تغطية خاصة بزيارة محمد بن سلمان إلى دي سي: إعادة تلميع بلا محاسبة
تغطية خاصة بزيارة محمد بن سلمان إلى دي سي: إعادة تلميع بلا محاسبة
الملخص التنفيذي
تقدم هذه الورقة تحليلاً نقديًا موضوعيًا لزيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى العاصمة الأمريكية واشنطن في نوفمبر ٢٠٢٥ باعتبارها حدثًا ذا دلالات سياسية مهمة تتجاوز الطابع التقليدي للزيارات السياسية. تعتمد الورقة على رصد التفاعلات التي حدثت وتغطيتها بشكل مباشر وقراءة ما خلف هذه التفاعلات، وأيضاً على ضرورة إعادة قراءة العلاقات السعودية – الأمريكية من منظور المصلحة الشعبية الوطنية، والشفافية، والالتزام بحقوق الإنسان. تركّز الورقة على ستة محاور رئيسية: السردية الإعلامية الداخلية المبالغ فيها قبل الزيارة، الوقائع الفعلية للزيارة وجدواها السياسية، إعادة فتح ملف جمال خاشقجي، تضارب المصالح المالية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومشاريع مرتبطة بالسعودية، قرار إلغاء زيارة الكونغرس، وأخيرًا المنتدى الاقتصادي الذي حمل ملامح استعراضية غير واقعية. وتهدف هذه الورقة إلى تقديم فهم أوضح لتبعات الزيارة من الناحية السياسية والاقتصادية واقتراح مسارات إصلاحية تعزّز الخطاب الوطني القائم على المساءلة والمصلحة العامة، وتحصّن العمل السياسي من التوظيف الشخصي أو المالي.
أولًا: السردية الإعلامية المحلية قبل الزيارة:
شهدت الساحة الإعلامية السعودية قبل زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن حملة مكثفة اتسمت بتضخيم الحدث وإعادة صياغته بوصفه انتصارًا دبلوماسيًا واختراقًا استراتيجيًا. قادت وسائل الإعلام الرسمية وشخصيات نافذة على وسائل التواصل حملة منظمة هدفت إلى خلق حالة من التعبئة الرمزية. تم التركيز على أن واشنطن تترقب الزيارة وأن البيت الأبيض يستعد لاستقبال أهم قائد عربي وغيرها من المبالغات التي تعكس فقر السياسية السعودية لأي عمل حقيقي يخدم الصالح العام. حيث منذ بداية إعلان سفر محمد بن سلمان بدأت حملة ممنهجة لإغراق محتوى وسائل التواصل الاجتماعي بالدعاية المضللة حول سفر محمد بن سلمان إلى أمريكا بوصفه انتصار وإنجاز تاريخي، وتم تزوير مواد مرئية عن استعدادات البيت الأبيض من خلال صور وفيديوهات مفبركة. وهذا يأتي في سياق تضخيم وتضليل متعمد بهدف إغراق محتوى الفضاء العام بشكل واضح وفاضح أن هناك تعميم بالمشاركة وإعادة نشر كل المشاركات بحيث لا يكون أي حديث يزاحم سردية وتغطية الحكومة.
هذه السردية المصطنعة تهدف إلى السيطرة على الوعي الجمعي ومنع أي سردية نقدية من الوصول إلى الجمهور، وهي عملية جوهرية لأي نظام تسلطي.
ثانياً: الترحيب المبالغ بولي العهد – المصالح التجارية خلف الكواليس والضغط السياسي الداخلي:
في الوقت الذي كان الرأي العام الأمريكي على موعد مع تصويت تاريخي وهو يوم مظلم في حياة ترامب، وسوف يكون له تبعات جنائية كبرى عليه وعلى إدارته. حيث صوّت الكونغرس بالإجماع على نشر ملف جيفري إبستين المتاجر بالبشر والقاصرات مع شخصيات سياسية كبرى، وهو ما كان ترامب يحاول بكل قوة طوال أحد عشر شهراً أن يمنعه. كان ترامب يلتقي محمد بن سلمان في البيت الأبيض الذي هو أيضاً ورد أسمه في عدد من تقارير جيفري التي تم تسريبها قبل موعد الزيارة. على صعيد أخر، أظهرت عدة تقارير صحفية أمريكية أن الترحيب الذي قدّمه ترامب لمحمد بن سلمان مرتبط بعلاقات مالية وتجارية، من أبرزها ارتباط بطولات الغولف الممولة سعوديًا بملاعب يملكها ترامب، واستثمار بعض الكيانات السعودية في مشاريع عقارية وتجارية مرتبطة بعائلة ترامب. تثير هذه التقاطعات شبهات تضارب مصالح حقيقية، خصوصًا أن الترحيب تجاوز الأعراف الدبلوماسية وتحوّل إلى احتفاء غير مسبوق يضعف مصداقية الموقف الأمريكي في ملفات حقوق الإنسان.
هذه الزيارة أظهرت استقبالًا مبالغًا فيه في البيت الأبيض، شمل مراسم بروتوكولية استثنائية. إلا أن هذه المراسم لا تعكس إجماعًا أمريكيًا، بل ترتبط بحسابات سياسية تخص إدارة ترامب. لم تُعلن اتفاقيات مُلزمة، بل جرى التركيز على تصريحات عامة حول الشراكة والاستثمارات.
ثالثاً: ارتباكات الزيارة، وضغوط الكونغرس، والمكالمة الصادمة بين ترامب ومحمد بن سلمان:
شهدت زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن سلسلة من الارتباكات السياسية وردود الفعل الساخنة داخل المؤسسات الأمريكية، خاصة في الكونغرس ووسائل الإعلام. فقد برزت مخاوف من غياب الشفافية، تزايد النفوذ المالي السعودي، ومساعي البيت الأبيض للتحكم بالرسائل الإعلامية والسياسية المحيطة بالزيارة. ومع تصاعد الضغط الحقوقي والسياسي، تجمّعت عدة مؤشرات تكشف عن هشاشة الساحة السياسية أمام زيارة مثقلة بالأسئلة والملفات الحساسة:
1. إلغاء/ تعطيل جزء من زيارة الكونغرس – الخشية من المساءلة:
كان من المقرر أن يزور محمد بن سلمان الكونغرس ويلتقي عددًا من أعضائه، إلا أنّ جانبًا أساسيًا من الزيارة -وتحديدًا اجتماعه مع أعضاء مجلس الشيوخ- أُلغي بشكل مفاجئ ودون توضيح رسمي مقنع. مصادر داخل الكونغرس أشارت إلى أن هذا الإلغاء جاء خشية مواجهة أسئلة حادة تتعلق بملف حقوق الإنسان، الحرب في اليمن، قضية خاشقجي، والاستثمارات المتبادلة مع الولايات المتحدة.
هذا التطور يعكس إدراكًا داخل الدائرة المحيطة بمحمد بن سلمان بأن الكونغرس يشكّل ساحة سياسية غير آمنة ومليئة بالمخاطر، بخلاف البيت الأبيض الذي يملك قدرة أكبر على التحكم بالسياق الإعلامي والسياسي. كما أن عدداً من المشرّعين الديمقراطيين والجمهوريين كانوا يستعدون لطرح أسئلة قد تسبب إحراجًا دبلوماسيًا، خصوصًا مع تزايد الانتقادات العلنية لاستقبال ترامب لولي العهد رغم سجله الحقوقي.
2. ردود فعل من الكونغرس والصحافة الأمريكية:
تقاطعت انتقادات عدة من أعضاء الكونغرس ومن صحف بارزة بشأن زيارة محمد بن سلمان. فقد وصف مشرّعون أمريكيون -بينهم بيرني ساندرز وديك دوربين- استقبال محمد بن سلمان بأنه تجاهل صارخ لملف حقوق الإنسان. كما طالبت أصوات داخل الكونغرس بتوضيحات حول تضارب المصالح المحتمل في الاستثمارات السعودية داخل مشاريع مرتبطة بعائلة ترامب.
من جهتها، اعتبرت واشنطن بوست أن الزيارة تمنح شرعية غير مستحقة لزعيم “قمعي” تورط في جريمة اغتيال صحفي أمريكي مقيم على الأراضي الأمريكية، في إشارة إلى جمال خاشقجي. وأشارت تقارير سياسية إلى أن إدارة ترامب بذلت جهدًا كبيرًا لإحاطة الزيارة بتعتيم إعلامي وتحديد نطاق اللقاءات، لتفادي تسليط الضوء على الملفات الحقوقية أو على النفوذ المالي السعودي داخل واشنطن.
3. مكالمة ترامب ومحمد بن سلمان السرية – صدمة تعود إلى الواجهة:
أعاد النائب يوجين فيندمان، الديمقراطي عن ولاية فيرجينيا، إحياء واحدة من أكثر اللحظات حساسية في العلاقات الأمريكية – السعودية، بعدما كشف أنه استمع إلى مكالمة “صادمة” جرت عام ٢٠١٩ بين الرئيس دونالد ترامب محمد بن سلمان بعيد عملية اغتيال جمال خاشقجي.
فيندمان – الذي كان حينها محاميًا في مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض- قال لمجلة تايم إن المكالمة كانت “مقلقة للغاية”، مضيفًا:
“كانت المكالمة صادمة… وأعتقد أن الشعب الأمريكي يستحق أن يسمعها”.
ورغم امتناعه عن كشف تفاصيل المحادثة بسبب تصنيفها “سري للغاية”، إلا أنه أكد أن الرئيس يمتلك السلطة الكاملة لنشرها. دعوته أثارت حراكًا سريعًا بين الديمقراطيين للمطالبة بالإفراج عن محتوى المكالمة، في خطوة قد تعيد فتح ملف اغتيال خاشقجي من جديد، وتسلّط الضوء على طبيعة العلاقة السياسية والشخصية التي ربطت ترامب بمحمد بن سلمان.
هذا التطور يضع ترامب في مواجهة محتملة مع معركة سياسية جديدة، تتمحور حول سؤال واحد: ماذا قال لابن سلمان… ولماذا كان ذلك صادمًا إلى هذا الحد؟
ومما يزيد حساسية المشهد أن أول محاكمة عزل وُجهت لترامب عام ٢٠١٩ كانت أيضًا بسبب مكالمة هاتفية – تلك التي أجراها مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي – ما يجعل مسألة المكالمات السرية للرئيس محورًا متكررًا للأزمات والاتهامات، ويعطي الدعوات لكشف مكالمته مع محمد بن سلمان وزنًا سياسيًا مضاعفًا.
4. خروج سعد الماضي من السعودية بعد ضغوط أمريكية:
خلال زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن برز تطور لافت تمثّل في خروج المواطن السعودي الأمريكي سعد الماضي من السعودية بعد ضغوط واسعة ومستمرة من جهات حقوقية وسياسية أمريكية. الماضي كان قد اعتُقل سابقًا بسبب تغريدات نشرها على منصة X، ما أثار موجة انتقادات في واشنطن، خاصة أنه يحمل الجنسية الأمريكية. خلال الأشهر الماضية ازدادت المخاوف على وضعه القانوني وسلامته داخل المملكة، الأمر الذي دفع أطرافًا متعددة إلى التحرك لإنهاء قضيته. خروجه اليوم يعكس حجم الضغط الواقع على السعودية في ملفات حقوق الإنسان بالتزامن مع زيارة محمد بن سلمان.
ورغم الإفراج عنه رسميًا، بقي الماضي لفترة طويلة غير قادر على مغادرة السعودية نتيجة لمنع السفر. ومع تصاعد التحركات في واشنطن قبل زيارة محمد بن سلمان٬ ومع ازدياد الضغوط من عائلته ومن مشرعين أمريكيين على الإدارة الأمريكية، تمكّن الماضي من مغادرة المملكة والوصول إلى الولايات المتحدة، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة من الرياض لامتصاص الانتقادات الحقوقية التي كانت تفاقمت خلال الزيارة.
تمثل هذه القضية مثالًا بارزًا على الثمن الإنساني للنظام القمعي الذي يمارس تضييقًا منهجيًا على المواطنين من ضمنهم ذوي الجنسية المزدوجة، وخروج الماضي يعكس إدراكًا سعوديًا بأن استمرار احتجازه أو منعه من السفر كان سيحوّل ملفه إلى أزمة سياسية أثناء زيارة واشنطن، في وقت كان محمد بن سلمان يسعى فيه إلى إعادة تقديم نفسه كحليف اقتصادي واستراتيجي للولايات المتحدة.
رابعاً: ملف جمال خاشقجي – التبرير والإحراج السياسي:
شكّل إعادة طرح قضية اغتيال جمال خاشقجي محورًا حساسًا خلال زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن، إذ حاول الرئيس دونالد ترامب التقليل من الجريمة رغم ثبات تقييم وكالة الاستخبارات المركزية الذي يؤكد مسؤولية القيادة السعودية. هذا التباين بين موقف البيت الأبيض والتقدير الاستخباراتي أثار انتقادات واسعة داخل الكونغرس، حيث شدد عدد من الأعضاء على ضرورة عدم تجاهل الحقائق لأسباب سياسية أو اقتصادية. ترافقت هذه الانتقادات مع تغطية صحفية قوية من مؤسسات مثل واشنطن بوست ونيويورك تايمز وبوليتكو، التي اعتبرت خطاب ترامب “إنكارًا متعمّدًا” لحقيقة راسخة ومحاولة لتوفير غطاء سياسي لولي العهد. كما أدانت منظمات حقوق الإنسان محاولة طمس الجريمة، مؤكدة أنها تمثل اختبارًا لقيم العدالة وحرية الصحافة.
اعتمد الوفد السعودي استراتيجية الصمت الكامل تجاه ملف خاشقجي، متجنبًا أي نقاش مباشر أو رد على الأسئلة المتعلقة بالجريمة، في محاولة لتقديم الزيارة بوصفها حدثًا اقتصاديًا وسياسيًا إيجابيًا. غير أن التغطية الواسعة للصحافة الأمريكية والحقوقيين أعادت فتح الجرح، مسلطة الضوء على التناقض بين السردية الرسمية والسجل الحقوقي. رأت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ولجنة حماية الصحفيين أن استقبال ولي العهد دون محاسبة يعكس “إفلاتًا من العقاب” ويشكل سابقة خطيرة لحرية الصحافة عالميًا. وهكذا أعادت الزيارة إحياء القضية بدل طمسها، مؤكدة أن أي محاولة لإعادة تأهيل سياسي للقيادة السعودية ستظل ناقصة ما دامت الحقيقة غير معترف بها والمحاسبة غائبة.
وفي السياق نفسه استعادت قناة دروب سايت تفاصيل اليوم الذي قُتل فيه الصحفي جمال خاشقجي، في تقرير أشار إلى أن ريان غريم كان قد تناول الغداء معه قبل أسبوعين فقط. ومع دخول خاشقجي إلى القنصلية وغيابه لساعات طويلة، بدأ القلق يتصاعد. يروي ريان أنه شعر للمرة الأولى بأن عليه تجاوز الأعراف المعتادة والتواصل مباشرة مع جاريد كوشنر. كانت لحظة تعكس حجم الخطر، فكتب له رسالة ينقل فيها المخاوف المتزايدة، خاصة بعدما تلقى نداء الاستغاثة الأول من خطيبة خاشقجي. لكن الرسالة لم تحصل على أي رد.
وتشير المحادثات إلى أن علاقة ترامب الشخصية والسياسية مع محمد بن سلمان وضعت تلك القصة في إطار أوسع. فالقرب بينهما منح ولي العهد مساحة كبيرة للتحرك من دون مساءلة، فيما بقيت الأسئلة المتعلقة بتجاهل التحذير الأولى بلا تحقيق رسمي أو توضيح. هذا الصمت ما زال يشكل جزءًا محوريًا من الرواية الأوسع حول كيفية تعامل إدارة ترامب مع واحدة من أخطر القضايا التي طالت صحفيًا مقيمًا في الولايات المتحدة.
الاحتجاجات المدنية:
في ذات الوقت كان هناك نشاط مدني احتجاجي ضد زيارة محمد بن سلمان، حيث تظاهر العديد من الشخصيات الوطنية والأمريكية أمام السفارة السعودية في دي سي معبرين عن موقفهم تجاه شخص متورط في جرائم في حقوق الإنسان. في ذات السياق محلياً تم تكثيف الدعاية المضللة حول أجواء الزيارة. تم إيهام الرأي العام محلياً أن العاصمة دي سيء تعيش حالة استنفار بسبب زيارة ولي العهد السعودي، لكن الواقع أنه لم يحدث أي من ذلك.
خامساً: المنتدى الاقتصادي بين الاستثمار والاستعراض
شهد المنتدى الاقتصادي المصاحب لزيارة محمد بن سلمان اهتماماً كبيرًا من الإعلام الأمريكي، الذي ركز على التباين الواضح بين الوعود الاقتصادية الكبيرة والاستعراض السياسي المرافق للزيارة. روجت الإدارة الأمريكية والسعودية لاستثمارات ضخمة في مجالات التكنولوجيا والطاقة، مع اهتمام خاص بالذكاء الاصطناعي وبناء البنية التحتية للبيانات، واعتبرها كثيرون خطوة نحو تحويل الاقتصاد السعودي وتعزيز دوره على المستوى العالمي.
لكن محللين أمريكيين حذروا من أن هذه الوعود قد يكون مبالغ فيها، وأن جزءًا كبيرًا منها يعتمد على خطط طويلة المدى وليس ضخاً نقدياً مباشرًا. كما لاحظت صحف مثل Washington Post و Foreign Policy أن المنتدى حمل طابعا استعراضيًا، حيث بدا وكأنه محاولة لتلميع صورة ولي العهد، بينما لا تزال قضاياه الحقوقية، مثل مقتل جمال خاشقجي وعمليات الإعدامات الجماعية، تثير انتقادات واسعة.
تزيد هذه المخاوف النقدية بسبب إخفاقات مشاريع سابقة أعلن عنها محمد بن سلمان، مثل مشروع نيوم واستثمارات الطاقة الكبيرة التي لم تحقق النتائج الموعودة أو توقفت عند مراحل أولية. هذا التاريخ يجعل الكثيرين يشككون في قدرة الاستثمارات الحالية على التحول إلى واقع ملموس ويطرح تساؤلات حول ما إذا كان المنتدى مجرد أداة لتقديم صورة إيجابية على المستوى الدولي.
كما أبرزت التغطية أن التوازن بين المصالح الاقتصادية والاستراتيجية حاضر في كل خطوة، فبينما يسعى الجانب الأمريكي إلى الاستفادة من هذه الاستثمارات، تبقى المخاوف السياسية والأمنية قائمة، خاصة مع صفقات الأسلحة ونقل التكنولوجيا الحساسة. يمكن القول إن المنتدى كان بمثابة محاولة لإعادة تأهيل صورة ولي العهد باستخدام الاقتصاد والاستثمار، مع تجاهل شبه كامل للقضايا الحقوقية وفشل المشاريع السابقة.
تفيد تقارير رويترز بأن المسؤولين السعوديين والأمريكيين روّجوا لالتزامات استثمارية ضخمة من المملكة إلى الولايات المتحدة تصل إلى 1 تريليون دولار. هذه الأرقام شكّلت محورًا رئيسيًا في التغطية الإعلامية، لكنها لم تخل من تساؤلات مهمة بشأن متى وأين ستتدفق هذه الأموال فعليًا، وما هو الجزء الملتزم فعليًا منها كاستثمارات وليست مجرد مذكرات تفاهم.
من جهتها، أوردت رويترز أيضًا أن من بين الاتفاقات إعلان أرامكو توقيع 17 مذكرة تفاهم مع شركات أمريكية بقيمة محتملة تزيد على 30 مليار دولار في قطاعات تشمل الغاز الطبيعي المسال والبنية التحتية والطاقة. هذا الرقم قد يبدو كبيرًا، لكنه يشكل جزءًا صغيرًا من وعود التريليون، مما يزيد من الشكوك حول مدى واقعية الأرقام الضخمة التي تم الإعلان عنها.
إضافة إلى ذلك، اعتبرت بعض التحليلات -مثل المراقبين الاقتصاديين والإعلاميين- أن الرقم التريليوني قد يكون طموحًا كبيرًا جدًا. فجزء كبير من هذا الاستثمار المعلن ليس ضخ نقدي فوري في أسهم أو شركات أمريكية، بل موجه نحو بنية تحتية للطاقة والبيانات، مثل محطات الذكاء الاصطناعي والمراكز الحاسوبية، أو اتفاقات طويلة الأجل في مجال المعادن والتكنولوجيا.
هذه الفجوة بين الإعلان وواقعية الاستثمارات دفعت بعض المراقبين إلى وصف المنتدى بأنه أقرب إلى عرض سياسي واقتصادي منه إلى التزام جاد. الإعلام الأمريكي ربط بين هذه التصريحات الضخمة وخطط محمد بن سلمان الطموحة للتحول الاقتصادي، لكنه لم يغفل المخاطر: هل هذه الاستثمارات ستجلب تغييراً فعلياً، أم أنها أداة لتجميل صورة ولي العهد؟
من جهة أخرى، يبدو أن الجانب السعودي يختار أن يوجه هذه الأموال نحو قطاعات بزعمهم أنها تخدم مشروع رؤية ٢٠٣٠: التكنولوجيا، الطاقة المتقدمة، المعادن الحرجة. ومن جهة أمريكية، هناك من يرى في هذه الالتزامات فرصة لتعزيز الشراكة مع الرياض، خصوصًا في المجالات الحساسة مثل الذكاء الاصطناعي والدفاع الذي هو جزء أساسي من الشراكة والرعاية الأمريكية للسعودية من منتصف القرن الماضي. لكن بنفس الوقت، لا يزال هناك خوف من أن تكون بعض الاتفاقات تشبه الصور الرمزية أكثر من كونها مشاريع تنفيذية ملموسة.
أخيرًا، تكشف هذه الزيارة جانباً أساسيا من شخصية محمد بن سلمان: الطموح الاستثماري كبير، لكن التنفيذ الفعلي يواجه عدة تساؤلات. وهي نقطة مركزية في أي تحليل حقوقي وسياسي؛ لأن الاستثمار يُستخدم هنا لا كوسيلة اقتصادية فقط، بل كأداة للشرعية والتلميع في سياق حساس جدًا.
وفي نفس السياق٬ صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد سؤاله خلال المنتدى أنه سيوافق على بيع طائرة F 35 للسعودية، مضيفًا أن الاستثمارات السعودية ستدعم الاقتصاد الأمريكي من خلال عدد من مشاريع الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة. هذا التصريح يعكس الطابع الأساسي للمنتدى وهو الاستعراض الاقتصادي، حيث يجمع بين صفقات أسلحة كبيرة ووعود باستثمارات مستقبلية في التكنولوجيا، لكنه يثير تساؤلات حول الجدية والجدوى لهذه المشاريع مقارنة بالوعود الكبيرة التي أُعلنت مسبقًا، خاصة في ظل إخفاقات المشاريع السابقة لولي العهد مثل نيوم واستثمارات الطاقة الضخمة.
خاتمة: من التلميع إلى ضرورة إعادة تعريف العلاقة
تكشف هذه الزيارة – من لحظة صناعة الرأي العام المزيف والدعائي في الرياض إلى مشهد الاستقبال المبالغ فيه في واشنطن، مرورًا بإستقبال ترامب ثم فتح ملف خاشقجي، وضغوط الكونغرس، وتضارب المصالح المالية بين ترامب والنظام السعودي، والمنتدى الاقتصادي الاستعراضي – عن نمط ثابت: توظيف السياسة الخارجية والاستثمار والعلاقات مع البيت الأبيض كأدوات لإعادة تأهيل ولي العهد سياسياً دون أي مسار جدي للمحاسبة أو الإصلاح الحقوقي.
ورغم النجاح النسبي في كسر صورة النبذ والعزلة التي عاشها محمد بن سلمان بعد تورطه في إغتيال الصحفي جمال خاشقجي وإعادة تقديمه كـشريك اقتصادي، إلا أن ثمن ذلك كان تعميق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، والارتهان أكثر لشبكات النفوذ المالي والسياسي في واشنطن، مع استمرار إنكار العدالة في قضية خاشقجي وغيرها من الملفات الحقوقية. تبدوا زيارة محمد بن سلمان أنها لم تجني الكثير من المكاسب السياسية، إلا من وعود ترامب ببيع عدد طائرات F35، ومع هذا لا يمكن لترامب وحدة أن يكون صاحب القرار النهائي.
نتائج نهائية وتوصيات سياسة
إعادة تعريف العلاقات السعودية – الأمريكية على أساس المصلحة الوطنية والشفافية، لا على أساس مصلحة فردية أو صفقات شخصية.
ربط أي مسار لإعادة التأهيل السياسي بإجراءات محددة في العدالة لضحايا القمع، وفي مقدمتهم جمال خاشقجي وسجناء الرأي.
إنشاء آليات مستقلة لرصد ومراقبة تضارب المصالح في الاستثمارات والعقود العابرة للحدود، خاصة تلك المرتبطة بشخصيات سياسية في واشنطن.
فضح الحملات الممنهجة في السيطرة على الرأي العام محلياً بوصفة حقيقة مطلقة، حيث الحملات لها أدواتها التي تملكها السلطة في الحشد والتعبئة السياسية والإعلامية من خلال تكثيف الدعاية عبر حساباتها التي تهيمن على شبكات التواصل الاجتماعي وأيضاً عبر إجبار المواطنين من أصحاب الحضور في شبكات التواصل الاجتماعي بالمشاركة في حملة التضليل.
لقراءة كامل التقرير بنسخه بي دي إف