التقرير الشهري: حال السعودية شهر يونيو ٢٠٢٦

مقدمة

يهدف هذا التقرير إلى تقديم رصد وتحليل نقدي لأبرز الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية خلال شهر يونيو ٢٠٢٦ مع التركيز على تقييم سلوك النظام السعودي وسياساته. التقرير يُسلط الضوء على التناقضات بين التوجهات المعلنة والسياسات الفعلية، وتأثيرها على القضايا الإقليمية والدولية. تم إعداد التقرير بالاستناد إلى مصادر متنوعة، تشمل وكالات أنباء محلية ودولية، وتقارير منظمات دولية، وتحليلات خبراء. في هذا التقرير، نسلط الضوء على هذه التناقضات من خلال قراءة نقدية لأبرز التحركات الدبلوماسية، والانتهاكات الحقوقية، والسياسات الاقتصادية، مدركين أن أي تحليل رصين لا بد أن ينطلق من الواقع، لا من ادعاءات السلطة، ومن مصالح الناس، لا من سرديات الأجهزة الرسمية.

يتناول هذا التقرير جملةً من الوقائع السياسية والاقتصادية والإعلامية التي برزت خلال شهر يونيو من عام ٢٠٢٦. فعلى الصعيد الاقتصادي، أعلن صندوق الاستثمارات العامة استبدال قياداتٍ أجنبية بأخرى سعودية في عددٍ من شركاته، في خطوةٍ تُسوَّق كتمكينٍ للكفاءات الوطنية بينما جوهرها كبحٌ للنفقات وإلقاءٌ غير مباشر للّوم على الأجانب، تزامناً مع التراجع عن مشاريع نيوم وتضخّمٍ تجاوز ثلاثين بالمئة. وفي المجال الرياضي، خرج المنتخب السعودي من كأس العالم من دور المجموعات في المركز الأخير، لتتكشّف الفجوة بين الإنفاق الضخم على الواجهة والعجز عن صناعة لاعبٍ محلّي، فأُعلنت استقالة رئيس الاتحاد ياسر المسحل امتصاصاً للغضب الشعبي، وارتبط بالحدث ذاته جدلُ بثّ المباريات عبر منصة TOD القطرية بوصفه امتداداً لإرث التوتر السعودي-القطري. أما في رأس تنورة، فقد سقطت مروحيةٌ لأرامكو وقضى ركّابها الأربعة عشر جميعاً، في حادثةٍ عكس بيانها المقتضب نمط التعتيم الذي يحجب التحقيقات عن الرأي العام. وعلى المستوى الإقليمي، كشف تصريح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس عن تمويلٍ خليجيٍّ مُفترض لإعمار إيران بثلاثمئة مليار دولار، في خطابٍ يعامل ثروة الخليج كأداةٍ تُصرف نيابةً عن أصحابها. ثقافياً، تحوّل فيلم “سفن دوجز” – بكلفةٍ تناهز سبعين مليون دولار – إلى نموذجٍ لهوس الصورة على حساب الجدوى. حقوقياً، حلّت ذكرى مرور عامٍ على إعدام الصحفي تركي الجاسر وسط موجة إعداماتٍ غير مسبوقة وتجريمٍ ممنهج للرأي، فيما أُحيل الإعلامي حسين الشمري إلى النيابة العامة لانتقاده الإمارات، في دليلٍ على أن السلطة لا تحتمل اجتهاداً فردياً خارج أوامرها. واقتصادياً، دخلت لائحة تملّك غير السعوديين للعقار حيّز التنفيذ بوصفها انفتاحاً مشروطاً يُبقي الملكية رهن إرادة الدولة، بينما كشفت شهادة أنطوني فيفيس عن نيوم بنية القرار المعطوبة التي تتجاهل أهل الاختصاص منذ البداية. هذا التقرير يرصد هذه الأحداث بعين تحليلية نقدية تسعى إلى قراءة ما وراء الأرقام والتصريحات الرسمية، وفهم البنية المؤسسية التي تجعل هذه الأنماط متكررة لا استثنائية في مسار الحكم السعودي الراهن.

تعيينات صندوق الاستثمار

وفق مصادر صحفية أعلن صندوق الاستثمار السعودي استبدال الرؤساء التنفيذيين والقيادات بقيادة سعودية في العديد من الشركات التابعة له. تأتي هذه الخطوة ضمن مسار تتبعه الحكومة السعودية خلال العام الماضي والحالي في محاولة إعادة تقييم المشاريع والمبادرات التي أطلقتها منذ بداية وصول محمد بن سلمان للسلطة. حيث تراجعت عن أكثر مشاريع نيوم، وعن استضافة الأولمبيات الشتوية وغيرها. تأتي هذه الخطوة كمحاولة كبح جماح المصروفات التي تحرق الميزانية المالية للدولة، خصوصاً أن المدخلات المالية لدولة تأثرت بشكل جلي خلال فترة الحرب الأمريكية الإيرانية. وما يقوم به محمد بن سلمان حالياً من قرارات هي ليست إصلاحية إطلاقاً بل هي محاولة تثبيت صورته لدى المجتمع أنه صاحب رؤية، على الرغم من الفشل الذريع في كافة مشاريعها، لهذا هذه النوعية من القرارات ليس تمكين الكفاءات الوطنية من أخذ زمام الأدوار القيادة – كما يزعم صندوق الاستثمار- بل محاولة غير مباشرة لإلقاء اللوم على الأجانب، وهذا يتوافق مع النقد الاجتماعي الحالي في المجتمع حول تفضيل الأجانب على السعوديين في العديد من الوظائف، لهذا يحاول صندوق الاستثمار أن يتدارك المصروفات الضخمة التي تصرف على الأجانب خصوصاً كمدراء تنفيذيين، وفي نفس السياق يحاول أن يندمج مع الموجة الناقدة والناقمة على الأجانب. ومع هذا لن تكون هذه التعيينات والتغييرات ذات قيمة كبرى، بسبب طبيعتها المتجاوزة للمصالح الوطنية، فهي مشاريع ذات بعد شخصي لصانع القرار الأول ورغبة ذاتية أكثر من كونها مشاريع حقيقية واستجابة تصحيحية للوضع الحالي. فصانع القرار منفصل عن هموم المجتمع وله عالم موازي في الاقتصاد والعمران والسياسية، وما حدث من مشاريع في نيوم يثبت هذا الاتجاه (مدينة ثلجية في منطقة ملتهبة الحرارة، مدينة بطول 120 كيلو تقلصت إلى 200 متر ومن ثم تم إلغائها، فنادق وسط صخور ملتهبة طوال العام وذات أرقام مكلفة في التشغيل، إلخ) لهذا الوهم الذي أطلقه محمد بن سلمان – كعراب للرؤية – واستبدال النفط بمشاريع تغذي الاقتصاد المحلي كلها فشلت، فضلاً عن ازدياد الدين العام وارتفاع معدلات التضخم إلى أكثر من 30٪ بشكل لم يعهده المجتمع السعودي وبالتحديد سكان الرياض.

أزمة بث مباريات كأس العالم

تشير بعض المصادر أن الحكومة السعودية قامت بإغلاق منصة TOD أو تم تعطيل موقعها الإلكتروني، هذه المنصة تابعة لمجموعة شبكات لـ beIN القطرية الحاصلة على البث الحصري لنقل كأس العالم. الإشكال الجوهري هنا هو قيام مجموعات تابعة للحكومة السعودية في منتصف عام ٢٠١٧ بعمل قرصنة وسطو على حقوق هذه القناة، للترويج لقناة بديلة بإسم  “beoutQ” كان كل هذه التحركات في سياق عدائي بين السعودية وقطر، حيث حاولت الحكومة السعودية في ذلك الوقت بإجراء حصار تجاري واقتصادي على قطر، ومن أهم مشاريع قطر، القنوات الرياضية التي تنقل البث الرياضي للعديد من البطولات والمناسبات الرياضية. وبعد أن تمت المصالحة بين الحكومتين، بقيت قضية القرصنة والحقوق عالقة، حيث من المرجح أن يكون هناك تقييد لعمليات beIN في السعودية (خلفية سياسية – تجارية مع قطر)، وحالات انقطاع/تذبذب في الوصول إلى TOD أبلغ عنها مستخدمون، لكن لا يوجد إثبات من مصدر موثوق على قرار حكومي حالي بإغلاق المنصة لمنع بث كأس العالم، والواقع أنها تعمل حالياً كقناة مشاهدة موصى بها داخل المملكة، وهذا سلوك مفهوم، حيث التشويش الإعلامي سلاح قديم تستخدمه الحكومات، وفي ذات الوقت تؤكد العديد من الجهات ذات العلاقة في السعودية أنه لا يوجد انقطاع في البث لكن هناك العديد من الشكاوى على شبكات التواصل الاجتماعي حول بث كأس العالم.

المنتخب السعودي في كأس العالم

خرج المنتخب السعودي من كأس العالم ٢٠٢٦ من دور المجموعات محتلاً المركز الرابع والأخير في المجموعة الثامنة برصيد نقطتين فقط. افتتح المنتخب مشواره بتعادل ١-١ مع أوروغواي، ثم تلقى هزيمة ثقيلة أمام إسبانيا برباعية نظيفة، واختتم بتعادل سلبي مع الرأس الأخضر، المنتخب الذي يخوض أول ظهور مونديالي في تاريخه، ومع ذلك تأهل إلى الدور المقبل بينما ودّع المنتخب السعودي البطولة بهدف وحيد سجّله مقابل خمسة استقبلها. النتيجة حين تُقرأ خارج لغة الأرقام، تكشف فجوة كبيرة بين حجم الاستثمار والمخرجات. فالمملكة ضخّت مليارات في دوريها واستقطبت نجوماً عالميين على رأسهم رونالدو وبنزيمة ونيمار، وتستعد لاستضافة كأس آسيا ٢٠٢٧ ثم مونديال ٢٠٣٤، غير أن منتخبها الوطني – وهو المقياس الأصدق لأي مشروع كروي – عجز بشكل جلي في تجاوز مجموعة كان يملك فيها فرصة واقعية أمام أوروغواي والرأس الأخضر. ومع هذا لم يكن هناك أي أثر حقيقي يعكس حجم الإنفاق المالي الضخم والإسراف الذي تتبناه السلطة على الدوري المحلي في خلق منتخب وطني ذو جودة عالية وصناعة اللاعب المحلي بشكل منافس. الرياضة ليست منفصلة عن السياسة، وما يحدث في المنتخب الوطني من تدخلات وانحيازات وتفضيلات هي مثال حقيقي أن السياسة التسلطية أثرها يتجاوز المجال السياسي والعام، بل يصل إلى أدق التفاصيل ومنها تشكيلة المنتخب الوطني. وأي متابع للنقاشات الرياضية خلال فترة المباريات يعلم حجم الفساد والمحاباة التي تخترق صفوف المنتخبات الوطنية، هي حالة مزمنة ومتجذرة في المشهد الرياضي السعودي. ومن باب ذر الرماد في العيون وامتصاص الغضب والإحباط الشعبي، أعلن رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم ياسر المسحل استقالته من منصبه فجر الاثنين، بعد مسيرة امتدت سبع سنوات على فترتين متتاليتين، وصرح أنه يتحمل المسؤولية الكاملة عن عدم تأهل المنتخب وقدّم اعتذاره للجماهير، داعياً إلى فتح باب الترشح لانتخابات مجلس إدارة جديد. المسحل، الذي انتُخب عام ٢٠١٩ وزُكّي لولاية تمتد حتى ٢٠٢٧، يصبح بذلك أحد أبرز المسؤولين الذين تسقطهم نتيجة رياضية بصيغة محاسبة علنية سابقة تستحق التوقف عندها في سياق يندر فيه ربط الإخفاق بالمسؤولية صراحةً.

المشاركة في كأس العالم هي تتويج للجهود الرياضية وبالخصوص في كرة القدم لأي دولة، في الحالة السعودية يعاني قطاع الرياضة بالعموم إشكاليات كبرى، فلا وجود لمؤسسات رياضية حقيقية تهتم ببناء إنسان رياضي وتجعل المواطنين ينخرطون في الأنشطة والمسابقات الرياضية من خلال عمليات تنموية مدروسة، بل هي مبادرات تقوم وتقعد حسب رغبة صانع القرار. ففي الحالة السعودية انتعشت الأندية الرياضية في عهد الأمير فيصل بن فهد، حيث كان له اهتمام ببناء منظومة رياضية لكافة الأندية والمستويات الرياضية، وليس فقط التركيز على كرة القدم، لكن بعد وفاته خلفه أخوه سلطان الذي لم يحسن التعامل مع البرامج الرياضية ولم يكن لديه وعي حول تكوين رأس مال رياضي، ثم تدمرت أكثر عبر الأسلاف اللاحقين. لأن المنظومة العامة تعاني من المحسوبية والفساد والتدخلات من الأمراء العاطلين عن العمل. فضلاً عن زيادة التعصب الرياضي للأندية الكبرى في كرة القدم، وهو جزء من انشغال المواطن في الانخراط في عصبيات رياضية ليست ذات قيمة، صحيح أنها ظاهرة عالمية شائعة للتعصب للأندية الرياضية وهي جزء من الولاء الذي يقدمه المشجعون لأنديتهم، لكن الحالة السعودية مسمومة فلا يوجد مساحة حقيقة للنقد البناء، بل يوجد مساحات كبرى للضغينة الرياضية وتحشيد الجماهير في ظاهرة استقطابية لا تفيد الحالة الرياضية في الوطن. ولهذا تأتي المشاركة في كأس العالم مخزية على كافة المستويات، فالرياضة تعكس عدد من الملفات الأساسية بما فيها الصحة والتنظيم والتضامن الاجتماعي الوطني للمنتخب على عكس الحالة السعودية التي كان المشهد العام فيها منقسم قبل أن تبدأ البطولة وسط تخبط إداري وهي حالة مألوفة في المشهد السعودي حيث تسيّس الرياضة لأجل رغبات محدودة للشخصيات النافذة بغض النظر عن المصلحة الوطنية، وفي آخر المطاف يكون اللاعب الحلقة الأضعف في المشهد وهو كبش الفداء، حيث اللاعب فاقد المعنويات وكاشف لحقيقة المشهد من داخل المنظومة الرياضية ويعلم حقائق مخزية حول الطريقة التي يتم التعامل بها للإعداد لبطولة كبرى مثل كأس العالم، وهذا ليس حكراً على كرة القدم بل يشمل جل الرياضات السعودية حيث تعاني كما ذكرنا من فساد متجذر وعميق.

حادثة سقوط مروحية أرامكو في رأس تنورة

في صباح الأحد ٢٨ يونيو ٢٠٢٦، وعند الساعة السادسة، سقطت طائرة مروحية تابعة لشركة أرامكو السعودية في منطقة رأس تنورة، فلقي جميع ركابها البالغ عددهم ١٤ مصرعهم، وجميعهم مواطنون سعوديون. أعلنت وزارة الطاقة الخبر عبر وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) على لسان “مصدر مسؤول”، مؤكدةً أن التحقيقات جارية لمعرفة الأسباب، ومقدّمةً تعازيها لذوي الضحايا. وبحسب تقارير صحفية، وقع التحطم في موقع برّي بين رأس تنورة والجعيمة، ورُجّح أن تكون الطائرة من طراز ليوناردو AW139 المستخدم في أسطول أرامكو. تكشف صياغة البيان ومعالجته الإعلامية أكثر مما تكشفه الواقعة نفسها. فالبيان جاء مقتضباً، منسوباً إلى مصدر غير مُسمّى، خالياً من هويات الضحايا أو وظائفهم أو ملابسات الرحلة، ومكتفياً بصيغة “التحقيقات جارية” التي تتكرر في الحوادث الصناعية دون أن يُتبعها غالباً إعلانٌ للنتائج. وقد أعادت غالبية المنصات نشر البيان حرفياً، بلا تحقّق مستقل ولا أسئلة عن سجل السلامة في عمليات الطيران التابعة لأكبر شركة نفط في العالم. هذه ليست تغطية بقدر ما هي إعادة توزيع لنصّ واحد، وهو نمط مألوف حين يتعلق الأمر بمؤسسة سيادية كأرامكو.

كذلك تم توصيف الضحايا بـ”الشهداء”، وهي مفردة تحمل شحنة رمزية تقديرية ولها دلالة إسلامية مهمة. وإلى وقت كتابة هذا التقرير ليست هناك أي تحقيقات ظهرت تكشف عما حدث، وليس هناك توقعات كبرى، حيث السعودية صندوق أسود، ومن الصعب إجراء تحقيقات محلية، لكن ربما تستطيع بعض الوكالات الأجنبية الكشف عما حدث وفق مصادرها الخاصة. لهذا نجد الدولة حتى في حادثة مؤلمة مثل ما حدث لا تشارك المجتمع ولا تعتقد بضرورة فتح الملفات للجمهور العام من خلال مؤتمر صحفي والفصح عما حدث، بل هي سلطة استعلائية في كل شيء ولا ترى ضرورة من متابعة التحقيقات ونتائجها مع الشعب.

تصريح فانس: من يقرّر إنفاق أموال الخليج؟

في مقابلة مع شبكة CBS مطلع الأسبوع الأخير من هذا الشهر، قال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن إيران “قد تحصل” على صندوق لإعادة الإعمار بقيمة ٣٠٠ مليار دولار ضمن اتفاق السلام مع واشنطن، شرط التزامها بتعهداتها، مضيفاً أن التمويل ستتولّاه “دول ساحل الخليج” في إشارة إلى مجلس التعاون الخليجي الذي يضم البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات. والمفارقة أن من يُرشَّح لتمويل إعمار إيران هي الدول ذاتها التي طالتها الهجمات الإيرانية خلال الأشهر الماضية، وهذه نظرة وتوجه متغطرس من صانعي السياسات الأمريكية الحاليين ابتدأ من ترامب وادارته، حيث تنخرط في حرب لا معنى لها وتتأثر دول الخليج وبنيتها الاقتصادية من هذه الحرب ثم يطلب منها أو يملي عليها – كما هو الحال في تعليق فانس – في إعمار إيران بالمال الخليجي، وهو بحق مؤشر على الإستحقار الذي تتبناه هذه الحكومة نحو أنظمة المنطقة، فهي تراها فقط صناديق تمويل وليست حكومات لديها استقلاليتها السياسية.

لهذا تكشف لنا هذه العبارة عن نمط استراتيجي أعمق من حدث عابر، حيث ينظر للثروة الخليجية في الخطاب الأمريكي أنها أحد أدوات سياسة واشنطن الخارجية، ويجب أن يُلتزَم بها نيابةً عن أصحابها. فالقرار بإنفاق مئات المليارات لم يصدر عن عاصمة خليجية، بل أعلنه مسؤول أمريكي بصيغة الجزم، قبل أن يعود الرئيس ترامب نفسه لينفيه ويصفه بـ”الأخبار الكاذبة”، مؤكداً أن واشنطن لن تستثمر أي أموال في إيران، تناقضٌ داخل الإدارة الواحدة يضع الحليف الخليجي في موقع المتلقّي لقرارات تُصاغ بعيداً عنه. وعلى أرض الواقع، تتحفّظ دول الخليج على فكرة تمويل خصم إقليمي خرج لتوّه من مواجهة معها، إذ يراها خبراء غير منطقية سياسياً ولا اقتصادياً، خصوصاً للدول التي تعرّضت لهجمات مباشرة. وخلاصة هذا التصريح أنه يعرّي حدود “الاستقلالية” في القرار الخليجي وتجاوز على سيادتها، حيث لا تستطيع الإدارة الأمريكية الحالية بمخاطبة دولة مثل الصين بهذه العنجهية، لكن دول الخليج دول فقيرة في سيادتها ولا تستطيع مجابهة هذا الخطاب الاستعلائي الذي يمارس عليها بكثرة بعد صعود ترامب للسلطة، بالرغم من محاولات حكام الخليج المستميتة لشراء رضاه.

فيلم الكلاب السبعة

خلال الأيام الأخيرة من شهر يونيو لم يترك تركي آل الشيخ مناسبةً إلا واحتفى فيها بفيلم “سفن دوجز”. منشورات شبه يومية على حساباته ترصد كل عتبة إيرادات جديدة بعبارة “الحمد لله”، وبوسترات متلاحقة تُعلن الأرقام القياسية أولاً بأول. هذا الهوس الترويجي لرجل دولة يعكس اهتمامات الدولة واتجاهاتها الاستراتيجية، فالدولة التي تعاني من أزمات جوهرية في العمل والتضخم المالي وحرب ملتهبة في الخليج العربي ودين متراكم، لديها القدرة على ضخ أموال الشعب في أفلام ومهرجانات محببة إلى تركي، وهذا الفلم ذو التكلفة المخيفة التي وصلت إلى ٧٠ مليون دولار دون وجود عائد مادي أو حتى معنوي تكشف لنا العبثية في أجل تجلياتها، بل هذا الفيلم هو مفتاح لفهم نمط الدولة واتجاهاتها، وطبيعة العمل تكشف هذا المنطق. فالفيلم من إنتاج استوديوهات “سيلا” بدعم هيئة الترفيه العامة وموسم الرياض، صُوّر غالبيته في الرياض، من قصة آل الشيخ نفسه، ويوصَف رسمياً بأنه أغلى فيلم ناطق بالعربية على الإطلاق. أخرجه ثنائي سلسلة  Bad Boys، واستعان بأسماء عالمية مثل مونيكا بيلوتشي ونجوم بوليوود، أي أن “العالمية” هنا مُشتراة بالتعاقدات لا ناتجة عن صناعة محلية ناضجة.

لكن المحور الأخطر هو الكلفة. الميزانية الرسمية للفيلم قدرت بـ٤٠ مليون دولار ولكن يُعتقد أنها تضخّمت إلى نحو ٧٠ مليوناً، وأُنفق جزء منها على استعراضٍ قياسي بحت، إذ حطّم الفيلم رقم غينيس لأضخم انفجار حركي في تاريخ السينما متجاوزاً أفلام جيمس بوند. في المقابل، الإيراد المعلن (١٩ مليوناً بعد شهر) إن صدق المصدر لا يقترب من تغطية التكلفة، خاصة أن دور العرض تقتطع نحو نصف الإيرادات، والفيلم لم يضمن توزيعاً أمريكياً ولا أوروبياً، ما يجعل استرداد كلفته موضع تساؤل وتشكيك.

وهنا يتّضح النمط التسلطي لإدارة الفنون والمجال الإبداعي بشكل عام هو الهوس بالصورة على حساب الاقتصاد، فهذه الأرقام المالية من الخزانة العامة للشعب، كيف يمكن تبرير كل هذا الصرف خصوصاً أن هناك تجربة فشل أسطورية لفيلم “محارب الصحراء” الذي كلّف ١٥٠ مليون دولار ولم يُحصّل سوى نحو ٧٠٠ ألف، إنفاق ضخم مقابل عائد ضئيل! ويُسوَّق “النجاح” بمؤشرات رمزية (أرقام افتتاح وتذاكر ورقم غينيس) لا بمعيار الربح كما هو منطق أي شركة إنتاج أفلام في العالم، فيما تصدر معظم الأرقام من حساب آل الشيخ الشخصي لا عن جهة تدقيق مستقلة. وحتى داخل الصناعة، ثمة جدل حول النموذج الذي تقوده الدولة وتساؤل عمّا إذا كان قادراً على إنتاج ثقافة سينمائية عضوية أم تبقى مشاريع فردية مدعومة. إنه في المحصّلة، نموذج مصغّر لمنطق الإنفاق السيادي وأن رغبات صانع القرار هي أشبه باستراتيجيات ثابتة، ولا تعبأ الدولة بفكرة الجدوى الاقتصادية أو تتحرى تقليل الإنفاق على هذا الجانب في الوقت الذي ترهق المواطن بالفواتير والرسوم المالية الكثيرة.

عام على إعدام تركي الجاسر

مرّ عامٌ على إعلان وزارة الداخلية السعودية، في الرابع عشر من يونيو ٢٠٢٥، تنفيذ حكم الإعدام بحق الصحفي والمدوّن تركي الجاسر. وبحسب توثيق المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، جاء الإعدام عقب محاكمة سرية، في أول حالة موثّقة لإعدام صحفي في المملكة. فالجاسر معتقل منذ مارس ٢٠١٨ على خلفية اتهامه بإدارة حساب “كشكول” السياسي على منصة إكس، وتعرّض للإخفاء القسري واحداً وعشرين شهراً وحُرم من توكيل محامٍ. ووصفت منظمة القسط لائحة التهم – من “الخيانة” و “التخابر” إلى “تمويل الإرهاب” و “زعزعة أمن الدولة” – بأنها غامضة، وتكشف النمط البنيوي ذاته: الخلط المتعمَّد بين التعبير السلمي عن الرأي والإرهاب عبر قانون مكافحة الإرهاب، علماً أن الجاسر كان يكتب في صحيفة “التقرير” ويتناول قضايا حسّاسة كحقوق المرأة والفساد ومعاناة الفلسطينيين.

أما التبعات فتتجاوز الرجل إلى المنظومة بأسرها. تؤكد المنظمة الأوروبية السعودية، بالاشتراك مع “ريبريف”، أن الإعدامات تجري ضمن سياسةٍ ممنهجة لا كردّ فعلٍ استثنائي: فقد نُفّذ في ٢٠٢٤ ما لا يقل عن ٣٤٥ حكماً – الأعلى في التاريخ الحديث مقارنةً بالرقم القياسي السابق البالغ ١٩٦ عام ٢٠٢٢ – بينما تجاوزت إعدامات النصف الأول من ٢٠٢٥ وحده ١٨٠ حالة، أي أكثر من ضعف الفترة ذاتها من العام السابق. وفي هذا المناخ، توثّق المنظمة أن ٦٢ شخصاً على الأقل يواجهون خطر الإعدام بتهمٍ سياسية أو تتعلق بالرأي، بينهم ثمانية قاصرين، فيما يواجه معتقلون كالشيخ الدكتور سلمان العودة، والمصلح حسن المالكي، والدكتور علي العمري، والدكتور عوض القرني العقوبة ذاتها بتهمٍ لا تتجاوز حرية التعبير. هنا يتقاطع مصير الجاسر مع عشرات المخفيين قسراً، من بينهم عامل الإغاثة عبدالرحمن السدحان والداعية سليمان الدويش، ممن تُدار قضاياهم في عتمة انعدام الشفافية. والخلاصة التي تفرض نفسها أن الدولة التسلطية، حين تجرّم الرأي وتُسوّيه بالإرهاب، تعلن أن خصمها ليس العنف، بل الكلمة الحرة؛ وأن أي إصلاحٍ معلن يبقى واجهةً ما دامت المقصلة جواباً ممكناً على الكلمة الحرة أو حتى مزاج السلطة. وترتب على هذه الإعدامات ردود أفعال من قبل عدد من المبادرات ومنها مبادرة الرؤية الشعبية التي تحاول وقف هذه الانتهاكات وإطلاق سراح معتقلي الرأي.

استدعاء إعلامي سعودي بسبب الإساءة لدولة شقيقة

أعلنت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام إحالة “مواطن” إلى النيابة العامة بعد أن رصدت محتوى تضمّن تعرّضه لرموز وقيادات دولة شقيقة في مساحة صوتية على إحدى منصات التواصل، مستندةً إلى المادة السادسة من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية. جرى الرصد في ٦ يونيو ٢٠٢٦ والإحالة في ٨ يونيو. اللافت أن البيان الرسمي تجنّب تسمية الشخص والدولة معاً، مكتفياً بصيغتي “المواطن” و”الدولة الشقيقة” وهو تعتيمٌ مقصود تكشف خلفيته مصادر أخرى: فالمقصود هو الإعلامي حسين الشمري، الموصوف بمستشار الإعلام الدولي في وزارة الإعلام، والدولة هي الإمارات، على خلفية تصريحات انتقد فيها رئيسها وسط حساسية الصراع بين الرياض وأبوظبي. تكمن دلالة الواقعة في مستويين، الأول أن آلة التجريم لم تعد مقتصرة على المواطن الناقد، بل طالت موظفاً داخل الجهاز الإعلامي نفسه؛ فبمجرد أن اصطدم رأيه بحسابات الدولة الدبلوماسية، جُرّد من مناصبه الوظيفية في البيان وأُعيد توصيفه “مواطناً” دون ذكر أي صفة رسمية، كأن المؤسسة تتبرأ منه قبل إحالته. والثانية أن السياسة الخارجية باتت حقلاً محتكَراً لا يُسمح فيه بصوتٍ لم تُجزه الدولة؛ فالإساءة إلى قيادات الدول الشقيقة وُصفت بأنها “خط أحمر” لا تهاون فيه، على لسان وزير الإعلام سلمان الدوسري نفس، على الرغم أنها كانت تجيش المجال العام الإعلامي والشعبي قبل عدة أشهر في مهاجمة الإمارات متمثلة في محمد بن زايد تحديداً ومن حوله، لهذا الدولة لا تريد أي اجتهاد أو مبادرة فردية خارج سياق أوامرها حتى لو حاول أحد عمل هذا الشيء لإرضاء مزاج السلطة الذي يعلم أنها في حالة من الاشتباك مع حكومة الإمارات على وجه التحديد. الخلاصة أن تجريم التعبير في المملكة مرهون بمزاج السلطة لا وفق آليات نظامية وقانونية معلنة للجميع.

اللائحة التنفيذية لنظام تملك غير السعوديين للعقار.

دخل نظام تملك غير السعوديين للعقار حيّز التنفيذ في ٢١ يناير ٢٠٢٦، ليحلّ محلّ نظام عام ٢٠٠٠ معتمداً نموذج “المناطق المخصّصة” التي يحدّدها مجلس الوزراء، بهدف زيادة المعروض وجذب رأس المال الأجنبي ضمن “رؤية ٢٠٣٠” وتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط. غير أن القراءة الأدق أنه انفتاحٌ مشروط لا تحرير كامل؛ فالتملك السكني مستثنى من أربع مدن (مكة والمدينة وجدة والرياض)، والملكية في المدينتين المقدّستين مقصورة على المسلمين، ويخضع لسقوفٍ وموافقات وكلفة معاملات تقارب ١٠٪ (رسم تصرّف حتى ٥٪ فوق ضريبة تصرّفات بنسبة ٥٪)، فيما يتطلّب ربط التملّك بالإقامة المميزة عقاراً لا تقل قيمته عن ٤ ملايين ريال (نحو ١.٠٦ مليون دولار) خالياً من الرهن. ولهذا تتعامل الصحافة الاقتصادية الدولية بتحفّظ نقدي: فمجلة “فوربس” ترى أن النظام يُكمّل دبي لا ينافسها، ومستشارٌ في “سوذبيز” يحذّر من مقاربته كسوق مضاربة قصيرة الأمد كدبي أو لندن، مشيراً إلى أن الإصلاح أبطأ من الإمارات، فيما ترى “غلف نيوز” أن توقّع موجة شراء مفاجئة قد يكون في غير محلّه.

أما في دولةٍ تسلطية فالإشكال أعمق من الأرقام. الملكية لا تكتمل إلا بالتسجيل وبموافقة الجهات، والمخالفة تُحال إلى النيابة العامة مع بيعٍ قسري وغرامات تصل إلى ١٠ ملايين ريال، أي أن “التملّك” رخصةٌ تمنحها الدولة وتملك تقييدها، لا حقٌّ يحرسه قضاء مستقل؛ وفي نظامٍ له سجلٌّ في المصادرة والاحتجاز التعسفي وتجريم التغريدة، تبقى صلابة سند الملكية رهينة إرادة السلطة لا حكم القانون. وتزيد المفارقة الداخلية حين نعلم أن الدولة تستهدف رفع نسبة تملّك مواطنيها إلى ٧٠٪ بحلول ٢٠٣٠ بعد أن بلغت نحو ٦٥٪، ما يجعل استثناء المدن الكبرى محاولةً لاستجلاب المال دون إشعال أسعار المساكن في وجه المواطن. وهنا يُطرح السؤال: هل يرغب الأجنبي فعلاً في العيش والتملّك في السعودية؟ الطلب حقيقي لكنه ضيّق ونوعي – رأس مال مؤسسي صبور، ومشترون خليجيون، ومسلمون لاعتبارات رمزية، ومقيمون أصلاً – بينما يظل المشتري الدولي العام مترددًا تكبح فجوة نمط الحياة وغموض البيئة القانونية. والخلاصة أن الانفتاح أداةٌ لاستجلاب المال مع الاحتفاظ بكامل السيطرة، لا تحوّلٌ في علاقة الفرد بالدولة؛ إذ يبقى العقار، كغيره، ممنوحاً بقرار لا مصاناً بقانون.

قراءة في شهادة أنطوني فيفيس عن نيوم

في مقال صدر حديثاً يلخص كتابفي البلد السرّي” (٢٠٢٦)، يروي الاقتصادي والسياسي الكتالوني أنطوني فيفيس سبع سنوات قضاها على رأس مشروع نيوم، من فريقٍ بدأ بثلاثين موظفاً حتى تجاوز ١٢٥٬٠٠٠ شخص. الشهادة لافتة لأنها تأتي من الداخل، ومن رجلٍ مأخوذٍ بالمشروع لا خصمٍ له؛ فهو وصل إلى الرياض بالمصادفة عام ٢٠١٨ عبر شركة “ماكينزي”، لأداء خدمةٍ لأحد كبار شركائها، فإذا بالمحادثات القصيرة تتمدّد حتى تحوّلت إلى عرضٍ للبقاء. ومع هذا الانبهار، تكشف روايته بنية القرار المعطوبة التي قام عليها المشروع. فبحسب فيفيس، كان ولي العهد محمد بن سلمان يطالب دائماً بتجاوز التوقّعات، ويرفض أن تُعرض عليه مشاريع قد لا تنجح بالكامل؛ ومن رحم هذا المنطق وُلدت فكرة “ذا لاين” – مدينة خطّية بطول ١٧٠ كيلومتراً وعرض ٢٠٠ متر وارتفاع ٥٠٠ متر، صُمّمت لـ إسكان تسعة ملايين نسمة – وهي فكرة كانت قد أُلقيت في سلّة المهملات قبل أن تُستعاد إرضاءً لشهية القيادة للمذهل. وحين قدّمها فيفيس قال للأمير صراحةً إنه قد يُطرد بسببها؛ ولم يُطرد، لأن المعيار لم يكن واقعية الفكرة، بل ضخامتها.

تكمن الدلالة النقدية في اعتراف وزير الاقتصاد نفسه لفيفيس، قبل توقيعه العقد، بأنه سيرى “أشياء لن تعجبه”، ثم وقع اغتيال خاشقجي بعد أشهر من بدء عمله؛ غير أن الأخطر هو وصفه لآلية الحكم: ففي الأنظمة التسلطية، كما يقول، لا تجري السياسة عبر الأحزاب، بل عبر تيّاراتٍ تحت الأرض، وما إن تراجع اهتمام الأمير بالمشروع حتى تبدّلت الأفكار وتغيّرت الوجهة. وهو يصوغ المعضلة في صورةٍ بليغة: على بن سلمان أن يختار بين أن يتصرّف بسرعة نابليون، أو بإيقاع دينغ شياو بينغ الأبطأ الذي احترم “الإيقاعات العميقة” لثقافة بلاده كي يكون أكثر فاعلية في دفع الكتلة البشرية نحو وجهتها. والمملكة، في الممارسة، اختارت سرعة نابليون: قراراتٌ تُصاغ في فراغٍ من المساءلة، مرهونةٌ بمزاج الفرد الأعلى ونظرته للعظمة، لا بدراسات الجدوى ولا برأي أهل الاختصاص. ومثل هذا النمط لا يترك للخبير سوى خيارين: أن يجاري الطموح المتضخّم، أو أن يُزاح بهدوء عبر تلك التيارات الخفية.

وحتى حين حاول فيفيس إدخال معيارٍ أكثر رشداً بأن يُقاس العائد بأثره المزدوج على الناتج المحلي والمجتمع لا بمنطق الصناديق الاستثمارية وحده، اصطدم بأن فكرة وهمية تسمى “الاعتزاز الوطني” ظلّ هو المحرّك الأول، أي القيمة الرمزية التي تريد السعودية الجديدة بقيادة محمد بن سلمان أن تبنيها تكميلاً لما تمثّله مكة والمدينة. وهذا التبرير المعنوي، حين يصر صانع القرار على توفير كافة أشكال الإنفاق المالي الغير عقلاني وغير الخاضع للرقابة أو المحاسبة فضلاً عن السؤال عن الجدوى: فأيّ رقمٍ يصعب تسويغه اقتصادياً يُعاد تقديمه بوصفه استثماراً في صورة الوطن وكبريائه. وقد دفع الفريق ثمن ذلك شخصياً، إذ عاش سنواتٍ في أكواخٍ مؤقتة وسط الصحراء تحت ضغطٍ هائل.

الخلاصة أن نيوم لم يتعثّر صدفةً، بل لأنه قام منذ البداية على معادلةٍ غير واقعية: طموحٌ شخصي من قبل شخص لا يمتلك وعي حقيقي ولا قدرة على التقييم وفهم عبثية هذه السياسية التي تحلم دوماً بخيالات بلا سقف، لكنها يراد لها أن  تقام مهما كلف الأمر حتى لو خالف ذلك كافة الأراء التقنية والمهنية والتكنوقراطية فضلاً التجاهل والغطرسة في عدم الإصغاء للخبراء، لهذا لم يكن الفشل لهذا المشروع شيء مفاجئ بل نتيجة طبيعية وواقعية للعقلية التسلطية التي تخطط بشكل فردي لهذه المشاريع دون اكتراث بالأعباء التي سوف تخلفها. في خاتمة الكتاب، يذكر المؤلف فيفيس أنه غادر نيوم دون أن يُصدر حكماً قاطعاً على مصيرها؛ فهو لا يتنبّأ بنجاحه ولا بفشله، بل يكتفي بوصف تجربةٍ استثنائية دفع ثمنها فريقٌ أنهكه الضغط وسنوات العزلة في الصحراء. واليوم أرتال من المعدات والحفريات التي يمكن مشاهدتها عبر خرائط قوقل تجمدت في الأرض دون عمل بعد طرد أهل تلك المناطق منها وانكمشت رغبات السلطة بعد فهمت في آخر المطاف أن الإفلاس المالي ربما يكون واقع حقيقي سوف تواجهه لو استمرت في هذه المشاريع، لأنه لم يكن هناك أي تقدم حقيقي في هذه المشاريع.

 

خاتمة

تتقاطع وقائع هذا الشهر، على تباين مجالاتها، عند خيطٍ ناظمٍ واحد: دولةٌ تُدير صورتها أكثر مما تُدير واقعها. فمن استبدال القيادات في صندوق الاستثمار، إلى الإنفاق المذهل على فيلمٍ بلا جدوى، إلى مدينة نيوم التي قامت على خيالٍ بلا سقف، يتكرّر المنطق نفسه: قراراتٌ كبرى تُتّخذ لإرضاء شهية صانع القرار، لا استجابةً لحاجات المجتمع ولا إصغاءً لأهل الاختصاص. وحين يصبح “الاعتزاز الوطني” وتثبيت صورة الحاكم معيارَ الإنفاق، يغدو أي رقمٍ قابلاً للتسويغ مهما بلغ، ويتحوّل الفشل من مفاجأةٍ طارئة إلى نتيجةٍ مبرمجةٍ في التصميم. وفي المقابل، يكشف الشهر ذاته الوجه الآخر للمعادلة: كلفة هذا النمط البشرية والحقوقية. فبينما تُضخّ المليارات في الواجهات، تُدار حادثة مروحية أرامكو ومقتل أربعة عشر مواطناً بالتعتيم لا بالشفافية؛ وتُجرّم الكلمة الحرة حتى يدفع تركي الجاسر حياته ثمناً لتغريدة، ويُحال موظفٌ في جهاز الدولة إلى النيابة لمجرّد أنه عبّر عن موقفٍ لم تُجزه السلطة. هنا يتّضح أن آلة القمع وآلة الإنفاق وجهان لعملةٍ واحدة: الأولى تُسكت السؤال، والثانية تصنع البهرجة التي تغطّي عليه. وكلتاهما تختزل المواطن إلى متفرّجٍ يدفع الفاتورة عبر الضرائب والرسوم والدَّين المتراكم، دون أن يملك حقّ المساءلة أو حتى حقّ المعرفة.

أما على الصعيد الخارجي، فتكشف الوقائع هشاشة “السيادة” التي تتغنّى بها الرياض: ثروةٌ يُتصرّف بها نيابةً عنها في تصريح فانس، وعقارٌ يُمنح للأجنبي بقرارٍ لا بقانونٍ يحرسه قضاء مستقل. إنها سلطةٌ صلبةٌ في وجه مواطنها، رخوةٌ أمام حليفها الأقوى؛ تجرّم التغريدة في الداخل، وتتلقّى الإملاءات من الخارج بصمت. والخلاصة الجوهرية أن ما يجمع هذه الملفات ليس مصادفةً، بل عقليةٌ تسلطيةٌ واحدة تخطّط بشكلٍ فرديّ، وتقيس النجاح بالرمز لا بالأثر، وتعالج الإخفاق بكبش فداء لا بمراجعةٍ حقيقية. فاستقالة المسحل، وتجريد الشمري من صفته، و”التحقيقات الجارية” التي لا تُعلن نتائجها، كلها صيغٌ لإغلاق الملفات لا لفتحها. وما دامت القرارات تُصاغ في فراغٍ من المؤسسات والمساءلة، ومرهونةً بمزاج فردٍ منفصلٍ عن هموم الناس، فإن الأنماط التي رصدها هذا التقرير ستظل تتكرّر: إنفاقٌ بلا جدوى، وقمعٌ بلا سقف، وصورةٌ تُصقل بينما الوقع مكشوف ولا يحتاج إلى حديث أو دليل على أنه مزري في معظم الملفات الاقتصادية والسياسية. والمعيار الحقيقي لأي تحوّلٍ قادم لن يكون في حجم المشاريع أو لمعان العناوين، بل في اللحظة التي تبدأ فيها السلطة بالإصغاء وتوفير آليات شعبية رقابية تتيح للشعب تقييم المشاريع ومحاكمة سلوك السلطة وكل من يعبث بمقدرات الشعب.

لقراءة التقرير نسخه بي دي إف

شاركـــــها