتدخلات المزعزعة في شؤون دول الجوار. لقد أضحى هذا السلوك واضحاً لدى أفراد الشعب الذي فقد ثقته في وسائل الإعلام التي يمتلكها ويديرها النظام السياسي، وتولد لدى أفراد الشعب قناعة راسخة بأن النخب السياسية الفاسدة تمارس الكذب والتضليل والخداع ليس في الأمور السياسية فحسب، بل امتدت الشكوك إلى النشاطات التجارية حيث أصبح واضح للعيان أن جشع أفراد الأسرة الحاكمة أدى إلى تنافسهم في الإثراء غير المشروع، والذي أفضى بدوره إلى بناء ثروات شخصية هائلة وتأسيس إمبراطوريات تجارية ضخمة بستار سياسي. 

إن التنافس بين الأمراء الفاسدين في تكوين الثروات الطائلة أدى إلى موجات من الفساد المزمن ونهب المال العام من خلال الصفقات المشبوهة والعمولات الضخمة التي تتطلب وجود ستار يختفي خلفه صنّاع القرار الفاسدون، فطفق أولئك اللصوص يبحثون عن “وكلاء” يشاركونهم الغنائم على أن يحصل “صاحب السمو” على نصيب الأسد ويقتنع “صاحب الدنو” بفتات المائدة. لعل ذلك يبرر تزامن بروز طبقة من رجال الأعمال والمقاولين مع الطفرات النفطية وارتباطهم الوثيق مع النخبة الحاكمة، فعندما تتغير الطبقة الحاكمة تبعاً لتغيير “القيادة السياسية” تأتي معها واجهات جديدة تنخرط في الصفقات المختلفة كالبناء والتشييد والتعهدات والمقاولات والتشغيل والصيانة وتجارة السلاح. إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تجاوز ذلك إلى النشاطات التجارية والخدمية ذات الربحية العالية مثل المصارف والمواد الغذائية والوكالات التجارية المختلفة التي سيطر عليها الأمراء الفاسدون، الذين لم يكتفوا بالتستر خلف الأسماء التجارية المحلية، بل قاموا بجلب شخصيات أجنبية ومنحهم الجنسية ليكونوا غطاء يختفي خلفه الأمراء اللصوص. لعل ذلك يبرر امتلاك عائلة وصلت للبلاد حديثا إمبراطورية مالية، وامتلاك رئيس وزراء دولة أخرى شركة مقاولات عملاقة تبلغ قيمتها السوقية عدة مليارات من الدولارات، وهذه الشركة وغيرها تحصل على عقود وتسهيلات مباشرة غير متاحة للشركات المنافسة الأخرى. وعندما حان الوقت المناسب تم انتزاع ملكية هذه الأصول من أصحابها الاسميين حتى تعود إلى المالك الحقيقي (الحاكم التاجر). فلا غرو إذاً أن يحتّل السياسيون الفاسدون لدينا قائمة أثرياء العالم ليس بسبب النهب المباشر للمال العام فحسب، بل بسبب امتلاكهم لأصول تجارية من خلال تلك الواجهات السياسية، فلم يعد مستغرباً أنه عندما يهلك أولئك الفاسدون توزع تركاتهم التريليونية ليستمتع ورثتهم بالأموال المسروقة من الخزينة العامة وأقوات الشعب.   

إن الشفافية والمحاسبة والمراقبة تمثل الحل الجذري للفساد السياسي الذي يُنهب من خلاله المال العام، وهذه الإجراءات الرقابية كفيلة بتفكيك شبكات التستر السياسي، وحينها يُكشف الغطاء عن سرّاق المال العام الذين يصبحون عرضة للمحاسبة والمحاكمة، ومن شأن تلك الخطوات إيجاد قطاع خاص فاعل يحظى بحصانة ضد التدخلات السياسية المدمرة للكفاءة والتنافسية.

 

شاركـــــها