التقرير الشهري حال السعودية شهر ديسمبر
مقدمة
يهدف هذا التقرير إلى تقديم رصد وتحليل نقدي لأبرز الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية خلال شهر ديسمبر من عام ٢٠٢٥ مع التركيز على تقييم سلوك النظام السعودي وسياساته. التقرير يُسلط الضوء على التناقضات بين التوجهات المعلنة والسياسات الفعلية، وتأثيرها على القضايا الإقليمية والدولية. تم إعداد التقرير بالاستناد إلى مصادر متنوعة، تشمل وكالات أنباء محلية ودولية، وتقارير منظمات دولية، وتحليلات خبراء. في هذا التقرير، نسلط الضوء على هذه التناقضات من خلال قراءة نقدية لأبرز التحركات الدبلوماسية، والانتهاكات الحقوقية، والسياسات الاقتصادية، مدركين أن أي تحليل رصين لا بد أن ينطلق من الواقع، لا من ادعاءات السلطة، ومن مصالح الناس، لا من سرديات الأجهزة الرسمية.
يقدّم هذا التقرير قراءة تراكمية لأبرز ملامح المشهد السعودي خلال شهر ديسمبر ٢٠٢٥، حيث يأتي هذا التقرير في لحظة دقيقة تتقاطع فيها التحولات الاقتصادية الكبرى مع انكماش سياسي واضح، وتتجاور فيها خطابات التحديث ورؤية المستقبل مع ممارسات حكم تُعيد إنتاج منطق الضبط، وتُضيّق المجال العام، وتحوّل المساءلة من حق مشروع إلى سلوك محفوف بالمخاطر. ولا ينطلق هذا العمل من منطق الخصومة أو الرغبة في الإدانة المسبقة، بل من مقاربة تحليلية ترى أن استقرار الدول لا يُبنى على إدارة الصورة أو تسويق الإنجاز، بل على صلابة المؤسسات، واستقلال القضاء، واتساق السياسات العامة مع حقوق المواطنين وكرامتهم.
ينظر التقرير إلى عام ٢٠٢٥ بوصفه عامًا كاشفًا، لا لأن وقائعه استثنائية في حد ذاتها، بل لأنها تُظهر بوضوح نمطًا متكررًا في الحكم: مركزية القرار، ضعف الشفافية، تغليب الحلول السريعة والاستعراضية على التخطيط المستدام، وتآكل الضمانات الحقوقية تحت ذرائع الأمن أو المصلحة العامة. من هذا المنظور، لا تُقرأ الملفات التي يتناولها التقرير كأحداث منفصلة، بل كمظاهر مترابطة لبنية سياسية واقتصادية واحدة. يتناول التقرير عام الإعدامات بوصفه اختبارًا حاسمًا لصدقية أي خطاب رسمي عن إصلاح قانوني أو تحديث مؤسسي. فالمسألة هنا لا تتعلق بالخلاف حول توصيف الجرائم أو الرواية الأمنية، بل بالحد الأدنى من معايير العدالة الجنائية: الحق في محاكمة عادلة، ضمانات الدفاع، حظر التعذيب، واستقلال القضاء عن الأجهزة التنفيذية. وحين تغيب هذه المعايير، يتحول الإعدام من عقوبة استثنائية إلى أداة ردع جماعي موجّهة إلى المجتمع بأسره.
وفي الملف اليمني، يرصد التقرير التصدّع المتزايد في العلاقة السعودية-الإماراتية في الجنوب، ليس بوصفه خلافًا عابرًا، بل كمؤشر على تعارض عميق في الرؤى والمصالح، وعلى هشاشة المقاربة التي اختزلت اليمن في ساحة نفوذ تُدار من الخارج، بعيدًا عن إرادة اليمنيين وحقهم في تقرير مصيرهم. كما يتوقف التقرير عند ارتباك الخطاب الاقتصادي المرتبط بـ”ما بعد النفط”، وعند السياسات الحضرية التي تكشفها سيول جدة المتكررة، إضافة إلى المشاريع العملاقة والتعيينات القيادية، لا باعتبارها قصص نجاح جاهزة، بل كقرارات عامة كبرى تستدعي نقاشًا وطنيًا مفتوحًا، ومعايير واضحة للمساءلة، ومراجعة جادة للجدوى والكلفة الاجتماعية.
في المحصلة، يسعى هذا التقرير إلى إعادة الاعتبار للسؤال الديمقراطي الجوهري: كيف تُدار الدولة؟ ولصالح من؟ ومن يملك حق مراقبة القرار العام ومراجعته؟ تلك الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا أساسيًا لأي استقرار حقيقي وتنمية قابلة للاستدامة.
عام الإعدامات
في شهر نوفمبر قللت السعودية من عدد الإعدامات، وكان توقع بعض المراقبين أن هذا التغير له علاقة بزيارة محمد بن سلمان إلى دي سي والنقاشات حول حقوق الإنسان التي حدثت. لكن شهد شهر ديسمبر عدد من الإعدامات الجديدة، أعلنت وكالة الحكومة السعودية عن تنفيذ ٣٢ حالة إعدام طوال شهر ديسمبر. حيث تراوحت الأسباب المزعومة لتنفيذ الإعدامات ما بين تهريب المخدرات، والقتل الجنائي، وأخيراً تهمه ارتكاب جرائم إرهابية. حيث أعلنت السلطات السعودية في ٢٣ ديسمبر عن تنفيذ حكم الإعدام في حق المواطنين: حسين بن حيدر بن علوي القلاف و/ محمد بن أحمد بن سعود آل حمد و/ حسن بن صالح بن مهدي سليم – سعوديين الجنسية – على ارتكاب عملياتٍ إرهابيةٍ داخل المملكة تمثلت في قتل رجل أمن وإصابة آخر، وإطلاق النار على المقار والمركبات الأمنية، وتصنيع المتفجرات وحيازة الأسلحة والذخائر بهدف الإخلال بأمن المجتمع واستقراره. وفي آخر شهر ديسمبر أقدمت السلطات السعودية على تنفيذ حُكم القتل تعزيرًا بحق كل من/ أحمد بن محمد بن حسين آل أبو عبدالله و/ موسى بن جعفر بن عبدالله الصخمان و/ رضا بن علي بن مهدي آل عمار. وتشير العديد من المنظمات الموثوقة أن كل هذهالإعدامات جائرة وأن السبب الأساسي هو المشاركة في مظاهرات أو تشيع مطلوبين ومعتقلي رأي. فضلاً عن سير الإجراءات من الاعتقال إلى المحاكمة ثم تنفيذ الإعدامات تشوبها العديد من الإشكاليات، حيث لا يتوفر الحد الأدنى من الحقوق لهؤلاء المتهمين ولا يقدم لهم محامين، فضلاً عن التعذيب خلال فترات الاعتقال. وللأسف أن عام ٢٠٢٥ كان عام إعدامات بشكل متجاوز لأي مرحلة سابقة. حيث تشير المنظمة الأوروبيةالسعودية لحقوق الانسان أن عدد الإعدامات بلغ ٣٥٦ حالة، وأن مجمل الإعدامات في عهد سلمان منذ استلامه الحكم في يناير ٢٠١٥ حتى ٣١ ديسمبر ٢٠٢٥ بلغت ١٩٤١.
المسألة الأكثر إشكالية لا تكمن في ادعاءات السلطات حول الإرهاب أو تهديد الأمن، بل في الغياب شبه كامل للضمانات الإجرائية التي تشكل الحد الأدنى لأي محاكمة عادلة. فحين تُستخدم مفاهيم فضفاضة ومسيّسة لتجريم أفعال مرتبطة بالاحتجاج أو التعبير أو التضامن الاجتماعي أو حتى التغريد في شبكات التواصل الاجتماعي مثل حادثة تركي الجاسر، يصبح القضاء امتدادًا مباشرًا للجهاز الأمني، لا سلطة مستقلة تفصل بين الدولة والقضاء. في هذا السياق، يتحول الإعدام من عقوبة قصوى استثنائية إلى رسالة ردع جماعي موجهة إلى المجال العام بأسره.
كما أن تراكم أرقام الإعدامات، خصوصًا خلال السنوات الأخيرة، ينسف الادعاء الرسمي بالسير نحو إصلاحات قانونية أو تحديث مؤسسي. يستحيل أن يكون هناك إصلاحات مزعومة والدولة تقوم بجرائم في حق المواطنين ابتداء من الاعتقالات التعسفية إلى الإعدامات الجائرة التي لا تراعي أدنى حقوق الكرامة الإنسانية ولا المعايير الدولية. إن الدولة التي ترفع شعارات الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي، بينما توسّع في الوقت ذاته من استخدام العقوبات القصوى، إنما تنتج نموذجًا مشوّهًا من الحكم: تحديث شكلي وهمي بلا حقوق، وتنمية مدعاة بلا مواطنة. هذا التناقض الجوهري يضعف أي محاولة لتسويق السياسات السعودية بوصفها انتقالًا تدريجيًا نحو حكم رشيد. إن الحد الأدنى من سياسات الحكم الرشيد أن يتم إيقاف كافة أشكال الإعدامات.
الأهم أن هذا النمط يعيد إنتاج مناخ الخوف بوصفه أداة استقرار زائف. فالاستقرار القائم على الإعدام والقمع ليس سوى تأجيل للأزمات وتراكمها في شكل مظالم تاريخية لن تسقط بالتقادم، لا معالجتها. ومن ثم، فإن النقد هنا لا يستهدف وقائع معزولة، بل بنية حكم تستخدم القانون لتكريس الاستبداد، في تعارض واضح مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان ومع المبادئ الأساسية للعدالة الجنائية المعاصرة.
الخلاف السعودي – الإماراتي في جنوب اليمن
تسلسل الأحداث ودلالات التحول الاستراتيجي حتى ٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥
يشهد الملف اليمني وتحديدًا في شقه الجنوبي تحولات نوعية تعكس تصدّعًا متزايدًا في العلاقة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، بعد سنوات من العمل المشترك ضمن إطار ما يسمى بالتحالف العربي. ومع نهاية ديسمبر ٢٠٢٥ بات هذا الخلاف أكثر وضوحًا على المستويين السياسي والإعلامي، وانتقل من كونه تباينًا في الرؤى إلى حالة من التوتر العلني المرتبط بإعادة تموضع النفوذ والأدوار في جنوب اليمن. منذ تدخل التحالف العربي في اليمن عام ٢٠١٥، بدا أن السعودية والإمارات تتحركان ضمن هدف مشترك يتمثل في مواجهة جماعة الحوثي ودعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمعروفة باسم “الشرعية”. غير أن تطورات السنوات اللاحقة أظهرت اختلافًا بنيويًا في المقاربة الاستراتيجية لكلا الطرفين، خاصة في المحافظات الجنوبية والساحلية. ففي حين تدعي الرياض الحفاظ على وحدة اليمن ومنع تشكل كيانات موازية للدولة، اتجهت أبوظبي إلى بناء شبكات نفوذ محلية عبر دعم قوى عسكرية وسياسية جنوبية، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي، وربط ذلك باعتبارات أمنية وجيوسياسية تتعلق بالموانئ وخطوط الملاحة في بحر العرب وخليج عدن.
هذا التباين لم يكن وليد اللحظة، بل تراكم عبر مراحل، إلا أن عام ٢٠٢٥ شكّل نقطة انعطاف. فقد تزامنت محاولات السعودية إعادة ترتيب المشهد اليمني سياسيًا وأمنيًا – في ظل ظروف اقتصادية حرجة – مع مسار تفاوضي غير مباشر مع الحوثيين، مع شعور متزايد في الرياض بأن النفوذ الإماراتي في الجنوب لم يعد منسجمًا مع هذه المقاربة، بل بات عامل ضغط إضافيًا على وحدة القرار اليمني وعلى الأمن القومي السعودي نفسه. في هذا السياق، برز ما يمكن وصفه بـ”الارتباط العضوي” بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، ليس بوصفه تحالفًا متماسكًا كما كان في سنوات سابقة، بل كعلاقة شراكة متوترة تقوم على إنكار الخلاف بدل إدارته. ويزداد هذا التعقيد مع وجود شخصيات سعودية مقرّبة من دوائر القرار في الرياض، توصف في الخطاب النقدي بأنها أقرب إلى الرؤية الإماراتية في ملفات الإقليم، سواء في اليمن أو في قضايا أوسع تتعلق بإعادة تشكيل النفوذ العربي. هذا التداخل بين النخب، والذي كان في السابق عنصر تقارب، تحوّل تدريجيًا إلى عامل احتكاك داخلي يعكس صراع رؤى داخل المعسكر الواحد.
ضمن هذا المناخ، جاء الظهور الإعلامي الأخير للإعلامي تركي الدخيل عبر بودكاست إماراتي من منفاه في لندن ليحمل دلالات سياسية تتجاوز الطابع الإعلامي. فالدخيل، الذي ارتبط اسمه سابقًا بمؤسسات رسمية سعودية وبخطاب قريب من السلطة، تحدث من خارج المملكة وفي منصة إماراتية، في توقيت بالغ الحساسية. هذا الظهور فُسّر من قبل مراقبين على أنه مؤشر على إعادة اصطفاف ناعم داخل الفضاء الإعلامي الخليجي، ومحاولة إماراتية لتقديم روايات بديلة حول الخلافات داخل المعسكر السعودي نفسه، وليس فقط حول اليمن. كما يعكس في الوقت ذاته تقلص هامش التعبير لبعض الأصوات المرتبطة سابقًا بالمشهد الرسمي السعودي، ودفعها إلى منصات خارجية.
بلغت هذه التراكمات ذروتها مع البيان الإماراتي الصادر في ٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥ بشأن ما وصفته أبوظبي الانسحاب الكامل من اليمن. ورغم أن الإمارات كانت قد أعلنت في سنوات سابقة تقليص وجودها العسكري، فإن صيغة البيان وتوقيته حملا دلالات مختلفة هذه المرة. فقد جاء الإعلان في ظل تصعيد سياسي وإعلامي غير مسبوق، تزامن مع تنفيذ المملكة العربية السعودية ضربة عسكرية محدودة في جنوب اليمن في اليوم ذاته، وُصفت رسميًا بأنها عملية استهداف دقيقة ضمن سياق الحفاظ على الأمن والاستقرار ومنع تهديدات محتملة. هذا التطور الميداني منح البيان الإماراتي بعدًا إضافيًا، إذ جاء في لحظة توتر عسكري مباشر يعكس انتقال الخلاف من مستوى التباين السياسي إلى مستوى الرسائل الصلبة. كما ترافق الإعلان الإماراتي مع تأكيد على أن وجودها السابق في اليمن كان محدودًا ومرتبطًا بمكافحة الإرهاب، إلى جانب نفي أي نية لزعزعة استقرار اليمن أو تهديد أمن المملكة العربية السعودية.
في المقابل، قُرئ البيان في الرياض – وفق ما عكسه الخطاب الإعلامي غير الرسمي – بوصفه خطوة أحادية لا تنهي جوهر الإشكال، بل تعيد تعريفه. فالقضية لم تعد محصورة في الوجود العسكري المباشر، بل في البنى السياسية والعسكرية التي تشكلت خلال السنوات الماضية بدعم إماراتي، والتي ما زالت فاعلة على الأرض في جنوب اليمن، وتملك قدرة على التأثير في أي تسوية مستقبلية. على المستوى اليمني الداخلي، عمّق هذا التوتر الانقسام بين الحكومة المعترف بها دوليًا والقوى الجنوبية، وأعاد طرح سؤال السيادة والقرار الوطني في ظل تعدد الرعاة الإقليميين. كما أن انسحاب الإمارات، سواء كان كاملاً أو جزئيًا، يفتح فراغًا سياسيًا وأمنيًا قد تسعى أطراف محلية أو إقليمية أخرى لملئه، بما في ذلك الحوثيون أو قوى دولية مهتمة بأمن الممرات البحرية.
خلاصة المشهد حتى ٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥ تشير إلى أن الخلاف السعودي-الإماراتي في اليمن لم يعد خلافًا تكتيكيًا قابلًا للاحتواء السريع، بل تحوّل إلى تعبير عن اختلاف أعمق في تصور الدور الإقليمي لكل دولة وحدود النفوذ المقبول. وبينما تحاول العاصمتان الحفاظ على خطاب رسمي يؤكد متانة العلاقات الاستراتيجية، فإن الوقائع على الأرض، والتحركات الإعلامية، والبيانات السياسية المتبادلة، تكشف عن مرحلة جديدة من إعادة التموضع، سيكون لنتائجها أثر مباشر على مستقبل اليمن، وعلى شكل النظام الإقليمي الخليجي في السنوات المقبلة.
العودة للنفط
في تصريح حديث، شدّد محمد الجدعان، وزير المالية السعودي، على أن “رؤية السعودية ٢٠٣٠ لم تأتِ للاستغناء عن الإيراداتالنفطية وأكد أن النفط ثروة أساسية وستواصل المملكة استغلالها بما يدعم الاقتصاد“ وأن تنامي المداخيل غير النفطية لا يعني السعي إلى مرحلة يعتمد فيها الاقتصاد السعودي كلياً على هذه الإيرادات. وقد قُدِّم هذا التصريح باعتباره توضيحاً لمفهوم التنويع بوصفه عملية مكمِّلة لدور النفط لا بديلة عنه، في محاولة لإعادة ضبط الخطاب الرسمي الذي بالغ سابقاً في الترويج لفكرة الانتقال السريع إلى اقتصاد ما بعد النفط. ظاهرياً يعكس هذا الموقف قدراً من الواقعية، ويقرّ باستمرار مركزية النفط في المالية العامة، إلا أنه في العمق يكشف عن ارتباك مفاهيمي في تعريف أهداف التحول الاقتصادي وحدوده الزمنية والمؤسسية. هذا النوع من التصريحات الذي بدأ يتكرر منذ نوفمبر الماضي من خلال ملتقى الاستثمار في الرياض حول مراجعات واقعية لطبيعة الاقتصاد السعودية، إبتداءً من التراجع عن مشروع نيوم، هو مؤشر حقيقي على التخبط الذي أطلقه محمد بن سلمان في بداية فترة صعوده للسلطة في عام ٢٠١٥، حينما صرح بكل ثقة صدمت المراقبين أنه سوف يتم الاستغناء عن النفط في٢٠٢٠، حيث وقتها يعلم الجميع بالوهم الذي أطلقه محمد بن سلمان وهو ما أوضح لدى العديد من الخبراء والمتابعين عن طبيعة سياسات محمد بن سلمان التي تطلق تصريحات ومشاريع لا تقيم وزناً حقيقياً وفعالاً لفحواها أو حتى واقعيتها.
هذا الارتباك يتجلى في التناقض بين بالحرص على بقاء الإيرادات غير النفطية مرتفعة، وبين نفي الرغبة في تقليص الاعتماد الاساسي على الريع النفطي. فالتنويع كما يُقدَّم في الخطاب الرسمي، يبدو أقرب إلى توسيع مصادر الدخل الحكومي عبر الضرائب والرسوم والأنشطة شبه الحكومية، لا إلى بناء اقتصاد إنتاجي مستقل تقوده مبادرات خاصة وتنافسية حقيقية دون وجود فساد رسمي. ومن منظور الاقتصاد السياسي، لا يُقاس التنويع بنسب المساهمة في الناتج المحلي فقط، بل بمدى تحوّل علاقة الدولة بالاقتصاد والمجتمع. وفي الحالة السعودية، يظل هذا التحول محدوداً بسبب مركزية القرار، وضعف الشفافية، وغياب مؤسسات رقابية منتخبة قادرة على مساءلة السياسات المالية. وقد لفتت بلومبرغ في أكثر من تحليل إلى أن نمو الإيرادات غير النفطية لم يكن كافياً لتعويض تقلبات عائدات النفط، وأن الدولة ما زالت تعتمد علىالإنفاق التوسعي والاقتراض المستمر للحفاظ على معدلات النمو، ما يضعف الادعاء بصلابة مسار التنويع.
ينعكس هذا التخبط الاستراتيجي مباشرة على السياسات الاقتصادية المحلية. فغياب وضوح الهدف النهائي للتنويع يؤدي إلى سياسات متقلبة، تتغير أولوياتها بتغير الظرف المالي أو السياسي. نرى ذلك في فرض ضرائب ورسوم ثم تعديلها أو تجميدها، وفي إطلاق برامج دعم أو خصخصة من دون إطار تشريعي مستقر، ما يخلق حالة من عدم اليقين لدى القطاع الخاص والمستثمرين المحليين. كما أن الاعتماد على قرارات فوقية سريعة، غير خاضعة لنقاش عام، يضعف الثقة في استدامة السياسات ويحدّ من قدرة الاقتصاد المحلي على التخطيط طويل الأمد. تقارير صندوق النقد الدولي تشير إلى أن استقرار السياسات ووضوح القواعد التنظيمية شرط أساسي لتحفيز الاستثمار المنتج، وهو شرط لا يزال هشاً في السياق السعودي رغم التحسن الشكلي في بعض المؤشرات.
في المحصلة، لا يمكن فصل تصريحات الجدعان عن السياق السياسي الأوسع الذي تُصاغ فيه السياسات الاقتصادية. فالتنويع الاقتصادي في ظل بنية استبدادية يفتقر إلى المشاركة والمساءلة يتحول غالباً إلى مشروع أشبه إلى وهم له وهج لكن محدود، يُستخدم لتخفيف الضغوط المالية الآنية أكثر من كونه مساراً لإعادة هيكلة الاقتصاد. أثر هذا النهج يظهر محلياً في سياسات غير مستقرة، وفي تحميل المجتمع كلفة التحول عبر الضرائب ورفع الدعم وزيادة البطالة التي من أسبابها التخبط في تقليص فرص العمل الحكومي والخاص، وأيضاً كل هذه السياسات الاقتصادية تتجاهل النخب الوطنية والبيروقراطية والمواطنين في إشراكهم في القرار أو تمكينهم من مراجعة هذه السياسات والتخطيط لما هو خير للصالح العام. ومن دون إصلاح سياسي ومؤسسي يربط التخطيط الاقتصادي برقابة ديمقراطية ونقاش عام، ستظل المداخيل غير النفطية عاجزة عن أداء الدور المنشود، وسيبقى الاقتصاد السعودي أسير إدارة متقلبة تعكس عشوائية التخطيط أكثر مما تعكس رؤية تنموية متماسكة.
سيول جدة والكارثة السنوية:
تشهد مدينة جدة وبعض مدن ساحل البحر الأحمر في الحجاز هطول أمطار موسمية في شهر نوفمبر وديسمبر من كل عام، وحيث تتكرر المأساة السنوية بفيضانات كبيرة واجتياح سيول الأمطار إلى المدن وهو ما يخلف شلل كامل لمعظم أجزاء المدن. ومدينة جدة التي تكاد لا يمر عام إلا وتمر بذات الكارثة، حيث شهدت جدة في عام ٢٠٢٥ موجة سيول جديدة أعادت إلى الواجهة سؤال البنية التحتية وقدرتها على حماية السكان في واحدة من أهم المدن الاقتصادية والساحلية في المملكة. وكما في مرات سابقة، رافقت الكارثة تصريحات رسمية تؤكد أن ما حدث طارئ مناخي استثنائي، وأن كميات الأمطار فاقت المعدلات الطبيعية. غير أن تكرار المشهد، وتكرار الخطاب نفسه، يحوّل الحدث من ظاهرة طبيعية إلى مؤشر واقعي على الفشل المزمن في التخطيط الحضري وإدارة المخاطر، ويضعف صدقية الادعاء بأن المشكلة خارجة عن نطاق المسؤولية السياسية والإدارية.
إن سيول جدة لا يمكن فصلها عن تاريخ طويل من الوعود الزائفة حول مشاريع تصريف السيول التي أُعلنت مراراً ثم تعثرت أو نُفذت جزئياً. فالعجز هنا ليس تقنياً بحتاً، بل هو نتاج نموذج إدارة مركزي يغيب عنه التخطيط التشاركي والرقابة الشعبية المستقلة. في المدن التي تعتمد سياسات حضرية رشيدة، تُعامل الفيضانات بوصفها سيناريو متوقعاً يُدمج في التصميم العمراني والبنية التحتية، لا كحادث مفاجئ يُستدعى بعده خطاب الطوارئ المتكرر. تعتبر المشكلة الجوهرية هي في تركّز القرار وتغييب المساءلة القانونية من قبل ممثلي الشعب. إن الأثر المباشر لهذا الخلل المتكرر يتجلى في السياسات المحلية ذاتها. فبدلاً من مراجعة جذرية لخيارات التخطيط العمراني بعيداً عن مصالح الفئات المستفيدة من السلطة، يجري التركيز على حلول جزئية: تعويضات محدودة، لجان تحقيق مؤقتة، أو إعادة الإعلان عن مشاريع قديمة بصياغة جديدة. هذا النهج لا يعالج جذور المشكلة، بل يكرّس دورة متكررة من الإنفاق غير الفعّال، ويهدر الموارد العامة من دون بناء قدرة حقيقية على الصمود الحضري. وقد أظهرت تقارير البنك الدولي أن الاستثمار في البنية التحتية الوقائية أقل كلفة بكثير من معالجة آثار الكوارث بعد وقوعها، شرط أن يكون مصحوباً بحوكمة شفافة وآليات مساءلة واضحة
في المحصلة، تكشف سيول جدة ٢٠٢٥ عن مفارقة واقعية بين الطموح المعلن لبناء مدن حديثة، والواقع الذي تعجز فيه البنية التحتية عن حماية السكان من مخاطر متكررة كل عام. النقد هنا لا يستهدف الطبيعة، بل السياسات التي اختارت تأجيل الحلول الجذرية لصالح مشاريع استعراضية، وأدارت المدينة بعقلية فوقية لا ترى في المواطن شريكاً في التخطيط. ومن دون فتح ملف البنية التحتية للنقاش العام، وإخضاعه لرقابة مؤسسية مستقلة، ستظل جدة عرضة لتكرار الكارثة، وسيبقى الحديث عن “مدن المستقبل” منفصلاً عن حق الناس الأساسي في الأمان الحضري والعدالة في توزيع الخدمات.
تعيين جون باغانو عضوًا منتدبًا لشركة العلا للتطوير
أعلنت الجهات الرسمية تعيين جون باغانو عضوًا منتدبًا لشركة العلا للتطوير، المملوكة لـ صندوق الاستثمارات العامة. و جون باغانو هو كندي المنشأ ويحمل بكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من جامعة تورنتو – خبرة في تطوير المشاريع العقارية والسياحية عالميًا – شغل مناصب قيادية في مجموعة كناري وارف بلندن – كان رئيس لشركات سياحية وفندقية في جزر الباهاماس وقاد تطوير منتجع فاخر بقيمة ٣.٥ مليار دولار – طيار يحمل رخصة قيادة طائرات رجال الأعمال – يشغل حاليًا منصب الرئيس التنفيذي لشركة البحر الأحمر الدولية منذ ٢٠١٨ – معروف بقيادته لفِرق متعددة الجنسيات وتحقيق مشاريع مستدامة وابتكارية – حصل على الجنسية السعودية تقديرًا لإسهاماته القيّمة في تطوير السياحة والقطاع العقاري بالمملكة. يأتي مشروع العلا بوصفه أحد أكثر مشاريع ٢٠٣٠ طموحًا من حيث إعادة هندسة المكان والهوية والاقتصاد المحلي، مع وعود بتحويل المنطقة إلى وجهة ثقافية وسياحية عالمية. وبحسب التصريحات المصاحبة، يأتي الاختيار استنادًا إلى خبرته التنفيذية في قيادة مشاريع سياحية كبرى، ولا سيما دوره السابق في مجموعة البحر الأحمر. هذا الإعلان في ظاهره، يؤكد إصرار الدولة على تسريع التنفيذ واستجلاب الخبرات الدولية، لكنه في عمقه يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول نموذج الحوكمة، ومعايير الاختيار، وطبيعة التخطيط الاستراتيجي للمشاريع العملاقة.
التساؤل الجوهري هنا ليس شخصيًا، بل مؤسسي: ماذا يعني الإمعان في الاعتماد على قيادات تنفيذية أجنبية لإدارة أصول وطنية حساسة؟ وهل يعكس ذلك فجوة في بناء القدرات المحلية، أم خيارًا متعمدًا من قبل السلطة لأهداف غير معلنة؟ إن تكرار هذا النمط، في العلا وغيرها، يوحي بأن الدولة تفضّل منطق السرعة والإنجاز الشكلي على منطق التوطين المؤسسي وبناء القيادات الوطنية المستدامة. كما يثير ذلك إشكالية الشفافية: فالتعيينات تتم غالبًا دون نقاش عام، ودون نشر معايير واضحة للتقييم أو خطط لنقل المعرفة. هذا النهج يعزز مركزية القرار ويضعف المساءلة، ويحوّل المشاريع إلى جزر إدارية مغلقة، حتى وإن حملت شعارات الانفتاح والتحديث.
أما الجدوى بعيدة المدى، فتبقى محل شك. فنجاح العلا لا يقاس بعدد الفنادق أو الفعاليات، بل بقدرتها على الاندماج في النسيج الاجتماعي والاقتصادي المحلي، واحترام تاريخ المكان وسكانه. الاعتماد المكثف على إدارة فوقية مستوردة قد يحقق نتائج سريعة، لكنه لا يضمن استدامة ولا يرسّخ نموذج حكم رشيد. تشير تحليلات اقتصادية وتقارير صحفية دولية، منها تغطيات بلومبرغ وتقارير صندوق الاستثمارات العامة نفسها، إلى أن المشاريع العملاقة في السعودية تعاني من تضخم التكاليف وغموض العوائد. في هذا الإطار، يصبح تعيين باغانو مؤشرًا إضافيًا على عشوائية التخطيط تحت مظلة استبدادية لا تسمح بنقاش عام حول الأولويات. إن السؤال الحقيقي ليس: هل ينجح المشروع؟ بل: لمن ينجح، وبأي كلفة سياسية واقتصادية، وعلى حساب أي فرصة لبناء كفاءة وطنية مستقلة وقابلة للمساءلة؟
افتتاح ملاهي القدية:
في الوقت الذي تزداد فيه معدلات التضخم الاقتصادي، وتزداد معدلات البطالة وشح الوظائف، تعلن الحكومة السعودية عن إعلان افتتاح مدينة القدية للألعاب. تقدم السلطات السعودية المدينة بوصفها مشروعًا ترفيهيًا عملاقًا سيُعيد تشكيل الاقتصاد المحلي ويؤسس لمرحلة ما بعد النفط. يبدأ السرد عادةً بالتأكيد على أن القدية ستكون رافعة للتنويع الاقتصادي، ومولّدًا للوظائف، ومغناطيسًا للاستثمار والسياحة، مع وعود بتحويلها إلى “عاصمة للترفيه والرياضة والثقافة”. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه منذ البداية هو: ماذا يعني هذا المشروع فعلًا في سياق اقتصادي مترهل يعاني من مركزية القرار، وضعف المساءلة، وغياب النقاش العام حول الأولويات؟ وما الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لمشروع بهذه الضخامة في بلد ما زال يواجه تحديات هيكلية في التعليم، والإسكان، وسوق العمل؟
وفق التصريحات الرسمية الصادرة عن الجهات المشرفة، فإن القدية ستسهم في رفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي، وتوفير عشرات الآلاف من فرص العمل، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، فضلًا عن تحسين جودة الحياة. هذه اللغة، التي تتكرر في بيانات صندوق الاستثمارات العامة وتقارير رؤية ٢٠٣٠، تعكس ضحالة عقل التخطيط الاقتصادي للدولة، الذي يعتقد بتوهم أن الترفيه في منطقة صحراوية يمكن أن يكون بديلاً للنفط. هذا الانفصام عن الواقع يُعجز العديد من الاقتصاديين والسياسيين عن واقعية ومنطقية وجدية المسؤولين عن التخطيط للاقتصاد في السعودية. إلا أن هذا المنطق يتجاهل، في كثير من الأحيان سؤال الجدوى الدقيقة: ما حجم العائد المتوقع قياسًا بحجم الإنفاق؟ وما طبيعة الوظائف المتولدة؟ وهل هي وظائف مستدامة أم مرتبطة بدورات إنفاق حكومي كثيف؟ تقارير صحفية دولية، مثل تلك المنشورة في Financial Times و Bloomberg، أشارت مرارًا إلى أن كثيرًا من مشروعات الرؤية تعتمد على ضخ مالي ضخم من الدولة، مع غموض حول الربحية طويلة الأجل، وتعرضها لمخاطر التأجيل وإعادة الجدولة.
النقد هنا لا ينطلق من رفض مبدئي لفكرة التنمية أو الاستثمار في الترفيه، بل من زاوية واقعية التخطيط العام تحت مجهر المساءلة. فالعشوائية لا تتجلى فقط في تسارع الإعلان عن المشاريع، بل في غياب نقاش مؤسسي مفتوح حول البدائل، وفي تقديم هوى السلطة ورغباتها الطفولية على حساب السياسات الاجتماعية العميقة. إن تحويل التنمية إلى سلسلة من المشاريع العملاقة، تُدار من أعلى إلى أسفل، يعكس نمطًا سلطويًا في التخطيط يرى في الإنجاز السريع غاية بحد ذاته، لا وسيلة لتحسين حياة المواطنين على نحو متوازن. من هذا المنظور، تصبح القدية نموذج حقيقي وسوف تبقى تاريخياً مثالاً عن فساد التخطيط وإهدار المال العام في مشاريع ليس للدولة حق في التدخل فيها. حيث وظيفة الدولة هي الأمن وتوفير الخدمات العامة الأساسية من صحة وتعليم، أما أن تتجه الدولة إلى بناء الملاهي فهو مؤشر على بوصلة الدولة التائهة في خلق سياسات اقتصادية واجتماعية أكثر استقرار. مثل ما تخلت الدولة عن نيوم، سوف تضطر إلى التخلي عن العديد من المشاريع لتكلفة تشغيلها في السنوات القادمة .من المهم أن تكون الخطوات الاقتصادية مدروسة ضمن رؤية تشاركية قابلة للتصحيح، بعيدة عن الاستعراض المتكلف، وتراكم المخاطر المالية.
وزير الإعلام وضبط المحتوى الإعلامي
تأتي تصريحات وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري حول ضبط المحتوى الإعلامي في سياق أوسع من لإحكام السيطرة على المجال العام في المملكة، حيث يُعاد رسم الحدود بين ما يُسمح بقوله وما يُعد فوضى أو تأجيجًا للرأي العام. فالتأكيد على عدم السماح بـالخطاب الشعبوي الزائف أو استخدام حرية التعبير لخلق فوضى في الفضاء الإعلامي يعكس تصورًا رسميًا يعتبر المجال الإعلامي مساحة ينبغي إدارتها انضباطيًا، لا ساحة نقاش حر وتعددي. هنا يبرز السؤال الجوهري: من يعرّف الشعبوية؟ ومن يحدد متى يتحول النقد أو التعبير الحاد إلى فوضى؟ وهل يمكن لسلطة تنفيذية أن تكون الخصم والحكم في آن واحد؟ وماذا عن الذباب الإلكتروني ونشاط مركز اعتدال، وقائمة لا نهاية لها من المغردين المحسوبين على النظام السعودي، هل هؤلاء جزء من الفوضى والشعبوية؟
في الواقع أن الوزير الدوسري كان من أكثر الأصوات شعبوية في سنوات خلت قبل تعيينه وزيراً للإعلام. اللافت في هذه التصريحات هو الجمع بين نفي التهاون والتأكيد، في الوقت ذاته على أن القوانين تكفل حرية التعبير. هذا الجمع ليس جديدًا في الخطاب الرسمي السعودي، لكنه يكشف مفارقة بنيوية: حرية مُعرَّفة سلفًا، ومقيدة بشروط فضفاضة مثل عدم تأجيج الرأي العام أو عدم خلق الفوضى. في غياب تعريفات قانونية دقيقة ومستقلة لهذه المفاهيم التي تتغير حسب مزاج السلطة. تقارير منظمات دولية، مثل هيومن رايتس ووتش ومراسلون بلا حدود، لطالما أشارت إلى أن الإطار القانوني والإجرائي المنظم للإعلام في السعودية يمنح السلطات هامشًا واسعًا لتجريم التعبير السلمي، خاصة عندما يتناول السياسات العامة أو أداء المؤسسات، فضلاً عن وجود عدد كبير من المعتقلين بتهم بسبب تغريدات في تويتر.
لهذا يُظهر هذا الخطاب نزعة سلطوية في إدارة الإعلام، حيث يُختزل الفضاء الإعلامي في كونه مسألة أمنية وتنظيمية، لا ركيزة أساسية لأي مجتمع يسعى إلى الاستقرار المستدام. فالتجارب المقارنة تُظهر أن كبح النقاش العام بحجة منع الفوضى غالبًا ما يؤدي إلى نتيجة عكسية: تراكم الاحتقان، وانتقال النقاش إلى قنوات غير رسمية، وفقدان الثقة في الإعلام المحلي. حتى التحذير من زيادة أعداد المتابعين يوحي بأن المشكلة ليست في المعلومة المضللة بحد ذاتها، بل في قدرتها على الانتشار خارج السيطرة الرسمية.
في المحصلة، لا يمكن فصل تصريحات وزير الإعلام عن السياق السياسي الأوسع الذي تُدار فيه حرية التعبير في المملكة. فبدل بناء إطار ديمقراطي يقوم على قوانين واضحة، وقضاء مستقل، وهيئات تنظيمية مهنية، يُعاد إنتاج خطاب أخلاقي أمني يجرّم النوايا قبل الأفعال. إن ضبط المحتوى قد يكون ضرورة مهنية، لكن تحويله إلى أداة لإسكات النقد المشروع يفرغ الإعلام من دوره الرقابي، ويجعل الاستقرار المعلن استقرارًا هشًا، قائمًا على الصمت لا على التوافق المجتمعي الواعي.
الخاتمة
يأتي هذا التقرير في سياق سياسي واقتصادي تتزايد فيه الفجوة بين الخطاب الرسمي المعلن حول الإصلاح والتحديث، وبين ممارسات حكم تتسم بمركزية القرار، وتراجع الضمانات الحقوقية وزيادة مخيفة في أحكام الإعدامات، وتقييد المجال العام. وهو لا يُكتب من موقع الخصومة أو الرغبة في النفي الكلي لكل ما يُطرح تحت عناوين التنمية أو الاستقرار، بل من منطلق وطني إصلاحي يرى أن الدولة، أيّ دولة، ليست كيانًا معصومًا من الخطأ، وأن السلطة بطبيعتها البشرية والسياسية عرضة للانحراف وسوء التقدير، وهو ما يجعل إخضاعها للرقابة والمساءلة شرطًا أساسيًا للحكم الرشيد، لا تهديدًا له.
ينطلق التقرير الشهري حال السعودية من مسلّمة ديمقراطية جوهرية مفادها أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر القمع أو إدارة الخوف، ولا عبر صناعة الإنجاز الخطابي، بل عبر بناء مؤسسات قادرة على تصحيح أخطائها، وقابلة للنقد العلني، وخاضعة لمحاسبة قانونية وشعبية. ومن هذا المنظور، لا يتعامل التقرير مع الوقائع التي شهدها عام ٢٠٢٥ من تصاعد غير مسبوق في أعداد الإعدامات، إلى الكوارث الحضرية المتكررة، إلى التخبط في الخطاب الاقتصادي، مرورًا بالمشاريع العملاقة والتعيينات الفوقية بوصفها أحداثًا منفصلة أو طارئة، بل باعتبارها أعراضًا متشابكة لبنية حكم واحدة تُدار من أعلى إلى أسفل، وتفتقر إلى آليات تصحيح ذاتي فعّالة.
ففي ملف الإعدامات، لا ينحصر الإشكال في الرواية الأمنية أو توصيف الجرائم، بل في الغياب شبه الكامل للضمانات الإجرائية التي تُشكّل الحد الأدنى لأي نظام عدالة جنائية معاصر. وحين تتحول العقوبة القصوى إلى أداة متكررة، في ظل محاكمات مغلقة واتهامات فضفاضة وادعاءات موثقة بالتعذيب، يصبح السؤال المطروح سؤالًا مؤسسيًا بامتياز: من يراقب السلطة حين تحتكر تعريف الجريمة، وتُمسك بالقضاء، وتغلق المجال أمام المجتمع المدني والإعلام المستقل؟
وفي اليمن، يكشف التوتر السعودي-الإماراتي في الجنوب عن حدود السياسات الإقليمية التي تُدار خارج أي رقابة شعبية أو برلمانية، سواء في الدول المتدخلة أو في البلد المتأثر مباشرة بالصراع. فغياب المساءلة يجعل القرارات المصيرية للحرب رهينة حسابات نخبوية ضيقة، تتحمل المجتمعات كلفتها الإنسانية والسياسية. أما في الداخل، فإن الارتباك في خطاب “ما بعد النفط”، وتكرار كوارث مثل سيول جدة، والإصرار على إطلاق مشاريع عملاقة دون نقاش عام أو شفافية تعاقدية، كلها تعكس نمطًا واحدًا: سياسات تُتخذ بوصفها مسلّمات غير قابلة للنقاش، وكأن القرار العام شأن سيادي مغلق لا يحق للمجتمع مساءلته. هذا المنطق يفترض ضمنيًا عصمة السلطة أو كفاءتها المطلقة، وهو افتراض يناقض التجربة التاريخية ويصطدم ببديهيات الحكم الرشيد.
إن جوهر هذا التقرير هو التأكيد على أن الرقابة الشعبية، وحرية التعبير، واستقلال القضاء، وشفافية القرار العام ليست مطالب كمالية أو شعارات مستوردة، بل أدوات وطنية لحماية الدولة من أخطائها، وحماية المجتمع من كلفة السياسات الخاطئة. فالدولة القوية ليست تلك التي لا تُنتقد، بل تلك التي تمتلك الشجاعة المؤسسية للاستماع، والمراجعة، والتصحيح قبل أن تتراكم الأخطاء وتتحول إلى أزمات بنيوية يصعب احتواؤها.
لقراءة كامل التقرير بنسخه بي دي إف