ماذا لو تبنى النظام السياسي مسار بديل للتنمية الاقتصادية؟
عادة ما تختار الأنظمة السياسية مسارات مختلفة للتنمية لأجل تحقيق أهداف محددة تخدم المصالح الوطنية العليا، هذه الأهداف ليست بالضرورة تتوافق تماماً مع مصالح النخب السياسية المعنية باتخاذ القرار، لكن هذا التباين في المصالح لا يمكن التغلب عليه إلا من خلال القضاء على المركزية في اتخاذ القرار بتعزيز المشاركة والرقابة الشعبية على سلوك الحاكم الذي ينتخبه الشعب، ويفوضه في إدارة شؤون السلطة التنفيذية، بل ويعزله في حال اخفاقه في القيام بمهامه الموكلة إليه وفق أحكام الدستور. هذه المسارات التنموية بعضها حققت نجاحات هائلة وقفزات تنموية كبيرة خلال فترات زمنية قصيرة، وبعضها حققت نجاحات جزئية تمثلت في تطوير قطاعات محددة دون التأثير على التنمية الاقتصادية بمفهومها الشامل، وهناك مسارات تنموية فشلت فشلا ذريعا ولم تحقق أي من أهدافها. يضع حقل التنمية الاقتصادية الإطار النظري لهذه المسارات التنموية، ويدرس المختصون التطبيقات العملية لهذه المسارات وتحديد أسباب النجاح والفشل، كما يُعنى الباحثون في حقل التنمية الاقتصادية بدراسة “الكلفة البديلة”، أي بمعنى ماذا لو تم اختيار مساراً آخر للتنمية ومن ثم مقارنته بالواقع الحالي لمعرفة تكلفة اختيار مسار خاطئ في تحقيق أهداف التنمية.
أحد أصعب العوائق التي قد تواجه الدول النامية هي ندرة الموارد الاقتصادية التي تتسبب في تدني حجم الاستثمارات في المشاريع التنموية الأساسية، ومن ثم تدني الناتج القومي الإجمالي، ويترتب على ذلك تدني مداخيل المواطنين الذين يعانون من الفقر نظرًا لقلة الفرص الوظيفية. لكن الوضع في دول “الريع النفطي” مختلف تماماً، فلقد تغلبت هذه الدول على هذه الإشكالية من خلال ما يسمى “البترودولار”، أي تحويل مواردها النفطية إلى سيولة نقدية من خلال البيع في سوق النفط العالمي، إلا أنه برزت مشكلة أخرى تتمثل في مدى “استدامة” هذا النوع من التنمية لا سيما أن هذه الموارد النفطية ناضبة. ولهذا تحظى الموارد الاقتصادية غير المتجددة بعناية خاصة، حيث يجب حمايتها من المنافسة الجائرة التي قد تؤدي إلى المسارعة في نفاذها، كما يجب استثمار عائداتها في فرص استثمارية تعوض الاقتصاد الوطني ما لحق به من خسائر جراء استخراج الملايين من براميل النفط الخام يومياً.
تشير العديد من الدراسات المتخصصة في شؤون الطاقة إلى قرب نفاذ موارد بلادنا النفطية التي يتحكم فيها نظام سياسي تسلطي وفاسد، فلقد تراكم لدى النخب السياسية التي تدير شؤون البلاد أموال طائلة تم إيداعها في حسابات سريّة في بلدان أجنبية، ومما يثبت هذا الادعاء أن كل حاكم يعتلي العرش يصبح في قائمة أثرياء العالم، دون أية خجل من شعبه الذي يعاني من الفقر والتشرد والحرمان، ولا يقبل الحامد المستبد بأية مسألة حول مآلات المداخيل النفطية وكيف يتم صرفها. وبالتالي فإن نصيب الأسد من دخل الدولة، سواء من النفط وبيع المكررات النفطية وغير ذلك من المعادن والضرائب والرسوم، يذهب إلى أفراد الأسرة الحاكمة في شكل “مخصصات” وهبات ينفقونها بدورهم لإشباع نمط استهلاكي باذخ، كتشييد القصور الوثيرة واقتناء السيارات الفارهة. لكن ما هو مصير النزر اليسير المتبقي من دخل النفط؟ وهل يتم انفاقه في الوجه الصحيح لأجل تعويض خسارة الاقتصاد الوطني؟
لقد دأب النظام السياسي الشمولي على إنفاق موارد البلاد على مصالحه الشخصية الضيقة من خلال شراء الذمم وكسب ولاءات سياسية وتبني أنظمة سياسية أجنبية فاسدة من خلال إغداق أموال الشعب على الرموز الفاسدة التي تقود تلك الأنظمة، وتمكين تلك الرموز الأجنبية الفاسدة من امتلاك أصول واستثمارات كبيرة من خلال الشراكة مع كبار الفاسدين من النافذين من أفراد الأسرة الحاكمة. أما ما يدعيه النظام السياسي من استثماراته المحلية فهي تتركز في نشاطات غير إنتاجية تستنزف الاقتصاد الوطني من خلال تحويلات دخول “الخبراء” والموظفين الأجانب العاملين في تلك المشاريع الفاشلة. وبالتالي فإنه يمكننا القول إن مسار “التنمية” الذي أختاره النظام السياسي الغارق في الفساد تمخض عنه تدميراً شاملاً لبلادنا ونهباً وهدراً منظماً لمواردنا الاقتصادية. ولكن يبقى السؤال: ما هو المسار البديل الذي كان يتعين على النظام السياسي تبنيه؟
إن مسار التنمية الأمثل يجب أن يرتكز على تطوير رأس المال البشري من خلال التعليم والتدريب، فرأس المال البشري المحلي هو العمود الفقري لأي مشروع تنموي حقيقي يضمن اكتساب القوى العاملة المحلية للمهارات من خلال القيام بأعباء العملية الإنتاجية، وهو أهم الوسائل المؤكدة لنقل تقنية الإنتاج في القطاعات الصناعية الحيوية التي تحقق تنمية شاملة ومستدامة. إن هذا المسار التنموي المرتبط بالقوى العاملة الوطنية من الممكن أن يؤتي ثماره لاسيما أن شروط نجاحه متوافرة من خلال وجود الفوائض المالية لدى النظام السياسي التي يمكن إقراضها لشركات القطاع الخاص حتى تتمكن من جلب التقنية الأجنبية الضرورية في العملية الإنتاجية. لقد سلكت العديد من الدول النامية هذا المسار للتنمية وحققت نجاحات كبيرة في النهوض بقطاعها الصناعي الذي أدى بالدفع باقتصادها نحو التنمية الاقتصادية الشاملة، من خلال التركيز على الاستثمار في رأس المال البشري ونقل تقنية الإنتاج من خلال ما يسمى “الهندسة العكسية”، ولعل الاقتصاد الصيني خير شاهد على نجاح هذا المسار.
لعله يجب التأكيد هنا على أن نعلم أن الاستبداد السياسي هو معيق أساسي لنجاح هذا المسار الذي يتطلب الكفاءة في اتخاذ القرار ويمنع الحاكم من نهب موارد الدولة وينهي دور القوى الأجنبية في الإضرار بمصالح البلد العليا. إن القوى الوطنية الواعية والمثقفة يُعوّل عليها في صيانة وحماية البلاد من الطغيان الذي أهلك الحرث والنسل وأضعف الأمة.