اقتصاد الترفيه أم اقتصاد الرفاه؟
لعل أحد أبرز الأسئلة التي تبحث عن إجابة مقنعة هي لماذا حققت بعض الدول قفزات تنموية هائلة في حين بقيت العديد من دول العالم تعاني من الفقر والتخلف؟ لذا عكف المختصون في حقل التنمية الاقتصادية على دراسة هذه الأسباب المختلفة وربطها بأمثلة عملية وتجارب واقعية لمشاريع التنمية التي تبنتها مختلف دول العالم، وخلص الباحثون إلى وجود قائمة من العوامل والمؤشرات التي قد تدفع عجلة التنمية مثل وفرة الموارد الاقتصادية وتقنية الإنتاج ودرجة مهارة رأس المال البشري. خلصت معظم الدراسات إلى أن الاستثمار في رأس المال البشري من خلال التعليم والتدريب العملي والأبحاث العلمية هي السياسة المثلى لتحقيق”التنمية المستدامة” التي تستمر عبر الأجيال. ولكن من أهم الأسباب التي عادة ما يتم إهمالها هو شكل وتركيبة النظام السياسي التي تحدد آليات اتخاذ القرارات الاقتصادية وبالتالي تحدد مسار التنمية، فعلى سبيل المثال في الدول الديمقراطية ذات التمثيل الشعبي تتم دراسة السياسات ومداولة المقترحات المختلفة لأجل الوصول إلى أفضل استراتيجية متاحة لتحقيق النتائج المرجوة، كما يقوم”نواب الشعب” بعقد جلسات استماع دورية لتقييم التجربة وصياغة توصيات جديدة. أما واقع الحال في الأنظمة السياسية المستبدة فهو على النقيض تماماً، حيث يتخذ القرار”حاكم” ذو نفوذ مطلق يعتقد اعتقادا جازمًا بأنه غير ملزم باستشارة الشعب فضلاً عن الرجوع إليه، ولم يكتف”القائد الملهم” بفرض رؤيته على الشعب وحسب، بل يمنع نقاشها وانتقادها من قبل ذوو الاختصاص.
تأكيداً للاهتمام برأس المال البشري الذي هو عماد التنمية٬ تتبنى الكثير من دول العالم سياسة “دولة الرفاه” أو”اقتصاد الرفاه” من خلال التزام النظام السياسي بالإنفاق على احتياجات الشعب مثل الصحة والتعليم والإسكان “من المهد إلى اللحد” كما هو الحال في الدول الإسكندنافية التي حققت قفزات تنموية هائلة. ولم تهمل الدول ذات النهج الرأسمالي البحت الاهتمام برأس المال البشري، ولكن من خلال الاعتماد على السياسات الاقتصادية المتعددة دون تبنّي سياسات دولة الرفاه التي تحمّل الميزانية الحكومية أعباء مالية باهظة. أما في الدول المتخلفة فلا يتعرض رأس المال البشري للإهمال فحسب، بل هناك تدمير مباشر ومنظم يحط من كرامة الإنسان الذي يعاني من الجهل والفقر والبطالة والتشرد.
لعله من الممكن القول أنه لا توجد سياسة اقتصادية – في العصر الحديث أو عبر التاريخ – يقوم النظام السياسي من خلالها بإنفاق المال العام بشكل مباشر على مشاريع الترفيه التي تتضمن الحفلات الغنائية والمسابقات الرياضية والمنتجعات السياحية والمدن “الذكية”، فهذه النشاطات الربحية يمكن لمؤسسات القطاع الخاص إداراتها بكفاءة. على أن ينحصر دور المؤسسات الحكومية ذات العلاقة في سن التشريعات وصياغة السياسات وإصدار التصاريح التي تنظم فعاليات الترفيه، وبتلك الإجراءات يمكن للنظام السياسي أن يحقق دخلاً مستمراً لميزانية الحكومة. إذاً لماذا يقوم النظام السياسي بإنفاق المال العام على نشاطات الترفيه منعدمة الجدوى؟
هناك عدة مسوغات تأتي على لسان كبار المسؤولين لتبرير تبني النظام السياسي الإنفاق على مشاريع الترفيه بشكل مباشر. من أبرز هذه التبريرات أن هذه المشاريع تساهم بنسب كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي وتقوم بخلق المزيد من فرص العمل مما يساهم في تقليص نسب البطالة. وهذه الأهداف إن كانت صحيحة يمكن تحقيقها بسهولة من خلال تركها تماماً للقطاع الخاص، وفي هذا الصدد يمكن للمتابع التساؤل عن جدوى إنفاق عشرات المليارات من الدولارات على الرياضيين والفنانين الأجانب؟!! وماذا عن عقد المسابقات الرياضية التي يتم تمويلها بالكامل من أموال الشعب في البلدان الأجنبية؟! هل جميع تلك النشاطات تساهم في الناتج المحلي؟ وهل تخلق فرص وظيفية للمواطنين؟!
إن السبب الحقيقي لإنفاق المال العام على مشاريع الترفيه هي تحقيق أهداف سياسية تتمثل بإشغال الشباب بنشاطات تبعدهم عن الاهتمامات السياسية لاسيما أن الشباب يمثلون شريحة كبيرة من الشعب، أما السبب الآخر فهناك من يريد أن يفخر بتحقيق إنجاز “انفتاح ثقافي” لم يسبق لأحد تحقيقه. ولقد فشل النظام السياسي في تحقيق هذه الأهداف، فالاهتمامات السياسية لفئة الشباب لازالت موجودة وإن كانوا لا يستطيعون التعبير عنها نظراً للقمع السياسي الرهيب، كما أنه ليس هناك ما يدعو للفخر بالانفتاح الثقافي المزعوم من خلال حفلات الترفيه العلنية في الوقت الذي تتم فيه مصادرة أبسط الحريات العامة. ولعله من نافلة القول مطالبة الموظفين الحكوميين القائمين على مشاريع الترفيه بالإفصاح عن ذممهم المالية، وتكليف أجهزة مكافحة الفساد بمتابعة تحركات تدفقات الأموال وتدقيق الحسابات البنكية لمنع الإثراء غير المشروع وتقليص السطو على المال العام.
الانفاق الحكومي السخي على مشاريع الترفيه أدى بشكل مباشر إلى هدر المال العام الذي كان من الممكن أن يستثمر في مشاريع إنتاجية تعوض الاقتصاد الوطني في حال نضوب الاحتياطات النفطية غير المتجددة. كما أن هذا الانفاق لم يساهم في تخفيف معاناة الشعب من الفقر والجوع والبطالة وتدني نسب امتلاك الأسر للمنازل، بل على العكس تماماً فقد ساهم في تعميق تلك التحديات الاقتصادية بالدفع بالمزيد من الضغوطات التضخمية في الأسعار. وبهذا يكون النظام السياسي تبنى اقتصاد الترفيه على حساب اقتصاد الرفاه.