ترتفع هذه الأيام أصوات الشعب مطالبة بحقها الطبيعي في الوظائف والحياة الكريمة، لكن النظام السياسي الفاسد لم يكتف بالصمت وتجاهل تلك النداءات، بل تجاوز ذلك إلى ملاحقة أولئك الذين تجرأوا وطالبوا بحقوقهم المشروعة من خلال الفضاء الإلكتروني، وتأتي تلك الخطوة القمعية متناغمة مع سلسلة طويلة من السياسات التعسفية التي تهدف إلى إرهاب الشعب لثنيه عن انتقاد الوعود الكاذبة والسياسات الفاشلة التي أدت إلى حرمان الشعب من حقوقه الاقتصادية التي تضمن الحد الأدنى للحياة الكريمة. إن هذه الاستدعاءات والإحالات للتحقيق تأتي على وقع مخاوف النظام السياسي الذي يتوجس اقتراب الشعب من كسر حاجز الخوف ورفع سقف مطالبه التي قد تنسف شرعية الحكم وتقوض وجود النظام السياسي بأسره، إلا أن لجوء السلطة القمعية لسياستها التقليدية القائمة على مصادرة حرية الرأي والتعبير قد كشفت عن سوءة النظام السياسي ودحضت مزاعمه بالانفتاح والعصرية، وبذلك تكون الأسرة الحاكمة قد أعلنت للعالم بأن هذا النظام السياسي لازال يعيش في عصر التخلف والانحطاط في أسوء صوره. إن سياسة الحرمان الاقتصادي التي يتبناها النظام السياسي لا تنحصر في فرض البطالة على أفراد الشعب فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى نواحي أخرى من الحقوق الاقتصادية التي صادرتها الأسرة الحاكمة منذ صناعة النظام السياسي من قبل القوى الاستعمارية التي ما انفكت تقدم له الحماية والدعم والرعاية والمشورة حماية لمصالحها، وفي الواقع فإن النظام السياسي ما هو إلا “ناطور” يرعى مصالح القوى المهيمنة ويقدم التنازلات تلو التنازلات على حساب المصالح الوطنية العليا.
لعل أبرز أسباب سياسة الحرمان الاقتصادي هو جشع أفراد الأسرة الحاكمة التي تتصرف بعقلية امتلاك الأرض وما عليها، ولقد خوّلها النظام السياسي المستبد الاستحواذ على كافة الأنشطة الاقتصادية والتحالف مع القوى الأجنبية واقصاء المواطنين وتحويلهم إلى أقلية منبوذة، فأفراد الأسرة الحاكمة ما هم إلا “عصابة” من قطّاع الطرق تمتهن السرقة والسلب والنهب والتسابق في تكوين ثروات هائلة على حساب حرمان الشعب وآلامه. فلم يكتف اللصوص من النافذين في النظام السياسي بسرقة مداخيل الدولة، من خلال المخصصات المالية الهائلة والهبات التي تبتلع جزء كبير من الميزانية العامة، بل تعدى ذلك إلى الاعتداء على ممتلكات الشعب من خلال احتكار النشاطات التجارية التي تحقق هامش ربحي كبير، وقد أدى ذلك إلى انحسار المشاريع العائلية الصغيرة وتحويلها إلى ملاك أجانب يخدمون مصالح الأمراء الإقطاعيين المتسترين عليهم. ويأتي في هذا الصدد امتلاك أفراد الأسرة الحاكمة لمساحات شاسعة من الأراضي العامة التي تُعد ملك للشعب، ومن ثم تحقيق ثروات هائلة عن طريق بيع الأراضي السكنية من خلال واجهات عقارية بأسماء مواطنين يعرفها الجميع، فلا غرو إذن أن تصبح نسبة تملك المنازل من قبل المواطنين من أقل النسب في العالم على الرغم من توفر المساحات الصحراوية المترامية الأطراف.
إن فقدان شرعية النظام السياسي المستمدة من التوافق الشعبي، من خلال صناديق الاقتراع، أدت إلى تجاهل النظام السياسي لمطالب الشعب وحقه في الحياة الكريمة، بل أنه طفق في البحث عن بديل يحقق له شرعية مصطنعة من خلال تقديم المزيد من “الانبطاح” للدول الأجنبية، حتى لو أدى ذلك إلى هدر المال العام واستنزاف موارد الدولة. ويأتي في هذا الاتجاه توظيف أجانب برواتب ومميزات هائلة على الرغم من تدني مؤهلاتهم التعليمية وتواضع خبراتهم المهنية، لكن السبب الحقيقي في حصولهم على تلك الوظائف هو جنسياتهم التي يحملونها، والدافع الفعلي لهذه السياسة هو الاعتقاد الخاطئ أن تلك الدول التي نستضيف مواطنيها ستهب للحماية والدفاع عن النظام السياسي في حال اندلاع أزمات سياسية قد تهدد وجوده. كما أدى توجس النظام السياسي من الشعب إلى الاستعانة بجيوش أجنبية لحماية النظام، ليس من قوى معادية أجنبية كما يعتقد البعض، بل لحمايته من التحركات المحتملة للشعب في حال تطلعه للمطالبة بحقوقه المشروعة، والعجيب أن النظام السياسي يفتخر ويتغنى بتلك السياسة “الحكيمة”، في حين يراها الشعب خيانة وطنية يترتب عليها المزيد من احتقار الشعب وتهميشه.
على الواعين من أبناء الشعب عدم الاكتفاء بالمطالبة بالوظائف وغيرها من الحقوق الاقتصادية المشروعة، بل يجب عليهم الارتقاء بطموحاتهم إلى المطالبة بالحقوق السياسية، المتمثلة بانتخاب الحكومة الخادمة والخاضعة لإرادة الشعب، واختيار نواب الشعب القادرين على مراقبة ومسألة النظام السياسي وتقويم اعوجاجه. يجب أن تكون القناعة الراسخة لدى الشعب أن الحصول على الحقوق السياسية التي تمنح الشعب السلطة المطلقة على النظام السياسي هي الضامن لحصول الشعب على كافة حقوقه المشروعة، بما في ذلك الحق في الحصول على الوظيفة والحياة الكريمة.