التقرير الشهري: حال السعودية شهر مايو ٢٠٢٦

مقدمة

يهدف هذا التقرير إلى تقديم رصد وتحليل نقدي لأبرز الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية خلال شهر مايو ٢٠٢٦ مع التركيز على تقييم سلوك النظام السعودي وسياساته. التقرير يُسلط الضوء على التناقضات بين التوجهات المعلنة والسياسات الفعلية، وتأثيرها على القضايا الإقليمية والدولية. تم إعداد التقرير بالاستناد إلى مصادر متنوعة، تشمل وكالات أنباء محلية ودولية، وتقارير منظمات دولية، وتحليلات خبراء. في هذا التقرير، نسلط الضوء على هذه التناقضات من خلال قراءة نقدية لأبرز التحركات الدبلوماسية، والانتهاكات الحقوقية، والسياسات الاقتصادية، مدركين أن أي تحليل رصين لا بد أن ينطلق من الواقع، لا من ادعاءات السلطة، ومن مصالح الناس، لا من سرديات الأجهزة الرسمية.

يتناول هذا التقرير جملةً من الوقائع السياسية والاقتصادية والإعلامية التي برزت خلال شهر مايو من عام ٢٠٢٦. فعلى صعيد ضبط الفضاء العام، تتكشف حملة منسّقة عبر أكثر من جهة لتضييق هامش التعبير الرقمي: فقد أصدرت وزارة الداخلية بياناً حذّرت فيه من “التعصب القبلي” المهدِّد للوحدة الوطنية، في مفارقة مع دعاية رسمية قبلية في جوهرها تمجّد الأسرة الحاكمة، بينما أحالت هيئة تنظيم الإعلام تسعةً وأربعين شخصاً ارتكبوا ثمانياً وستين مخالفة، مستندةً إلى بند فضفاض هو “الإخلال بالنظام العام والمصلحة العامة”. وكشف تقرير لـ فاينانشيال تايمز أن جوهر الحملة هو كبح شكاوى المواطنين من البطالة ومن هيمنة الأجانب على مناصب عليا في شركة القدية، حيث لا تتجاوز نسبة السعوديين فيها أربعين بالمئة بإقرار الشركة، وهو ما تجلّى رمزياً في قضية فيصل المطيري. وامتدّ التضييق خارج الحدود عبر قرار منسوب إلى النيابة العامة بحجب حسابات معارضين على “إكس” نهائياً، بالضغط على منصات أمريكية لتنفيذ القمع نيابةً عن الرياض.

أمّا اقتصادياً، فتتلاحق مؤشرات الضغط المالي وإعادة الهيكلة: اتّسع العجز إلى أعلى مستوياته منذ ٢٠١٨ مع ارتفاع الإنفاق الدفاعي ستاً وعشرين بالمئة، فأوقفت الرياض عقوداً جديدة لشركات الاستشارات الغربية، وفسخت عقود ويبيلد في نيوم للسكك والسدود، في اعتراف ضمني بأن المشاريع كانت “مبالغاً فيها وباهظة”. وفي السياق ذاته تدرس أرامكو بيع مقارّها وإعادة استئجارها لجمع عشرة مليارات دولار، في استبدالٍ للملكية الدائمة بدَين مُقنَّع يغذّي خزانة الدولة. وعلى صعيد المساءلة والقمع، عاد ملف خاشقجي من باريس عبر قاضٍ فرنسي يحقق في تهمتَي التعذيب والإخفاء القسري بحقّ ولي العهد، فيما كشف تسليم النائب الكويتي وليد الطبطبائي عبر التنسيق الأمني الخليجي وجهاً آخر للقمع العابر للحدود. وإقليمياً، عزّزت باكستان وجودها العسكري في المملكة بسربٍ من المقاتلات وآلاف الجنود تموّلهم الرياض في ترتيبٍ سرّي، يكشف أن أكبر مستورد للسلاح في العالم لا يزال يستعير رداعته من الخارج. هذا التقرير يرصد هذه الأحداث بعين تحليلية نقدية تسعى إلى قراءة ما وراء الأرقام والتصريحات الرسمية، وفهم البنية المؤسسية التي تجعل هذه الأنماط متكررة لا استثنائية في مسار الحكم السعودي الراهن.

بيان الدولة بخصوص القبلية وتهديد الوحدة الوطنية والسلم والأمن

أصدرت وزارة الداخلية بياناً مقتبض حول ما أسمته جرائم مُهددة للوحدة الوطنية والسلم والأمن المُجتمعي وجاء نص البيان كالتالي: “أعلنت وزارة الداخلية بأنه إشارة لما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي من محتوى من شأنه المساس بالوحدة الوطنية وتهديد السلم والأمن المُجتمعي، متضمنًا عبارات مثيرة للتعصب القبلي المقيت، فإن الجهات المختصة باشرت -في حينه- اتخاذ الإجراءات النظامية بحق المتورطين.
ووزارة الداخلية إذ تعلن ذلك، فإنها تُحذر من كل ما من شأنه المساس بالنظام العام، وتؤكد أن الجهات الأمنية تقف بحزم أمام كل من يحاول النيل من اللحمة الوطنية بإثارة النعرات القبلية المقيتة، وأن الجزاء الرادع سوف يكون مصيره.” المفارقة أن المجال العام مكرس ومكثف في الدعاية السياسية حول الأسرة الحاكمة وهو خطاب وحملات استعلائية تبرز فكرة جوهرية أن هذه الأسرة هي صمام الأمان، ويتم صناعة محتوى لا نهائي له حول ماثر هذه الأسرة والذي هو في جوهره خطاب قبلي، تسمح السلطة لنفسها باستخدامه لكنها تجرم أي خطابات موازية للفخر بالقبيلة أو الانحياز لها. فهذا التخبط هو مؤشر أن الدولة تفتقد البوصلة الحقيقية، فهي ليست دولة حقوق ولا دساتير يتم معاملة الجميع بمساواة وبالعدل. وفي ذات السياق نرى الحكومة السعودية متمثلة في فترة محمد بن سلمان ووالده، أنها تلجأ إلى إثارة النعرات القبلية وقت الأزمات، وهذا حدث بوضوح في أزمة العلاقة مع قطر، حيث حاولت تجييش القبائل التي تقع في مناطق حدودية، حيث هذه القبائل لها امتداد يتجاوز الحدود السياسية، لهذا حاولت أن تستخدم ورقة القبائل في تأليبها على الحكومة القطرية. تتابع إشكاليات النظام السعودي مع القبيلة لا تنتهي، لكن المفارقة تكشف صياغة البيان عن وظيفة تتجاوز ظاهرها المعلن. فاللجوء إلى مفاهيم فضفاضة مثل “الوحدة الوطنية” و “السلم المجتمعي” يمنح الجهات الأمنية هامشاً تقديرياً واسعاً، إذ يغيب أي تعريف منضبط لما يُعد “تعصباً قبلياً”، ما يتيح توسيع دائرة التجريم لتطال خطابات لا تمثل بالضرورة تهديداً فعلياً. هذا البيان كما ذكرنا يكشف أزمة سلطوية تعيشها الملكية، فهي لديها قلق مستمر في موازنة الانتماءات، فمن جهة تريد الحفاظ على هيكلية القبيلة لأجل السيطرة، ومن جهة أخرى تذويب الانتماء، وجله موجه لهرم السلطة وليس للوطن. أما العقوبات المشددة، من السجن والغرامات الباهظة، فتؤدي وظيفة ردعية تتجاوز المخالفين المباشرين إلى عموم المجتمع، فهي تعزز مناخاً من الرقابة الذاتية والقلق من الوقوع في مخالفة. وبهذا المعنى، يمكننا أن نقرأ البيان بوصفه أداة لإعادة إنتاج الطاعة وضبط الفضاء العام تحت غطاء حماية النسيج الاجتماعي.

أزمة البطالة وقضية فيصل المطيري

في الشهر الماضي، تحوّل اسم شاب سعودي يُدعى فيصل المطيري إلى عنوان لسجال واسع على منصات التواصل، بعد منشور على منصة لينكدإن قيل إنه نشره انطلاقاً من عمله داخل مشروع القدية، أحد المشاريع الكبرى المرتبطة برؤية ٢٠٣٠. تحدّث المطيري عمّا وصفه بـالواسطة والمحسوبية داخل المشروع، وادّعى وجود تفضيل للموظفين الأجانب في المناصب القيادية والإدارية على حساب الكفاءات السعودية، رغم الخطاب الرسمي المتكرر حول التوطين وسعودة الوظائف. وبحسب ما تداولته منصات التواصل، تضمّن المنشور حديثاً عن رواتب ومزايا ضخمة تُمنح لبعض الأجانب وخصوصاً الأوربيين والأمريكان، وما اعتبره تناقضاً في تطبيق سياسات السعودة داخل أحد أبرز مشاريع الرؤية. وما لبث أن اختفى من الفضاء العام وحُذف حسابه على منصة لينكدإن بعد أيام من نشره المنشور. في حالة المطيري الذي لم يكن في الأساس شخصية حقيقة، بل شخص يدعي أنه ينتمي لمؤسسة تعمل في أحد مشاريع روية ٢٠٣٠، لذلك اكتسبت قضيته رمزيتها لأنها لامست ازمة اجتماعية واقتصادية حقيقية: الفجوة بين خطاب التوطين والواقع الذي يعيشه آلاف الباحثين عن عمل.

تشير الأرقام الرسمية إلى وجود أزمة واقعية اقتصادية في ملف البطالة؛ إذ أعلنت الهيئة العامة للإحصاء أن معدل البطالة بين السعوديين ارتفع إلى ٧.٥٪ في الربع الثالث من ٢٠٢٥، وهو الأعلى منذ الربع الثالث ٢٠٢٤، قبل أن يتراجع طفيفاً إلى ٧.٢٪ بنهاية العام، فيما تبقى بطالة الشباب ١٥- ٢٤ في مستويات أعلى بكثير، إذ بلغت نحو ٢٠.٦٪ في الربع الأول من ٢٠٢٥. وعلى الرغم أن هذه الإحصائيات رسمية، لكنها غير موثوقة لافتقارها للشفافية وأيضاً الواقعية، فالملاحظ أن معدلات البطالة أكبر من هذه الأرقام، وأيضاً التصنيف الخادع من قبل وزارة العمل على تعريف من هو العاطل؟ للأسف أن الدولة تتجاهل هذه الأزمة التي تكبر كل يوم، وهي غير مكترثة بإيجاد حلول واقعية وجذرية لها على أمل أنها قادرة على السيطرة على المجال العام، وأن العاطلين سوف يُجبرون في نهاية المطاف على العمل في مجالات محدودة تتيحها الدولة وبرواتب محدودة، وأن هذا الخيار لا بأس فيه من وجهة نظرها.

للأسف أن ردة الفعل الرسمية كانت التجاهل أو محاولة التقليل من أثرها من خلال فتح ملفات أخرى،  لهذا هي تنهج طريقة إسكات والسيطرة على المحتوى لا معالجة مضمونة. وهذا النمط ليس استثناءً؛ فهو الوجه الآخر لغياب القنوات المؤسسية التي تتيح للمواطن أن يسائل دون أن يخاطر، إذ لا برلمان منتخب يحقق في سياسات التوظيف داخل المشاريع الممولة من المال العام، ولا جهة رقابية مستقلة تنشر بيانات شفافة عن نسب التوطين الفعلية في هذه الكيانات، ولا صحافة حرة تتابع. وفي غياب هذه القنوات، تبقى شبكات التواصل الاجتماعي هي المتنفّس الوحيد، وحينها يُعد إسكات الأصوات وقمعها أيسر من الإجابة على الأسئلة والتفاعل الإيجابي مع الظواهر الاجتماعية سواء كانت اقتصادية أم سياسية.

 قراءة في تقرير فاينانشيال تايمز عن كبح الشكاوى من توظيف الأجانب

عنوان التقرير (السعودية تكبت الشكاوى بشأن وظائف الأجانب) يحمل مفتاح قراءته: الفعل الرسمي مُوجَّه نحو التعبير عن المشكلة لا نحو المشكلة نفسها. فبحسب فاينانشيال تايمز، أطلقت السلطات حملةً ضد مواطنين يشتكون على وسائل التواصل من البطالة ومن توظيف أجانب في مناصب عليا بشركة مملوكة للدولة، وأعلنت هيئة تنظيم الإعلام أنها استدعت ٤٩ شخصاً للتحقيق بزعم ارتكابهم ٦٨ مخالفة. والوقائع التي فجّرت الأزمة محددة: منشورات على لينكدإن من حساب زعم أن وافدين غربيين غير مؤهلين يهيمنون على إدارات حسّاسة في القدية، أحد المشاريع الكبرى المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، وقد انتشرت لقطاتها على منصات أخرى وأثارت غضب مستخدمين قالوا إنها تطابق تجاربهم. الانزياح الجوهري هنا هو في موضع المعالجة: من السبب إلى الشكوى منه، وهو انزياح ينطق به الخطاب الرسمي نفسه، فوزير الإعلام سلمان الدوسري — وهو أيضاً رئيس هيئة تنظيم الإعلام — قال إن الحكومة ترحّب بـ”النقد الموضوعي” لكنها استدعت من انخرطوا في “التأجيج والتضليل”؛ والإشكال أن الحدّ الفاصل بين المباح والمُجرَّم تحدّده الجهة ذاتها التي يُوجَّه إليها النقد. ويضع التقرير هذا في سياقه الاقتصادي بدقة: فرغم أن بطالة السعوديين بلغت٧.٢٪ بنهاية العام الماضي، فإن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أطلقت قلقاً متجدداً بشأن فرص العمل، في وقتٍ كانت الحكومة تؤجّل فيه مشاريع بفعل ضيق السيولة واتساع العجز، حتى إن ١٣ ألف شخص سجّلوا في معرض وظيفي بتبوك في غضون أيام. هكذا تكتمل الحلقة: تأجيل المشاريع يضغط على التوظيف، وتراجع التوظيف يُنتج تذمّراً، والتذمّر يُواجَه بالاستدعاء بدل المعالجة.

أمّا الوظيفة السياسية لاستهداف هذا الخطاب تحديداً فالتقطها الأكاديمي أندرو ليبر بدقة: فالسلطات قلقة جداً من أن تبدو عاجزة عن توفير وظائف، فبلغت نقطةً بات يلزمها فيها قمع هذا الخطاب لمنع انتشاره، والأجانب يوفّرون متنفّساً سهلاً لهذه الشكاوى، لأنك لا تهاجم قيادة البلاد، بل في أسوأ الأحوال تهاجم مسؤولين منحوا الفرص لغير المواطنين. أي أن السلطة تسمح للغضب أن يتوجّه نحو الوافدين لأنه أقل خطراً عليها، لكنها تقمعه حين يقترب من السؤال المحظور: مَن المسؤول عن السياسات التي أتت بهم؟ ويتكشّف منطق التبرير الرسمي حين يلمّح مسؤولون إلى أن بعض النقاش نتاج حسابات وهمية تهدف لإثارة السخط، وهو ما فكّكته جيليان يورك من مؤسسة الحدود الإلكترونية: لا يهمّ إن كانت المنشورات الأولى مدبّرة، لأن لهؤلاء الناس الحقّ في هذه المظالم المشروعة؛ فنظرية المؤامرة الخارجية تُعفي السلطة من قراءة السخط الداخلي بوصفه إشارةً صادقة.

وحين تُجمَع هذه النقاط تتبدّى الخلاصة البنيوية. اللافت أن التقرير يورد رقماً يدين الرواية الرسمية من داخلها: فمصدر قريب من القدية يقرّ بأن نسبة السعوديين بين موظفيها لا تتجاوز ٤٠٪ حالياً، وتطمح الشركة لرفعها إلى ٥٠٪ العام المقبل ٧٠٪ بحلول ٢٠٣٠. أي أن جوهر الشكوى — هيمنة غير السعوديين على مشروع وطني ممول من المال العام — صحيحٌ رقمياً بإقرار الشركة نفسها، ومع ذلك يُحاكَم من عبّر عنه لا من تسبّب فيه. وهنا تكتمل صورة منطق الدولة التسلطية: في غياب القنوات المؤسسية — لا برلمان منتخب يناقش سياسات التوطين، ولا نقابات تمثّل الباحثين عن عمل، ولا صحافة محلية حرة تتقصّى الأرقام — يبقى الفضاء الرقمي المتنفّس الوحيد كما ذكرنا في النقاط السابقة. وقد سبق أن مارست الهيئة حملة مماثلة تضمّنت اعتقالات أواخر العام الماضي إثر شكاوى واسعة من غلاء المعيشة، ما يؤكد أن ما نراه نمطٌ أصيل وجوهري يتكرر كل مرة يحدث فيها نقد للسلطة أو نتائج ممارساتها العبثية في الاقتصاد والسياسة والمجتمع.

بيان المرئي والمسموع “تنظيم الإعلام” وإحالة ٤٩ شخصاً

في شهر مايو، أعلنت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام أنها باشرت اتخاذ الإجراءات النظامية بحق ٤٩ شخصاً نظير ارتكابهم ٦٨ مخالفة من خلال حساباتهم في عدد من منصات التواصل الاجتماعي، وأنها أحالتهم إلى لجان النظر في المخالفات الإعلامية. وبررت الهيئة ذلك بأن المحتوى المرصود يخالف الفقرة (١٢) من المادة الخامسة من نظام الإعلام المرئي والمسموع، التي تنص على منع نشر ما من شأنه الإخلال بالنظام العام أو الأمن الوطني أو مقتضيات المصلحة العامة. ويأتي هذا الإجراء بعد أيام من تأكيد الهيئة نفسها أن أي محتوى يتضمن تعصباً قبلياً أو قدحاً في الأنساب، بشكل مباشر أو غير مباشر، يُعد مخالفة صريحة للنظام ذاته. اللافت في البيان ليس العدد، بل المنطق الذي تستند له الهيئة، فالأساس القانوني المُستند إليه — “الإخلال بالنظام العام ومقتضيات المصلحة العامة” — هو من أشد النصوص مرونةً واتساعاً في المنظومة التشريعية، إذ لا يحدّ من تأويله سقفٌ واضح، ولا يربطه بضرر محدد قابل للقياس. وللأسف أن مؤسسات الدولة تلوي مصطلحات المصلحة العامة وضبط النظام وفق مزاجها وليس وفق دستور أو قوانين واضحة وتكون موجهة للصالح العام. لهذا فالجهد المبذول لهذه الهيئة ليس بالضرورة إيجابي فهي تريد إحكام الهيمنة على المحتوى الذي لا يتناسب مع اتجاهات السلطة، هناك العديد من المحتوى المبتذل والسافر والمنحط لكن الهيئة لا تتحرك ولا تقدم أي معالجات واقعية للحد منه، لكنها تتحرك عندما يتشكل شيء من النقد العام للسلطة، فهي هنا تستخدم فزاعة الإخلالبالنظام العام، وهي عبارة تتكرر في سجلات المحاكم طوال عقود من الزمن وتفسيرها يتم تكييفه حسب مزاج السلطة وفي الغالب يكون تعسفي وغير عادل.

لهذا عندما نقرأ هذا البيان في سياقه الأوسع — متزامناً مع بيان وزارة الداخلية حول التعصب القبلي، وتوضيحات النيابة العامة عن العقوبات — يتبدى نمط أعمق من حادثة منفردة: حملة منسّقة عبر أكثر من جهة لتضييق هامش التعبير الرقمي في شبكات التواصل الاجتماعي بوصفها المساحة والهامش المتاح بكل ما فيه من مخاطر. فالرسالة الموجهة إلى الجمهور لا تخص التسع والأربعون شخص وحدهم، بل تتجاوزهم إلى كل مستخدم: إن كلفة الكلام قد تكون الاستدعاء والإحالة، وإن حدود المسموح يرسمها الغموض لا الوضوح، لهذا يبقى الجميع في حالة من الهلع والخوف والرقابة الذاتية ثم الخروج من كل هذه الشبكات والانزواء والبعد عن الاكتراث بما يحدث في المجال العام تجنباً لتكاليف القمع. وهذه الوظيفة الردعية الموجهة للعموم هي جوهر الأداة؛ إذ يكفي أن يدرك المستخدم أن المعيار غامض وأن العقوبة واردة، حتى يمارس رقابةً ذاتية تُغني السلطة عن ملاحقة الجميع، لأن السلطة تعلم أن نشر مثل هذه الاخبار يؤدي دور ضبطي نفسي وذهني ومؤثر بشكل حقيقي في المزاج العام لهذا هي تلجأ من فترة إلى أخرى في نشر مثل هذه الأخبار والإعلانات لأجل إحكام الضبط العام وإيهام الجميع أن السلطة سوف تلاحق كل من يحاول أن يتفاعل في شبكات التواصل الاجتماعي وأن هذا التفاعل قد يُعد إخلال بالمجال العام.

أرامكو تبيع مقارّها لتستأجرها: قراءة في صفقة ال١٠ مليارات

نقلت وكالة بلومبيرغ في ١٣ مايو أن شركة أرامكو تدرس خططاً لجمع مليارات الدولارات من أصولها العقارية، بما في ذلك المجمّع الذي يضم مقرها الرئيسي في المنطقة الشرقية، وأنها أجرت محادثات في مرحلة مبكرة وتتطلع إلى جمع ما لا يقل عن ١٠ مليارات دولار. والصيغة المطروحة هي ما يُعرف بـ”البيع مع إعادة الاستئجار” (sale-leaseback)، التي تتيح للشركة تحرير رأس المال مع احتفاظها بحق استخدام أصولها العقارية، وقد يشمل المجمّع السكني في الظهران، وهو مجتمع شاسع يقطنه آلاف الموظفين. ولو أُبرمت، فإنها ستُعد من أكبر الصفقات منذ تأسيس أرامكو.

ظاهر الصفقة هندسة مالية اعتيادية تمارسها كبرى الشركات حول العالم. لكن قراءتها في السياق الاقتصادي السعودي المتخبط تكشف ما هو أبعد. فالبيع مع إعادة الاستئجار يعني، في جوهره، تحويل أصلٍ مملوك إلى التزام إيجاري طويل الأجل: تحصل الشركة على سيولة فورية اليوم مقابل تدفقٍ من المدفوعات تتحمله لعقود قادمة. هو إذن استبدال ملكية دائمة بدَينٍ مُقنَّع في صورة إيجار. والسؤال الذي لا يطرحه البيان: لماذا تحتاج أكبر شركة نفط في العالم، وأحد أكثر الكيانات ربحيةً على الأرض، إلى تسييل مقارّها ومساكن موظفيها لتدبير السيولة؟ الإجابة تكمن فيما لم يُذكر صراحةً: الضغط على التدفقات النقدية وتمويل الخزانة السعودية التي تعاني منذ فترة في عجز مالي ضخم. فالشركة حافظت على توزيعاتها عند ٢١.٩ مليار دولار في الربع الأول، وهو مستوى تجاوز التدفقات النقدية الحرة البالغة ١٨.٦ مليار دولار في الفترة نفسها. أي أن أرامكو توزّع على مساهميها أكثر مما تولّده فعلياً من نقد حر.

وحين يكون المساهم الأكبر هو الدولة السعودية نفسها، تتضح الصورة الكلية. فهذه الصفقة ليست قراراً تجارياً معزولاً، بل حلقة في سلسلة أوسع؛ إذ تشير التقارير إلى أن أرامكو تسعى إلى جمع ما يصل إلى ٣٥ مليار دولار عبر فتح أصولها غير الأساسية أمام المستثمرين من خلال صفقات بيع وإعادة استئجار وبيع حصص أقلية، في خطوةٍ مصممة صراحةً لدعم العوائد النقدية المستمرة لمساهمها الأساسي — الحكومة السعودية — وسط توترات جيوسياسية إقليمية. بعبارة أخرى، تُستنزف الميزانية العمومية لشركة وطنية لتغذية إنفاق دولة تواجه فاتورةً متصاعدة لمشاريع “الرؤية” التي ثبت فشلها واحد بعد آخر فضلاً عن زيادة الأعباءَ الإقليمية المتزايدة مثل الحرب وتأثيرها على انتكاسة سوق النفط. للأسف أن هذا كله يجري في غياب المساءلة المؤسسية ذاتها التي تطبع إدارة المال العام في المملكة: لا جهة تشريعية منتخبة تسأل عن جدوى هذه الخطوة، وبيع جوهرة الاقتصاد المحلي وأهم أصوله الاستراتيجية، ولا نقاش عام شفاف حول كلفة استبدال الملكية بالإيجار على المدى الطويل. تُتخذ القرارات الكبرى في دائرة ضيقة، وتُقدَّم للرأي العام بوصفها “إدارة رأسمالية منضبطة”، بينما جوهرها أن أصلاً مملوكاً اليوم يصبح عبئاً إيجارياً على الأجيال القادمة، خدمةً لحاجة سيولةٍ آنية. أيضا هذه الخطوة ليست جديدة بل هو نهج يتبناه محمد بن سلمان منذ فترة، ففي كل فترة تكون هناك أزمات مالية يلجأ إلى الطرق الأسهل لجلب أموال (كاش) عبر عدة طرق: بيع مؤسسات تملكها الدولة، التخلص من كيانات إدارية وبيروقراطية من خلال خصخصتها والتخلص من الإنفاق عليها. ولهذا نجد المشاريع التي تتبناها الدولة وهي غير ربحية تجد الدولة وسيلة لتمويلها، في حين أن البنية الأساسية للمجتمع والدولة من مؤسسات مثل التعليم والصحة والبنية التحتية لا تجد الاهتمام ولا الانفاق الكافي. لهذا نجد أن كل محاولات بيع أجزاء من اقتصاد أرامكو ليس للصالح العام، السؤال أين تذهب كل هذه الأموال؟ فنحن في التقرير الشهري على مدار عامين قمنا بتغطية العديد من إشكاليات تعامل السلطة النفعي مع القطاعات الحكومية في بيعها عند الحاجة للبحث عن تمويل، وهذا سوف يستمر، على الرغم من كارثية المنهجية المتبعة.

 

تسليم النائب الكويتي وليد الطبطبائي: التنسيق الأمني الخليجي لملاحقة الأصوات

في ١٢ مايو الجاري، أعلنت وزارة الداخلية الكويتية تسلّمها النائب السابق وليد الطبطبائي بعد توقيفه على الأراضي السعودية وتسليمه رسمياً، وقالت في بيانها إن المتهم سُلِّم إلى الجهات الكويتية لاستكمال المدة المتبقية من محكوميته، مؤكدة أن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء. ورافق البيان فيديو مدته نحو ٩٣ ثانية يُظهر عملية أمنية ليلية بمشاركة سيارات سوداء وفرق أمنية مجهزة تكتيكياً، مع تصوير المتهم أثناء النزول من السيارة وإجراء البصمات. ومن جانبها، أعربت الداخلية الكويتية عن شكرها لوزارة الداخلية السعودية لسرعة الاستجابة في ضبط وتسليم المطلوب، معتبرةً أن هذا التعاون يجسد الشراكة الأمنية الراسخة بين البلدين. الإخراج المرئي الذي تم تدشين القصة من خلاله يعطي انعكاس عن هوية الدولة البوليسية، فهي تركت كل مشكلات الدولة وتفرغت تلاحق من تراه خصم سياسي، لهذا نجد أن الخطاب الرسمي يقدّم الواقعة بوصفها إنفاذاً للقانون: هاربٌ من حكمٍ قضائي أُعيد إلى السجن. الدولة هنا لا تكتفي بتنفيذ الحكم، بل تُنتِج صورةً للقوة التي تحاول أن تثبتها وهي موجهة إلى جمهور أوسع من المتهم نفسه. هذا الاعتقال هو تفعيل للاتفاقية الأمنية التي تم توقيعها عام ٢٠١٤ بين دول الخليج، وهو قطعاً أحد انعكاسات الربيع العربي في التكتل لمزيد من القمع عبر التنسيق الأمني.

 والمفارقة أن إبراز هذا “الحزم” في قضية تتعلق بشخصية سياسية معارضة يكشف ما تسعى الصورة إلى إخفائه: وهو أن الرسالة الحقيقية ليست عن سيادة القانون، بل عن كلفة معارضة السلطة، حتى لو كان الشخص يتمتع بتاريخ وطني وعضو بارز في برلمان رسمي وظيفته الأساسية تمثيل المجتمع ونقل أصواتهم إلى البرلمان، لكن السلطة القمعية التي أغلقت مجلس الشعب تسير اليوم إلى ملاحقة بعض النواب لأجل إتمام إحكام المشهد الخليجي البائس. أما البعد الذي تتجنبه الرواية الرسمية تماماً فهو طبيعة القضايا التي أُدين بها الطبطبائي أصلاً؛ فليس هناك جناية وجريمة قام بها النائب المعتقل، لكن هو هواء السلطة القمعية في أحكام عملية كاملة للاغتيال المعنوي للشخص، فهي ليس لديها سبب حقيقي لاعتقال الشخص إلا لسبب وحيد أنه ليس على مزاج السلطة.

وحين تُقرأ الواقعة في سياقها الإقليمي، يتبدى نمطٌ أعمق من حادثة عابرة. فما يُسوَّق بوصفه “شراكة أمنية راسخة” بين دول الخليج هو، من زاوية نقدية، توسع قمعي عابر للحدود إلى فضاء مغلق أمام المعارضين: لم يعد عبور الحدود مخرجاً، إذ تتكامل الأجهزة الأمنية في ملاحقة من تصنّفهم خطراً على السلطة. وتستحضر منظمة سند في هذا الإطار قضية الناشط الحقوقي السعودي محمد العتيبي، الذي اعتقلته السلطات القطرية في مايو ٢٠١٧ قبل تسليمه إلى السلطات السعودية، ولا يزال رهن الاعتقال. والقاسم المشترك بين الحالتين أن “التعاون” المُحتفى به رسمياً يعمل، في وجهه الآخر، أداةً لإغلاق منافذ النجاة أمام أصحاب الرأي.

 باكستان تعزز تواجدها العسكري في السعودية

في ١٨ مايو الجاري، كشفت وكالة رويترز عن الحجم الكامل لانتشار عسكري باكستاني في السعودية، إذ أفادت بأن باكستان أرسلت سرباً من المقاتلات ومنظومة دفاع جوي ونحو ٨٠٠٠ جندي إلى السعودية وفاءً باتفاقية دفاع مشترك، خلال الحرب مع إيران. وبحسب الوكالة، أكّد الانتشار ثلاثة مسؤولين أمنيين ومصدران حكوميان، ووصفوه جميعاً بأنه قوة قتالية كبيرة تهدف إلى دعم الجيش السعودي إذا تعرّضت المملكة لهجوم جديد. وتفصيلاً، تتألف القوة من نحو ١٦ مقاتلة من طراز JF-17 المصنوعة بالاشتراك مع الصين، وسربين من المسيّرات، ومنظومة دفاع جوي صينية من طراز HQ-9. والنقطة الجوهرية التي لا ينبغي أن تمرّ: المعدات يشغّلها أفراد باكستانيون، فيما تتولى السعودية تمويل الانتشار.

ظاهر الخبر تضامنٌ بين دولتين “شقيقتين”، لكن بنيته الاقتصادية–العسكرية تكشف معادلة أعمق: المملكة تموّل، وباكستان تشغّل، والسلاح صيني الصنع. أي أن ما يُقدَّم بوصفه “حماية للمملكة” وهو مؤشر على فشل السعودية المتراكم في بناء منظومة دفاع أمنية، فخلال طفرات النفط منذ السبعينيات ومع العقود الكبرى لم تستطع أن تأسس بنية دفاعية وطنية، فهي بحق لا تثق بالمواطن، ولهذا هي تحاول أن تجد بدائل من خلال الشراكات العسكرية مع دول متنوعة، ففي هذه المرة تحاول أن تعزز أمنها من خلال شراكة هي موجودة سابقاً مع الحكومة الباكستانية. وهنا يبرز السؤال الذي يتجنبه الخطاب الرسمي: لماذا تحتاج دولة أنفقت مئات المليارات على التسلّح طوال عقود — وتُصنَّف من كبار مستوردي السلاح في العالم — إلى استقدام طيّارين وأطقم أجنبية لتشغيل منظوماتها الدفاعية لحظة الجدّ؟ الإجابة تلامس عطباً أساسياً: وهو أن الإنفاق العسكري الضخم لم يُترجَم إلى قدرة وطنية ذاتية قادرة على الردع، بل ظلّ استهلاكاً للعتاد دون بناءٍ حقيقي للكفاءة البشرية والصناعية وأيضاً هو جزء من الاتفاقيات غير المعلنة التي تلزم السعودية بتوزيع جزء من أرباح النفط في شكل صفقات سواء كانت أسلحة أم تقنية كما هو مع الجانب الأمريكي والبريطاني.

فالاتفاقية، بحسب المصادر، تتيح لباكستان نشر ما يصل إلى ٨٠ ألف جندي لتأمين الحدود السعودية إذا اقتضى الأمر، بل إن وزير الدفاع الباكستاني لمّح سابقاً إلى أنها تضع السعودية تحت المظلة النووية الباكستانية. ربط أمن دولة بترسانة دولة أخرى وقرارها السيادي يعني أن جزءاً من معادلة الردع لم يعد بيد الرياض وحدها وهذا انتهاك صارخ للسيادة. وفوق ذلك، تُعقد هذه الترتيبات المصيرية في الظل: دون معرفة الشعب للشروط الكاملة للاتفاقيات السرّية، ولم تعلّق الجهات الرسمية في البلدين على الانتشار حينما ظهر الخبر في الإعلام. للأسف أن القرارات الكبرى التي تمس الأمن الوطني والمال العام والمصير الاستراتيجي، تُتّخذ في دائرة ضيقة، بلا برلمان منتخب يناقش كلفتها، ولا إفصاح عن التزاماتها، ولا نقاش عام حول ما إذا كان “استئجار” القوة بديلاً مستداماً عن بنائها وهذا جوهر النظام التسلطي، فالأمير والملك هو صاحب الكلمة الأولى وليس الشعب.

قضية خاشقجي تعود من باريس: قاض فرنسي يفتح تحقيقا في شكوى ضد ولي العهد السعودي بشأن قضية خاشقجي

في ١٦ مايو، أعلن مكتب الادّعاء الوطني لمكافحة الإرهاب في فرنسا أن قاضي فرنسياً سينظر في شكوى تقدّمت بها منظمتان حقوقيتانتتّهمان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالتورّط في قتل الصحفي جمال خاشقجي، حيث قتل خاشقجي في أكتوبر من عام ٢٠١٨. وجاء القرار بعدما أن قضت محكمة الاستئناف في باريس في ١١ مايو بأن الشكوى التي تقدّمت بها منظمتا Trial International ومراسلون بلا حدود — وتتّهمان ولي العهد بالضلوع في التعذيب والإخفاء القسري — يمكن أن تمضي إلى التحقيق. وأُحيلت القضية إلى وحدة الجرائم ضد الإنسانية في الادّعاء الوطني، حيث يقرّر قاضي التحقيق ما إذا كانت الأدلة كافية لتوجيه اتهامات. والأساس القانوني الذي أتاح ذلك دقيق: رأت المحكمة أنه لا يمكن استبعاد أن يرقى القتل إلى مرتبة الجرائم ضد الإنسانية، ضمن إطار الولاية القضائية العالمية الفرنسية. اللافت في هذا التطور أنه يكشف فجوةً جوهرية بين مسارين: مسار سياسي طوى الملف، ومسار قضائي يرفض أن يُطوى. فالعواصم الغربية، وفرنسا في طليعتها، أعادت تأهيل ولي العهد دبلوماسياً خلال السنوات الماضية؛ والشكوى ذاتها قُدّمت أصلاً عام ٢٠٢٢ أثناء زيارة لولي العهد إلى فرنسا أثارت انتقادات لاتهام حكومات غربية بإعادة تلميع صورته رغم الأسئلة المعلّقة حول مقتل خاشقجي. وهنا تكمن المفارقة: حين تلعب المصالح الاقتصادية والاستراتيجية على المساءلة السياسية، يبقى القضاء حين يتمتع باستقلال حقيقي وأدوات كالولاية العالمية، القناةَ الوحيدة التي قد تُبقي الملف حيّاً، بالإضافة إلى جهود المنظمات المدنية التي تكافح لجلب العدالة وتسليط الضوء على القضايا العدلية في عالم يرزح تحت الظلم. وهذا التمييز جوهري حيث ما يجري ليس إدانة، بل فتح باب التحقيق؛ إذ تشدّد التحليلات القانونية على أن هذا ليس حكماً بالإدانة، بل بوابة قضائية تتيح للسلطات الفرنسية بدء التحقيق في الادعاءات، ومهمة القاضي تقصّي ما إذا كانت الأدلة كافية للمضي، وتحديد المشتبه بهم المحتملين، وكيفية انطباق القانون الفرنسي على الوقائع، وربما ورقة ضغط سياسي لكنها مغلفة بشكل قانوني.

والبُعد الأعمق الذي يضعه هذا الملف أمام السلطة السعودية يتجاوز خاشقجي إلى منظومة كاملة. فالقضية تتعلق صراحةً بتهمتَي التعذيب والإخفاء القسري — وهما الأداتان اللتان توثّق منظمات حقوقية استخدامهما المتكرر بحقّ المعارضين والناشطين السعوديين، كما رأينا في ملفات أخرى ضمن هذا التقرير. ومحاولة الرياض الدائمة احتواء الأثر تتجلّى في الموقف الرسمي الذي يصف هذه الملاحقات بأنها هجمات ذات دوافع سياسية تستهدف إضعاف صعود المملكة — وهو المنطق نفسه الذي يحوّل كل مساءلة خارجية إلى “مؤامرة”، تماماً كما يُحوَّل كل نقد داخلي إلى “تأجيل وتضليل”. أمّا الإقرار الأكثر دلالةً فهو أن ولي العهد، وإن نفى إصداره الأمر بالقتل، أقرّ بأن القتل جرى “تحت سلطته” بوصفه رئيس الدولة فعلياً ومسؤول عن ٣٠ مليون مواطن؛ وهذا الاعتراف بالمسؤولية القيادية، حتى مع نفي الأمر المباشر، هو لبّ ما يجعل الملف عصيّاً على الإغلاق، والأهم أن الجريمة لا تنتهي بالتقادم، وسوف يظل ملف اغتيال جمال أزمة حاضر ولن يغلق لعدة أسباب، أهمها أنه لم تخرج نتائج تحقيق شفافة حول الجريمة البشعة، ثانياً أنه الجريمة حدثت بسبب حرية التعبير والكلمة، الثالث أن حالة جمال هي تمثل حالة العديد من ضحايا القمع العابر للحدود وأن التغافل عن سلوك فاعلي الجريمة هو محفز لأخرين بالسعي لجرائم مماثلة مع ضمان عدم المساس بهم بل إعادة تأهيلهم للمشهد كما حدث مع محمد بن سلمان.

القمعُ العابر للحدود: قرار النيابة بحجب حسابات المعارضين عبر منصات أمريكية

في منتصف مايو، كشفت غرفة الأخبار أن السلطات السعودية صعّدت تضييقها الرقمي إلى خارج حدودها، عبر الضغط على منصات تواصل أمريكية لتقييد حسابات معارضين سعوديين، كثيرٌ منهم يقيمون خارج المملكة. واللافت أن آلية الإخطار التي اعتمدتها منصة “إكس” هي ما كشف الغطاء القضائي للإجراء؛ إذ أفادت تقارير بأن البريد الإلكتروني الموجَّه للمستخدمين تضمّن وثيقة رسمية سعودية صادرة عن النيابة العامة تحت عنوان “قرار رقم (5)”، ما يشير إلى وجود غطاء قضائي رسمي للإجراءات المتخذة بحقّ الحسابات المعارضة. وبحسب وثيقة منسوبة إلى النيابة، فإن القرار يقضي بحجب نحو عشرة حسابات على منصة “إكس” داخل السعودية خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، بشكل نهائي وغير قابل للتظلّم.

النقطة الجوهرية هنا أن القمع لم يعد محصوراً في الجغرافيا الوطنية، بل صار يُصدَّر عبر أدوات الشركات العالمية نفسها. فالملف لا يخصّ “إكس” وحدها: أخطرت “ميتا” مستخدمين بأن محتواهم حُجب بسبب “متطلب قانوني محلي أو طلب حكومي”، فيما أبطأ تطبيق “سناب شات” أو أزال حسابات داخل السعودية من دون إبلاغ أصحابها بأي تغيير. وعبارة “المتطلب القانوني المحلي” هي بالضبط موضع الإشكال: فهي صياغة محايدة في شكلها الظاهر، لكنها تتحول إلى غطاء حين يكون “القانون المحلي” ذاته أداةً لتجريم المعارضة السلمية. وهذا ما التقطه البيان الحقوقي بدقة، إذ رأى أن حجب هذه الحسابات لا يحمي السلامة العامة بل يعكس قوة سلطوية من خلال التراسل مع منصات إلكترونية وصياغة عبارات فضفاضة كـ”المتطلبات القانونية” لتبرير حجب هذه الحسابات.

والبُعد الأعمق أن هذا النمط يضع شركات التكنولوجيا العالمية في موقع المنفّذ لإرادة سلطة قمعية، وهي تقوم بحجب حسابات الناشطين نيابةً عن الحكومة التي لها سجل موثّق في إسكات المعارضين يجعل الشركة أداةً للقمع فضلاً عن أن هذه المؤسسات تعود لشخصيات لا يمتون للعدالة بشيء، فهذه المنصات تسعى بشكل دائم إلى السيطرة على المحتوى العام بما يتوافق مع سياستها وسياسات مصالح شركائها، فموقع اكس ليس لديه أي إشكال في حجب هذه الحسابات، لكنه على الأقل يسعى لتقنينه بشكل مفبرك.

إلغاء السعودية عقود بعض شركات الاستشارات الأمريكية

في ٢١ مايو، كشفت فاينانشيال تايمز أن السعودية أوقفت إصدار عقود جديدة لشركات الاستشارات الغربية العاملة في المملكة، وأجّلت بعض المدفوعات، في خضمّ إدارتها لعجزٍ متّسع وتداعيات الحرب مع إيران. وبحسب تنفيذيين في القطاع، فإن الرياض اتخذت القرار بعد اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، التي هدّدت عائدات النفط واستهدفت فيها طهران جيران المملكة العرب بالمسيّرات والصواريخ. والصيغة العملية للقرار صريحة على لسان أحدهم: “لم يصدروه رسمياً، لكن الجميع يعلم ويعمل على هذا الأساس: يقولون لن ندفع لكم قريباً حتى يوليو، ولا تُعتمد أي إحالات جديدة من وزارة المالية إلا بموافقة مسبقة خاصة.

النقطة الأولى أن هذا القرار اعتراف ضمني بضغطٍ مالي يتجاوز ما يُعلَن. فالأرقام الرسمية ذاتها تنطق بحجم الأزمة: اتّسع العجز المالي إلى ١٢٥.٧ مليار ريال (٣٣.٥مليار دولار) في الربع الأول، وهو الأعلى منذ ٢٠١٨، فيما ارتفع الإنفاق الدفاعي بنسبة ٢٦٪ . ودلالة هذا التزامن جوهرية: عجزٌ عند أعلى مستوياته منذ سبع سنوات، مقابل قفزةٍ في الإنفاق العسكري — وهو ما يربط هذا الملف مباشرةً بملف الانتشار العسكري الباكستاني الذي تناولناه، إذ تتقاطع كلفة “استئجار” الردع مع ضغط الموازنة. واللافت أن الرياض، رغم أنها استفادت من قدرتها على تحويل نحو ثلثَي صادراتها النفطية من الخليج إلى ساحلها على البحر الأحمر، ومن ارتفاع أسعار النفط العالمية، لا تزال تواجه عجزاً يدفعها لكبح الإنفاق.

النقطة الثانية، وهي الأكثر دلالةً على نمط الخطاب الرسمي، تكمن في التباين بين روايتين. فبينما يؤكد التنفيذيون تأجيل المدفوعات، نفت وزارة المالية ذلك، قائلةً إن ٩٩.٥٪ من الفواتير في ٢٠٢٦ سُدّدت ضمن المهلة التعاقدية، وإن حجم العجز انعكاسٌ لتأخّر التدفق النقدي ولإنفاق حكومي لتخفيف أثر حرب إيران. هذا التباين ليس تفصيلاً تقنياً، بل يكشف منهجاً في إدارة الصورة: الإقرار بالرقم الكلّي للعجز (الذي يصعب إخفاؤه) مع نفي مظاهره التشغيلية (التي يصعب التحقق منها مستقلاً). وفي غياب رقابة مالية مستقلة أو ديوان محاسبة فاعل ينشر بيانات قابلة للتدقيق، يبقى تأكيد الوزارة وتكذيب التنفيذيين روايتين متوازيتين، يرجّح بينهما الجمهور دون أداة تحقّق.

النقطة الثالثة أن التقرير يكشف ما هو أعمق من إجراء مالي ظرفي: استخدام الحرب ذريعةً لإعادة هيكلةٍ كانت تجري أصلاً. فالقرار، كما يصفه التنفيذيون، استمرار لتباطؤ وإعادة ترتيب أولويات يجريان منذ فترة، لكن الحرب جعلتهما أكثر وضوحاً، حتى إن أحدهم وصفها صراحةً بأنها “وسيلة مريحة لتقليص المشاريع الكبرى التي كان مبالغاً فيها وباهظة التكلفة”. وهذا الاعتراف — من داخل القطاع المستفيد نفسه — يردّد صدى ما قاله الرميان عن نيوم: أن الطموح الأصلي تجاوز الجدوى الحقيقية. فقد أدّت إعادة المعايرة فعلاً إلى تأجيل أو تقليص مشاريع كثيرة، منها عناصر أساسية من نيوم التي وعدت يوماً بمدينة طولها ١٧٠ كيلومتراً، في وقتٍ تواجه فيه المملكة مواعيد ملزمة لاستضافة إكسبو ٢٠٣٠ وكأس العالم ٢٠٣٤.

أيضاً في نفس السياق تم فسخ عقد مشروع قطار شرما نيوم، حيث لم يعد يقتصر الأمر على شركات الاستشارات، بل يمتدّ إلى المقاولين المنفّذين للمشاريع على الأرض. ففي ٢١ مايو، أعلنت شركة ويبيلد الإيطالية — كبرى شركات الإنشاءات في إيطاليا — أن إدارة نيوم فسخت تعاقدها معها لتنفيذ خط السكك الحديدية السريع في تبوك، على أن يسري الإنهاء اعتباراً من ٢٧ مايو. واللافت أن الفسخ جاء رغم أن نسبة الإنجاز في المشروع بلغت نحو ٢٠٪ مع بقاء أعمال متأخرة تقارب قيمتها مليار يورو، وأنه ينهي جميع أعمال الشركة مع نيوم. ولم تكن هذه السابقة الأولى؛ فقد فسخت الإدارة في مارس عقد ويبيلد المتعلق بمنظومة السدود الثلاثة، بأعمال متأخرة تناهز ٢.٨ مليار يورو.

ودلالة هذا التطور أن “إعادة المعايرة” المالية لم تعد محصورة في تأجيل المدفوعات أو وقف العقود الجديدة، بل تجاوزتها إلى إلغاء عقود قائمة وجارية فعلاً على الأرض. فحين يُفسخ عقدٌ أنجز خُمسه، تتحمّل الدولة كلفة التعويض عن الأعمال المنجزة وعن إنهاء المشروع وإخلاء الموقع، أي أنها تدفع ثمن التراجع مرتين: مرة فيما أُنفق، ومرة فيما يلزم لتفكيك ما أُنجز. وهكذا يتأكد أن تقليص نيوم لم يعد خطاباً عن أولويات مؤجَّلة، بل وقائع ميدانية متلاحقة تكشف الفجوة بين الطموح المُعلن والجدوى الفعلية. ولهذا يمكن قراءة الخطوات السابقة بأنها إيجابية في محاولة تدارك الإنفاق المالي الغير معقول على العديد من المشاريع وعلى الشركات التي للأسف غير واقعية في قراءتها واعدادها للمشاريع فهي تسعى لكسب رضا المؤسسة الحاكمة أكثر من مصارحته بعدم واقعية هذه المشاريع، لكن من جهة أخرى، يكشف هذا الخبر معضلة جوهرية تتكرر وهو أنه لا توجد محاسبة ولا رقابة على كل من كان له يد في هذا المشروع، حيث تراكم الديون العامة وحرق المال العام يقف خلفه أشخاص محدودين من صانعي القرار، كيف يمكن محاسبة هؤلاء المسؤولين وجود ركائز أساسية لأي دولة تحترم شعبها. وهو مرور هذه المشاريع قبل الشروع فيها على برلمان منتخب يقيم جدوى هذه الأعمال من خلال لجان متخصصة وفتح نقاش وطني حولها. اليوم أوقف محمد بن سلمان هذه الشركات الاستشارية والشركات التي تعمل في نيوم، لكن لا يوجد ضامن أن لا تتكرر هذه الممارسات العبثية واللعب بثروات الوطن.

خاتمة

تكشف أحداث شهر مايو ٢٠٢٦ في مجملها عن نمط ثابت ومتكرر في طريقة اشتغال السلطة السعودية، فمن حملة منسّقة عبر وزارة الداخلية وهيئة تنظيم الإعلام والنيابة العامة لتجريم التذمّر الرقمي تحت بنود فضفاضة كـ”الإخلال بالنظام العام” و”التعصب القبلي”، إلى استدعاء تسعةٍ وأربعين مواطناً لمجرد شكواهم من البطالة وهيمنة الأجانب على مشروع وطني لا تتجاوز نسبة السعوديين فيه أربعين بالمئة، إلى ملاحقة معارضين تتجاوز الحدود — من تسليم نائب كويتي عبر التنسيق الأمني الخليجي إلى حجب حسابات ناشطين بالضغط على منصات أمريكية — كل هذا يُشكّل صورة متسقة لمنظومة حكم تعالج أعراض الأزمة بإسكات من يشير إليها، لا بمعالجة أسبابها، لغياب الرقابة والمساءلة الحقيقية. والأخطر في المشهد الراهن أن الضغوط باتت تتراكم على أكثر من جبهة في آن واحد: عجز مالي بلغ أعلى مستوياته منذ ٢٠١٨ يقابله ارتفاع في الإنفاق الدفاعي بنسبة ستة وعشرين بالمئة، ومشاريع كبرى تُفسخ عقودها بعد إحراق المليارات، وعجز دفاعي يدفع المملكة لاستئجار رادعتها من باكستان، وملف خاشقجي الذي يعود من باريس ليُذكّر بأن الجريمة لا تسقط بالتقادم ولا بإعادة التأهيل الدبلوماسي.

ولعل أبلغ ما يختصر المشهد هو هذا التناقض الفاضح بين مستويين متوازيين لا يلتقيان: مستوى الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن رؤية ناجحة وصندوق استثمار يُدار بكفاءة عالمية وإدارة مالية “منضبطة”، ومستوى الواقع الذي يُخبر عن نيوم تتقلّص وعودها من مدينة طولها مئة وسبعين كيلومتراً إلى مشروع “غير أساسي”، وأرامكو تبيع مقارّها لتستأجرها بحثاً عن سيولة، وشاب يختفي حسابه لأنه تحدّث عن وظيفته، ومواطن يجد فرص عمله محدودةً ودخله متآكلاً بينما تُموَّل المشاريع الترفيهية والصفقات العسكرية بسخاء.

تاريخياً، لا تنهار الأنظمة من ضربة واحدة، بل من تراكم القرارات غير المحاسَبة واتساع الفجوة بين الصورة التي ترسمها السلطة عن نفسها والواقع، إلى الحد الذي يعجز فيه الترويج الإعلامي عن إخفائه. وما يجعل الحالة السعودية الراهنة بالغة الدلالة أن هذه الفجوة لم تعد تحتاج إلى تحليل أكاديمي معمّق لاكتشافها، بل باتت تطرق باب كل مواطن في فاتورته الشهرية وعرض توظيفه وراتبه المتآكل وخوفه من التعبير عن رأيه على منصة تواصل. والأنظمة التي تُغلق كل منافذ التصحيح السلمي والنقد المشروع والمحاسبة المؤسسية لا تُلغي بذلك احتمال التصحيح، بل تؤجّله وتُراكم ثمنه حتى يغدو أثقل مما كان يمكن تحمّله لو جرى في وقته وبأدواته الطبيعية. فحين يُصبح إسكات السؤال أيسر من الإجابة عليه، وحجب الحساب أسرع من إصلاح ما يشكو منه صاحبه، تكون السلطة قد اختارت إدارة المظهر على حساب معالجة الجوهر. هذا ما تقوله أحداث مايو لمن أراد القراءة بعيداً عن بريق الأرقام الرسمية وضجيج المؤتمرات.

 

لقراءة كامل التقرير بنسخه بي دي إف

شاركـــــها