عدالة التغريدة في مملكة الصمت: كيف توظف السعودية القانون الرقمي لقمع حرية التعبير؟

وحدة الدراسات والبحوث

تقييم حالة

مقدمة: إعدام بصيغة سياسية

في ١٤ يونيو ٢٠٢٥، أقدمت السلطات السعودية على تنفيذ حكم الإعدام بحق الصحفي والناشط تركي الجاسر، بعد سبع سنوات من الاعتقال في ظروف اتسمت بالغموض والتعذيب والإجراءات القضائية غير الشفافة. كان الجاسر قد اشتهر عبر مدونته “المشهد السعودي” وتغريداته المنتقدة للنظام، التي كان يكتبها باسم مستعار. وفق ما نقلته The Guardian ووكالة أسوشيتد برس، فقد وجّهت إليه تهم “الخيانة العظمى والتخابر مع جهات خارجية”، وهي عبارات مألوفة في القاموس السياسي الأمني المستخدم لقمع حرية التعبير في السعودية.

قانون الجرائم المعلوماتية: أداة للرقابة لا للحماية

هذه الحادثة ليست استثناءً. بل هي تتويج لمسار طويل بدأت ملامحه تظهر منذ سنوات، حين بدأت السلطات بتوسيع استخدام قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية كأداة رقابية وقمعية. هذا القانون، الذي أُقر في بدايات العقد الماضي، نص في مادته السادسة على عقوبات تصل إلى السجن والغرامة لكل من “ينشر ما من شأنه المساس بالنظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة عبر الشبكات المعلوماتية”، دون تحديد دقيق أو تعريف قانوني واضح لهذه المصطلحات. هذه الصياغة الفضفاضة منحت الأجهزة الأمنية والقضاء هامشاً واسعاً لتجريم الكلمة، وتحويل التعبير عن الرأي إلى جرم يُحاسب عليه بالسجن أو حتى الإعدام.
أُقرّ قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية في السعودية خلال العقد الماضي، متضمّنًا مواداً جنائية لصالح “النظام العام”، تشمل المادة 6 التي تنص على عقوبات بالسجن والغرامة حيال كل “مادة تمس النظام العام أو الآداب العامة عبر الشبكات”.

رقابة رقمية ومنظومة اختراق ممنهج

تطورت أدوات الدولة السعودية في السنوات الأخيرة، خاصة بعد قضية خاشقجي في ٢٠١٨، لتشمل تقنيات تتبع النشطاء عبر اختراق شبكات التواصل الاجتماعي. ففي ٢٠١٩، تم الكشف عن تورط موظفين داخل شركة تويتر في تسريب معلومات عن معارضين سعوديين إلى أجهزة أمنية في المملكة. هذه الممارسات مكّنت النظام من تعقّب حسابات مجهولة، واعتقال أصحابها لاحقًا، من بينهم الناشط عبد الرحمن السدحان الذي حكم عليه بالسجن ٢٠ عاماً، والطالبة سلمى الشهاب التي أفرج عنها خلال الأشهر الماضية، وعدد لا حصر لهم تهمتهم “تغريدة في تويتر” تنتقد أو تتهكم على الوضع السياسي أو الاقتصادي في السعودية.

قضية الجاسر: من المدونة إلى المقصلة

في حالة تركي الجاسر، تشير تقارير Committee to Protect Journalists وReprieve وInternational Press Institute إلى أن اعتقاله جاء عقب اختراق حسابه السري، ومُنع من الاتصال بمحامٍ أو الحصول على محاكمة عادلة. ووردت شهادات عديدة عن تعرضه للتعذيب داخل المعتقل. الإعدام لم يكن مجرد تنفيذ لحكم قضائي؛ بل هو رسالة مرعبة موجهة إلى المجتمع المدني السعودي، مفادها أن الدولة مستعدة للذهاب إلى أقصى حد في ردع أي صوت ناقد، حتى لو لم يحمل هذا الصوت سوى كلمات في مدونة أو تغريدة.

تقنين الخوف وتجريم التعبير

لكن هذا الصمت يزيد من خطورة المسار الذي تتجه إليه الدولة السعودية. حين يُستخدم القانون الرقمي – الذي من المفترض أن يحمي المجتمع من الجرائم الإلكترونية – كوسيلة لخنق الحريات، وحين تتحول عقوبة الإعدام من وسيلة قضائية إلى أداة سياسية لتصفية المعارضة، فإننا أمام حالة ممنهجة من العنف السياسي المقنن. يصبح الخوف سياسة رسمية، وتغدو الرقابة الرقمية سلاحًا في يد الدولة، لا لمحاربة الجريمة، بل لتجريم التفكير المستقل.

إعدام تركي الجاسر ليس حادثة منعزلة. إنه مرآة لمنظومة ترى في التعبير تهديدًا، وفي الكلمة خيانة، وفي المواطن العادي مشروع عدو. إنه شاهد آخر على كيف يمكن للقانون أن يتحول إلى أداة للعقاب السياسي، وللقضاء أن يتحول إلى ختم تنفيذي لسياسة التخويف والإسكات.

ولعل الدلائل الدولية تؤكد أن محمد بن سلمان لا يكتفي بسنّ القوانين القمعية، بل يُمارس هوسًا واضحًا بالسيطرة اللصيقة على تويتر.

في ٢٠١٤- ٢٠١٥، كشفت وزارة العدل الأميركية أن السعودية اخترقت شبكة تويتر عبر موظفين داخليين لتحديد هوية أكثر من ٦٠٠٠ حساب منتقد، وذلك تحت إدارة مقربة من القصر، بمن فيهم سعود القحطاني المستشار السابق لولي العهد فقد كانت المملكة – حسب مصادر منها واشنطن بوست – ترى تويتر تحديًا لـ”النظام العام” وجب ترويضه. والحكومة السعودية لم تكتفِ بالجهاز الرسمي، بل طوّرت شبكة موازية من الحسابات الآلية (bots) والمناصرين الإلكترونيين المدعومين من الدولة، الذين يُستخدمون لخنق الأصوات المستقلة على المنصة وتعزيز السرد الحكومي .فضلاً عن ذلك، اعتبرت تقارير في الغارديان البريطانية عن Amnesty أن السعودية كثّفت استخدام برامج التجسس الرقمية، مثل NSO وPredator، لتعقب معارضيها عبر فيسبوك وتويتر وإنستغرام.

وما حدث في نهاية المطاف هو نتيجة مباشرة لسياسات محمد بن سلمان القمعية، التي تقوم على هوس واضح بالسيطرة الكاملة على الفضاء الرقمي في المملكة. فولي العهد السعودي لا يرى في وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً للتعبير، بل ساحة تهديد يجب إخضاعها أمنياً وقانونياً. لقد حوّل تويتر من منبر للتعبير الشعبي إلى حقل صيد للاعتقال والملاحقة، في محاولة مستمره لصياغة مجتمع صامت، تحكمه الخشية وتشلّه الرقابة. ومن هذا المنظور، لم يكن إعدام تركي الجاسر سوى حلقة أخيرة – وإن كانت مأساوية – في مشروع حكم لا يطيق الكلمة الحرة، ولا يغفر للناقدين ولو همسوا.

ارتدادات الحادثة: على السجناء وعلى المجتمع.

الرد الدولي على هذا الإعدام جاء باهتًا. بالمقارنة مع صدمة العالم بعد اغتيال جمال خاشقجي، فإن ردود الفعل هذه المرة بدت محدودة وباردة. ربما يعود ذلك إلى الفتور السياسي الغربي تجاه قضايا حقوق الإنسان في الخليج، أو إلى ما يعتبره البعض تطبيعاً جديداً مع سياسات القمع، ما دامت لا تعطل مسارات النفط والسلاح والتعاون الاقتصادي.

كما أشار على تويتر السيناتور الديمقراطي البارز آدم شيف بمقتل #تركي_الجاسر في السعودية.. ويشبهه بمقتل خاشقجي .. ويذكر أن السبب هو أن الحكومة السعودية لم تنل العقاب على فعلتها بخاشقجي!

إن تبعات إعدام تركي الجاسر لن تقتصر على شخصه أو قضيته، بل تمتد لتلقي بظلالها الثقيلة على مصير مئات المعتقلين الآخرين في السعودية، ممن يقبعون حالياً في السجون بسبب تغريدات أو منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الإعدام، بما يحمله من دلالة عقابية قصوى، يفتح الباب أمام احتمال تحوّل عقوبة الإعدام من استثناء نادر إلى أداة حاضرة في سياسة الدولة تجاه المعارضة الرقمية.

بالنسبة للمعتقلين الحاليين، فإن هذه الحادثة تُعمّق مناخ الخوف وتغلق أي أفق للتسوية أو الإفراج المبكر، وترسل إشارات بأن السكوت هو الخيار الوحيد للبقاء. أما من لم يُعتقل بعد، فسيعيدون النظر في كل كلمة، بل في كل تفاعل رقمي، خشية أن تؤول تغريدة بسيطة إلى “خيانة” تُفضي إلى حبل المشنقة. بهذا الشكل، تتحول شبكات التواصل من فضاء عام حر إلى مصيدة مرعبة، يصبح فيها الصمت وسيلة للبقاء، لا خيارًا أخلاقيًا.

إن الرسالة التي أرادت السلطات إيصالها واضحة: لا خطوط حمراء أمام الدولة حين يتعلق الأمر بضبط المجال العام الرقمي. ومع غياب أي مساءلة دولية حقيقية أو ضغط فعّال، فإن إعدام الجاسر قد لا يكون نهاية لمرحلة، بل بداية لحقبة جديدة تُمارَس فيها الرقابة بالقوة، ويُستخدم فيها القانون لتجريم الفكرة، وتُدار فيها الدولة عبر منطق الترهيب لا المشاركة.

شاركـــــها