التقرير الشهري: حال السعودية يناير ٢٠٢٦

مقدمة

يهدف هذا التقرير إلى تقديم رصد وتحليل نقدي لأبرز الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية خلال شهر فبراير ٢٠٢٦ مع التركيز على تقييم سلوك النظام السعودي وسياساته. التقرير يُسلط الضوء على التناقضات بين التوجهات المعلنة والسياسات الفعلية، وتأثيرها على القضايا الإقليمية والدولية. تم إعداد التقرير بالاستناد إلى مصادر متنوعة، تشمل وكالات أنباء محلية ودولية، وتقارير منظمات دولية، وتحليلات خبراء. في هذا التقرير، نسلط الضوء على هذه التناقضات من خلال قراءة نقدية لأبرز التحركات الدبلوماسية، والانتهاكات الحقوقية، والسياسات الاقتصادية، مدركين أن أي تحليل رصين لا بد أن ينطلق من الواقع، لا من ادعاءات السلطة، ومن مصالح الناس، لا من سرديات الأجهزة الرسمية.

يتناول هذا التقرير جملةً من الوقائع السياسية والاقتصادية والإعلامية التي برزت خلال شهر فبراير، بوصفها مؤشرات على اتجاهات أعمق في نمط الحكم وإدارة المجال العام في السعودية، وعلى تحولات موازية في علاقاتها الإقليمية. لا ينظر التقرير إلى الأحداث بوصفها أخبارًا متفرقة، بل كحزمة مترابطة تكشف منطقًا واحدًا يتكرر بأشكال متعددة: تعظيم دور القرار الفردي، وتوسيع أدوات الضبط الرمزي والإعلامي، واحتواء التوترات المالية والاجتماعية عبر بدائل قصيرة الأمد، بدل تحويلها إلى سياسات عامة خاضعة للمساءلة.

في هذا السياق، يبرز استمرار الخلاف السعودي الإماراتي مع انتقاله من مستوى التباين السياسي إلى مستوى الخطاب التصعيدي، بما في ذلك توظيف المنابر الإعلامية والشعبوية، وإشارات دالة مثل انسحاب الإمارات من معرض الدفاع في الرياض. وفي الداخل، تطرح أرقام العجز والدين العام سؤالًا عن كلفة المشاريع الكبرى وآليات اتخاذ القرار فيها، خصوصًا حين تُدار عبر دوائر ضيقة لا تخضع لرقابة مؤسسية منتخبة أو رقابة مالية مستقلة. كما يناقش التقرير دلالات تعيين راكان بن سلمان محافظًا للدرعية في ضوء هندسة المناصب والرمزية السياسية، ويحلل توظيف المؤسسة الدينية والإفتاء ضمن إطار حصر الفتوى أو دعوات التبرع عبر منصات الدولة.

ويواكب التقرير ذلك برصد أدوات إدارة السمعة داخليًا وخارجيًا: من ملفات إبستين، إلى تكثيف ظهور الملك إعلاميًا، إلى سياسات الهوية (اللغة العربية)، وصولًا إلى استعمال الرياضة والزيارات البروتوكولية والإعلام العابر للحدود لإنتاج سردية التحول مع بقاء المجال العام مقيدًا.

بين التحريض على الحرب وتلقي ضرباتها

في ٢٨ فبراير ٢٠٢٦ أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضربات مشتركة على إيران أُطلق عليها اسم “Epic Fury” أمريكياً و”Roaring Lion” إسرائيلياً، استهدفت قياداتها العليا وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، ففتحتا باباً لا يعرف أحد أين ينتهي. وفي غضون ساعات ردّت إيران بضربات صاروخية طالت الرياض والمنطقة الشرقية وجازان ومدن خليجية أخرى، لتجد السعودية نفسها في قلب حرب أسهمت في إشعالها سراً ودفعت ثمنها علناً. تأتي هذه الضربات في الوقت الذي كان يجتمع الوفد الإيراني مع الأمريكي في مفاوضات حول الملف النووي بوساطة واشراف عماني. حيث وصفت هذه المفاوضات أنها اقتربت من الوصول إلى اتفاق يناسب كلى الطرفين حسب تعبير المتحدث العماني، لكن على خلاف سير المفاوضات تم توجيه ضربات استباقية لإيران.

فوفق تقارير موثوقة، كان ترامب قد أقدم على الهجوم إثر ضغوط مكثفة من إسرائيل، قبل أن تُعلن الرياض رسمياً أنها أغلقت أجواءها وأكدت أن إيران كانت على علم بذلك. في نفس السياق أفادت مصادر أن محمد بن سلمان حث ترامب على توجيه ضربات قوية على إيران على خلاف الرأي المعلن الذي تعلنه السعودية طوال الأشهر الماضية، الذي تجلى في زيارة خالد بن سلمان إلى إيران في لقاء رسمي مع المرشد العام الذي أكد أن السعودية لن تسمح لأي قوة أجنبية بإستخدام مجالها الجوي ضد إيران.  لكنها أقدمت على الضرب رغماً عن ذلك. هذا التناقض ليس استثناءً، بل نمط راسخ في سياسة محمد بن سلمان التحريض في الكواليس والتبرؤ أمام الجمهور.

ميدانياً اعترضت السعودية صواريخ إيرانية استهدفت مطار الرياض الدولي وقاعدة الأمير سلطان الجوية التي تضم عسكريين أمريكيين، في حين أفادت تقارير بوقوع أضرار في البنية التحتية للقاعدة لا تزال تحت التقييم.

اقتصادياً، ارتفعت أسعار النفط، لكن هذا الارتفاع مشروط بعدم إغلاق مضيق هرمز. فالحرب تهدد مسيرة رؤية ٢٠٣٠ التي كانت السعودية تروّج فيها لنفسها وجهةً سياحية عالمية، وعلى خلفية عجز مالي متراكم تحتاج الرياض إلى استقرار الممرات أكثر من حاجتها إلى أسعار مرتفعة في بيئة حرب. فيما يبدو أن السعودية راهنت على نار الآخرين فاحترقت بجزء منها. والأخطر أن القرارات المصيرية تصدر من دائرة ضيقة بلا رقابة ولا محاسبة، وهذا بالضبط ما يجعل المراهنات الكبرى بلا شبكة أمان، كما أن جميع السيناريوهات المتوقعة للخروج من هذه الحرب لا تصب في صالح البلاد.

الخلاف السعودي الإماراتي مستمر

لا زال الخلاف السعودي الإماراتي قائم بين الطرفين منذ إندلاعه…… لكن تحول في هذا الشهر أن السعودية صعدت الخلاف في إبراز دور الإمارات في زعزعة أمن المنطقة حيث اتهمت السعودية الامارات بمساعدة العيدروس بالخروج من اليمن، كما أكد في عدد من التصريحات لعدد من الإعلاميين السعوديين أن الإمارات تلعب دوراً جوهرياً في تهيئة المنطقة العربية للاحتلال الصهيوني. حيث كتب الدكتور أحمد التويجري مقالاً بعنوان الإمارات التي في قلوبنا، أثار جدلاً واسعاً مما اضطر الصحيفة إلى حذفه ثم إعادته إلى الموقع مجدداً، أشار التويجري أن الإمارات متورطة في الحرب البربرية للاحتلال على قطاع غزة، وأن أجهزتها التطوعية مثل الهلال الأحمر تلعب دوراً جاسوسياً في غزة مما سهل قصف العديد من الأماكن داخل غزة. أيضا أشار المقال إلى دور السعودية في دعم استقلال الإمارات وبناء نظامها السياسي من خلال الإشارة إلى دراسة أكاديمية. هذا المقال هو يمثل أحد النماذج التي رفعت شكل التصعيد وتغير في أدوات الخطاب، حيث بدأت الحملة الإعلامية على الإمارات ولازالت عبر العديد من الحسابات في تويتر ذات الطابع الشعبوي، وهي جزء مركزي في أدوات محمد بن سلمان في التعامل مع الملفات الإقليمية والمحلية على حد سواء. لكن مقال التويجري وغيره من التعليقات واللقاءات هو خطاب بضوء أخضر من السلطة.

يتبين أن العلاقات تأزمت أيضاً من خلال عدد من الأحداث، حيث انسحبت الإمارات من معرض الدفاع العالمي المقام في الرياض، وهو مؤشر أساسي على أن الخلاف في توسع مستمر حيث كانت هناك محاولة واضحة لحصر الخلاف في دائرة الفعل والسلوك السياسي وعدم تصعيده للمستوى التجاري والاقتصادي كما حدث مع الأزمة القطرية. أيضاً أعلنت السعودية عن تكفلها بدعم مالي مباشر لميزانية الحكومة اليمنيةوهو ما يشير أن السعودية مستعدة للاستثمار في دعم استقرار اليمن حتى لا ينقسم.

 

 

عجز مالي

 أعلنت وزارة المالية السعودية أن العجز في الميزانية السعودية لعام ٢٠٢٥ بلغ ٢٤٥ مليار ريال متجاوزاً عجز عام ٢٠٢٤ الذي بلغ  ١١٥.٦ مليار، ومتوقعه أن العجز المالي لعام ٢٠٢٦ سوف يبلغ ١٦٥ مليار. أن الدين العام بلغ ١٫٤٥٧ مليار في عام ٢٠٢٥ وهو ما يعادل ثلث الناتج المحلي، ومن المتوقع أن يبلغ الدين العام ١٫٦٢٢ مليار أي ما يعادل ٣٢.٧٪ من الناتج المحلي الإجمالي. ويأتي هذا العجز بسبب عدة عوامل أهمها هو انخفاض الإيرادات النفطية لما دون ٧٠ دولار للبرميل، وهو المبلغ الذي يشكل أقل من قدرة على إنعاش المالية السعودية وخصوصاً أن سعر النفط متذبذب من أكثر من ٦ سنوات. أيضاً أسرفت الحكومة السعودية في الإنفاق المالي الغير محسوب العواقب على مشاريع ٢٠٣٠ التي أعلنت مؤخراً عن تجميد معظمها وعلى رأسها نيوم بعد أن ثبت استحالتها فضلاً عن التوصيات التي أطلقها البنك الدولي في تقريره لعام ٢٠٢٤ بضرورة وجود مراجعة لمشاريع ٢٠٣٠ وهو ما حدث بعد عام ونصف من هذه التوصية.

وبوضوح يعود كل هذا العجز المالي وارتفاع الدين ليس فقط بسبب تقلبات أسعار النفط أو التوسع في الإنفاق، بل يعود لطبيعة اتخاذ القرارات للمشاريع الاقتصادية والمالية متمثلة في صندوق الاستثمار بالمقام الأول، فآلية اتخاذ القرارات فردية وذات نزعة سلطوية حيث أحلام محمد بن سلمان هي من تقود بوصلة المشاريع الاقتصادية، وليست دراسات أو توصيات تنموية مدروسة وموجهة للصالح العام. فمعظم الإنفاقالمالي لم يكن لصالح المواطن، بل انعكاس لطموحات ورغبات محمد بن سلمان وصندوق الاستثمار الذي يتحكم به ويدار بعيداً عن تطلعات واحتياجات المجتمع الحقيقية. لهذا الاقتصاد المستقر يحتاج إلى مؤسسات ذات رقابة شعبية لا إلى اجتهادات فردية. البرلمانات المنتخبة، والأجهزة الرقابية المستقلة، والنقاش العام المفتوح ليست عناصر شكلية، بل أدوات اقتصادية أيضًا، لأنها تحدّ من القرارات الارتجالية وتفرض تقييمًا مسبقًا للتكلفة والعائد. في غياب هذه الآليات، تتحول السياسة المالية إلى ردّ فعل سريع بدل أن تكون تخطيطًا طويل الأجل وهذا ما يحدث حالياً، ففي مؤتمر الاستثمار الأخير الذي أقيم في الرياض تم التصريح بشكل غير مباشر عن عدم واقعية المشاريع، ثم في وقت لاحق صرح خالد الفالح وزيرالطاقة أن معظم المشاريع تأتي ارتجالية وهو ما تسبب في إقالته مطلع هذا الشهر. لذلك يظهر الخلل سياسيًا في أساسه وليس اقتصادي، ولهذا لا يمكن أن تكون هناك تنمية اقتصادية بعيداً عن تطلعات واحتياجات الشعب وأيضا تحت رقابة ومحاسبة شعبية.

تعيين راكان سلمان محافظ الدرعية

صدر قرار بتعيين أصغر أبناء سلمان بن العزيز راكان بن سلمان بن عبدالعزيز محافظًا للدرعية، وتعتبر الدرعية ذات رمزية سياسية لبنية الحكم الملكي السعودي. وقد صرفت الحكومة السعودية في العقد الحالي مبالغ ضخمة في إعادة تأهيل هذا المكان من قبل عدد من الشركات الأجنبية، حيث تم ضخ مبلغ يتجاوز ٢٣٦ مليار ريال سعودي (٦٣ مليار دولار) للشركة الفرنسية Ateliers Jean Nouvel – وهي مملوكة للمعماري الفرنسي جان نوفيل التي أُسندت إليها أعمال التصميم المعماري. حيث بوابة الدرعية تم تدشينها في بداية عهد سلمان وهو ما يتوافق مع السردية التي تم تبنيها بما يسمى يوم التأسيس وهو العودة لما قبل تحالف ابن سعود مع ابن عبدالوهاب. ويعتبر تعيين راكان الذي يبلغ من العمر ٢٨ سنة هو محاولة تهيئة أبناء سلمان للانخراط في إدارة الحكم بعيداً عن مشاطرة أبناء العمومة في الحكم على المدى البعيد، مع وجود العديد من الأمراء الذين يعملون كمراء مناطق ومحافظات، لكن تعيينهم بعيداً عن التدرج في هرم الحكم الملكي. ولهذا يأتي تعيين راكان كمحاولة تهيئة للتدرج في هرم السلطة، وأيضا طرف مضمون لمحمد بن سلمان حيث انه الأخ الشقيق له. المفارقة أن الدرعية بلدية وليست محافظة، لكن تم تحويلها لأجل إحداث منصب وظيفي لأصغر أبناء سلمان. فبعد صدور القرار تم توثيق زيارة العديد من المسؤولين إلى مكتب محافظ الدرعية لأجل تثبيت هذا القرار في الذهنية العامة وتعزيز الانطباع العام بوجود دور وظيفي لهذا الأمير. حيث التقى بمدير جامعة الملك سعود، ثم عدد كبير من الوزراء والمسؤولين. لهذا من المتوقع أن يتم حصر الحكم بعد وفاة سلمان في سلالته وهو ما يعمل عليه محمد بن سلمان من خلال تعيين أشقائه في مفاصل أساسية في السلطة وتهيئة لبعضهم للعب دور أكبر في ترسيخ حكم آل سلمان. لكن من ناحية آخرى، هذا التعيين يتجاوز مفاهيم الكفاءة الإدارية، بل يتم تجاهلها من أجل تعزيز حكم الفرد.

 المشكلة ليست في شخص المعيَّن بقدر ما هي في القاعدة التي أنتجت التعيين. إذ إن التنمية المستدامة تحتاج إلى مؤسسات قابلة للاستمرار بغض النظر عن الأشخاص، بينما الترتيبات القائمة على الثقة العائلية تميل إلى الاستقرار القصير الأمد لكنها تظل هشة سياسيًا، لأن الشرعية فيها تُستمد من القرب من السلطة لا من التفويض العام أو المشاركة المجتمعية. في النظم الإدارية الحديثة يُفترض أن تُدار الوحدات المحلية وفق معايير الحوكمة الرشيدة: التنافس المفتوح، المساءلة، وإمكانية تقييم الأداء العام. غير أن التعيينات القائمة على القرابة تُضعف منطق المؤسسية، لأنها تنقل مركز القرار من الإطار الوظيفي إلى الإطار العائلي، وكأن المناصب الحكومية توزيع بناء على قرابة الدم بالمقام الأول وليس الكفاءة وهي سمة جوهرية في الأنظمة التسلطية.

 

 

 

توظيف ديني لتمويل مشاريع الدولة

في أول خروج للمفتي العام دعى المواطنين في لقاء متلفز إلى التبرع عبر منصة جود الحكومية لأجل دعم مشاريع الإسكان. وهو ما يشير إلى دور جديد يمارسه المفتي بطلب من السلطة. ومن اللافت للنظر هو انخراط المفتي في هذا الدور، ويبدو أن السلطة تسعى إلى الاستفادة من المفتي في تمويل المشاريع من خلال حملات دعم لمشاريع الدولة المتعثرة مالياً. يمكن قراءة هذه الحملة في إطار يتجاوز بعدها الخيري المباشر إلى جملة من الغايات السياسية والاقتصادية المتداخلة. فهي أولاً تسعى إلى تخفيف الضغط على الموازنة العامة عبر نقل جزء من عبء التمويل إلى المجتمع، لكن بصيغة دينية خيرية. الدولة هنا لا تعلن عجزها صراحة، وهو ما يسمح بتغطية فجوات العجر المالي. أيضاً، هذه الحملة تعطي السلطة مكسباً سياسياً رمزياً عبر إشراك المؤسسة الدينية. استدعاء المفتي يضفي بعداً أخلاقياً على المشروع لدى البعض، ويحوّل الدعم إلى فعل محمود دينياً، مما يعني ربما زيادة تحفيز بعض الشرائح الاجتماعية للامتثال لنداء المفتي وهو ما يخفف النقد على السلطة.

قصر الفتوى على أعضاء هيئة العلماء

صدر أمر ملكي على قصر الفتوى في السعودية على أعضاء هيئة كبار العلماء فقط، موضحة أن هذا القرار يهدف لضبط الفتوى، وحصرها في مصادرها المعتمدة، ذلك لتعزيز قيم الوسطية والاعتدال كما أشار البيان. يهدف هذا القرار إلى تيسير الفتوى للمستفتيين، وربطهم بالعلماء المؤهلين، مع توفير دعم بحثي وتقني لتسهيل مهامهم الإفتائية في مناطق المملكة كافة. في حين أن قصر الفتوى على أعضاء هيئة كبار العلماء لا يُفهم فقط كتنظيم إداري للشأن الديني، بل كتحول في طبيعة العلاقة بين الدين والسلطة. يأتي هذا القرار محاولة لذات القرار الذيصدر في عهد عبدالله بن عبدالعزيز في عام ٢٠١١ ما يعني هو محاولة تطبيق صارمة للقرار الملكي القديم.  تاريخيًا، لم تكن الفتوى مؤسسة حكومية، بل ممارسة علمية مفتوحة داخل المجتمع؛ يفتي الفقيه بصفته العلمية لا الوظيفية، وتتنافس الآراء داخل فضاء معرفي واسع، يختار الناس منه ما يطمئنون إليه ويثقون بعلمه. تعدد المفتين كان جزءًا من حيوية الفقه الإسلامي تاريخياً، إذ سمحت هذه المرونة لتنويع الاستجابات لاختلافات الآراء والبيئات والأعراف والظروف. أما حين تُحصر الفتوى في هيئة معينة، ويصبح حق الإفتاء مرتبطًا بالتعيين الرسمي، فإنها تتحول من اجتهاد علمي إلى صلاحية وظيفية، أشبه بما كانت تقوم به سلطات الاحتلال الأجنبي لدول العربية، ولهذا فإن هذا القرار يجعل  المرجعية الدينية مرتبطة بالبنية البيروقراطية للدولة لا بالمجال الشرعي المستقل.

هذا التحول ينعكس مباشرة على الحريات الدينية. احتكار الفتوى لا يمنع فقط الأصوات المخالفة، بل يعيد تعريف التدين ذاته؛ إذ يصبح التعبير الديني المقبول هو ما تقره السلطة عبر مؤسساتها الرسمية. وبذلك تضيق مساحة الاجتهاد الشرعي للأفراد والمجاميع العلمية، ويُدفع العلماء المستقلون إلى الصمت أو الهامش، خوفًا من التجريم أو الاتهام. في المقابل، كانت التقاليد الإسلامية تسمح بوجود مدارس وآراء متعددة داخل المجتمع نفسه دون أن يُعد ذلك خروجًا على النظام العام. والخلاصة أن ما يحدث هو ضبط رسمي قسري للخطاب الديني المدعوم من السلطة. حيث يتوسع هيمنتها على العديد من المجالات التي ترتبط بحياة الناس وأفكارهم وقيمهم ومعتقداتهم.

 

محمد بن سلمان وإبستين: علاقات موثقة وغياب تام للمساءلة

كشفت الدفعات المتتالية من وثائق قضية جيفري إبستين عن شبكة علاقات واسعة ضمت سياسيين ورجال أعمال وأفرادًا من العائلات الحاكمة حول العالم. ومن بين الأسماء التي ظهرت في الوثائق ولي العهد السعودي محمد بن سلمان؛ إذ أظهرت مراسلات عام ٢٠١٦ أن إبستين أشار إلى هدية تلقاها منه بعد زيارة إلى السعودية، كما احتفظ بصورة تجمعهما في منزله بنيويورك. كذلك تشير التقارير إلى أن إبستين حاول التواصل مع شخصيات سياسية في الخليج خلال أزمات إقليمية لاحقة، ما يعكس سعيه للاقتراب من دوائر القرار والنفوذ الدولي. وظهرت أسماء كانت على علاقة بمحمد بن سلمان وتعمل في مكتبه وعلى مقربة منه، وأهم الأسماء التي وردت بإستمرار في المراسلات هو المستشار رأفت الصباغ وهو يشغل منصب مستشار في الديوان الملكي السعودي ويعمل كمتحدث رسمي لـ “مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية“. صدر أمر بتعيينه مستشاراً في الديوان الملكي في مايو ٢٠١٦، وقد ظهرت العديد من الإيميلات التي تؤكد وجود تواصل على المستوى بينه وبينه جيفري. وأما الشخصية الأخرى هي عزيزة الأحمدي، التي كانت تعمل في الديوان الملكي وهي حلقة وصل بين محمد بن سلمان وجيفري وأشرفت على ترتيب زيارة إبستين للرياض وترتيب لقائه مع محمد بن سلمان. كل هذه الوقائع لا تثبت تورطًا جنائيًا، لكنها تندرج ضمن نمط معروف في قضية إبستين: بناء علاقات مع أصحاب السلطة والنفوذ لاكتساب الشرعية الاجتماعية والحماية غير المباشرة. وقد حدث الأمر نفسه مع شخصيات غربية بارزة، حيث شملت الملفات رؤساء سابقين ورجال أعمال ومشاهير، مع تفاوت درجات العلاقة.

لكن الفارق الأهم ظهر في كيفية التعامل السياسي مع الفضيحة والجريمة البشعة التي كان يقوم بها جيفري ومن حوله. في بريطانيا مثلًا أدى ارتباط الأمير أندرو بإبستين إلى ضغوط إعلامية وقانونية كبيرة انتهت بتجريده من ألقابه الرسمية وانسحابه من الحياة العامة بعد اتهامات تتعلق بالاستغلال الجنسي، فضلاً عن إعلان اعتقاله وتوقيفه للتحقيق. أما في الحالة السعودية فلم يظهر نقاش أي تحقيق رسمي أو حتى توضيح سياسي يشرح طبيعة العلاقة، وبقي الأمر خارج المجال العام تقريبًا. هنا لا تكمن القضية في الإدانة القانونية، بل في المساءلة: الأنظمة التسلطية لا تحتاج إلى تقديم تفسير للرأي العام، لأن المجال العام نفسه خاضع لسيطرة السلطة. لذلك تتحول الواقعة من قضية عالمية ذات أبعاد أخلاقية إلى مجرد خبر عابر وكأن السلطة غير معنية أو متورطة في هذه الشأن، وهي سمة في الأنظمة التسلطية التي ليس لديها أي شفافية في التعامل مع الملفات السياسية، فضلاً عن تجاهل المجتمع في مكاشفته بالحقيقة، لأن السلطة تعتقد أنها ومن يعمل لها فوق القانون، لهذا دون وجود محاسبة ورقابة شعبية سوف تستمر الفضائح والجرائم التي سوف تكشف في مطلع الأيام القادمة، مع عدم وجود ردة فعل رسمية من السلطة.

خروج الملك في الإعلام أكثر من السابق

خلال شهر فبراير ازدياد واضح في ظهور سلمان بن عبدالعزيز في الإعلام خلال الفترة الأخيرة يحمل دلالات سياسية مهمة، رغم وضوح الصور التي تشير أن سلمان في مرحلة متقدمة من العمر حيث يبلغ ٩٠ عاماً. ظهر سلمان في عدد من الصور في اجتماع مجلس الوزراء، وكذلك صور عائلية وهو يجلس على كرسي طبي وتبدوا ملامح العمر واضحة. نستطيع نقول أن هذه الصور تشير إلى وجود رسالة مبطنة ورمزية إلى وجود سلمان ورسالة حول استقرار منظومة الحكم الملكية كما يتصور صاحب الفكرة، والذي هو في المقام الأساسي محمد بن سلمان والمبتعد عن الأضواء خلال الفترة الماضية إلا في ظهور رسمي في استقبال الرئيس المصري. لذلك يُحرص على إظهار رأس الدولة حتى إن كانت إدارة القرار الفعلي قد انتقلت إلى مستويات أخرى داخل السلطة. الصورة هنا تصبح أداة سياسية. هذا الحضور الإعلامي لا يعني بالضرورة عودة الدور التنفيذي لسلمان الذي هو عاجز عن فعل أي شيء في الواقع،  بل يعكس حساسية مسألة متوترة وهي انتقال السلطة إلى محمد بن سلمان. إذ تحاول الدولة تجنب أي نقاش عام حول انتقال السلطة أو الحالة الصحية. ظهور الملك على كرسي يوضح حدود القدرة الجسدية، وفي الوقت نفسه يحقق غرضًا معاكسًا: التأكيد أن الشرعية ما زالت متصلة بالشخص لا بالمؤسسة. لذلك يصبح اخراج سلمان للإعلام من فترة إلى أخرى هو عمل مقصود كمؤشر على إدارة الاستقرار، حيث تُستخدم الرمزية أكثر من السياسة في هذا المشهد، وخصوصاً أننا نعلم من التاريخ أن هناك تنافس خفي بين أفرع الأسرة الحاكمة على السلطة، فضلا عن إقصاء علني لأمراء مثل أحمد بن عبدالعزيز ومقرن وغيرهم من أبناء عمومة محمد بن سلمان ممن قد يكونوا منافسين محتملين له.

 

اللغة العربية لغة رسمية

تم الإعلان عن مبادئ السياسة الوطنية للغة العربية في السعودية في هذا الشهر، وقد يبدو قرارًا بديهيًا، فالمجتمع أصلًا يتحدث بها، وهي لغة الجميع بلا استثناء، حتى أنه لا توجد أقليات لديها لغتها الخاصة، لكن الجديد هو إعلان سياسية وطنية بعد تفشي الحديث والكتابة بالإنجليزية في العديد من المناسبات والمؤتمرات التي تقوم بها السلطة، مما أثار حالة من الاستياء لدى شرائح واسعة من المواطنين مع كتابات نقدية حول هذا الخلل الهوياتي. وهذا الإعلان في حد ذاته ليس الغاية منه معالجة الازمة بشكل واقعي، لكن يحمل دلالة مهمة و انطباع ان السلطة تكترث لهذا النوع من الإشكاليات التي ان تم الإلتفات لها لا يكلفها شيء بل على العكس يعطي لها ميزة أنها تهتم وتحرس الهوية العربية خصوصا في ظل دعمها للخطاب الشعبوي. لهذا السلطة حين تُصدر قرارات من هذا النوع فهي لا تعالج مشكلة قائمة بقدر ما تعيد رسم صورة عن نفسها: دولة تحرس الهوية وتحمي الأصالة. في أوقات التحول السريع، يصبح التأكيد على اللغة وسيلة سهلة لبناء إجماع عاطفي، لأن اللغة أقل إثارة للخلاف من السياسة والاقتصاد، وأكثر قدرة على حشد التأييد العام دون نقاش معقد.

لكن توقيت هذه القرارات مهم. عادة ما يتصاعد خطاب الهوية حين تتعثر الملفات التنموية أو تزداد الضغوط الاقتصادية؛ إذ يصعب إقناع الناس بالأرقام، بينما يسهل مخاطبتهم بالرموز ودغدغة المشاعر حول الهوية اللغوية والدين وهو ما يبدو جلياً في ممارسات السلطة خلال هذا الشهر. لذلك يتحول النقاش العام من سؤال المعيشة والوظائف والفساد وتكاليف الحياة إلى سؤال الانتماء والأصالة. لا يعني هذا أن حماية العربية غير مهمة، بل إن استخدامها سياسيًا يمنح السلطة مساحة مريحة: بدلاً من مساءلتها حول الأداء الاقتصادي، يجري توجيه الانتباه إلى قضايا ثقافية بديهية لدى الجميع. وبهذا تصبح الهوية أداة تهدئة، وهذه الخطوة هي فرصة لضخ العديد من حملات العلاقات العامة في تأكيد اكتراث الدولة لهذا النوع من الإشكاليات وهو ما يغطي ويبعد الضوء عن إشكاليات القمع، الفقر، البطالة وغيرها، لهذا تحرص الدولة على تقديم نفسها كحارسة للقيم أكثر من كونها مسؤولة عن النتائج الملموسة في حياة الناس اليومية.

 

رفض رونالدو اللعب

في مطلع هذا الشهر تم تداول خبر حول امتعاض واعتراض اللاعب البرتغالي الذي يلعب لنادي النصر على سياسات صندوق الاستثمار الذي يزعم أنه يحابي نادي الهلال السعودي في إشارة لدعمه انتقال اللاعب الفرنسي بنزيما من الاتحاد إلى الهلال بمبلغ فلكي. الخبر تم تداوله على نطاق واسع كمؤشر على فساد منهجي في بنية النظام وفي قلبه وهو صندوق الاستثمار، الذي حاول طوال السنوات الماضية المراهنة على جلب نجوم كرة القدم إلى الدوري السعودي كتغطية جوهرية على الفساد والاستبداد وغسيل سمعة. انتشرت أخبار وتصاريح متضاربة حول امتناع اللاعب من العودة إلى الملاعب وأيضا احتمالية خروجه من السعودية، وهو ما يعكس فشل المشروع الرياضي الذي يقوم على المحاباة كانعكاس لطبيعة السلطة. لذلك تم فهم أن هذا الامتناع عن المشاركة كحدث سياسي-اقتصادي، لأن حضوره مرتبط بقيمة العقد الإعلامي أكثر من دقائق اللعب نفسها. في الدوريات العادية يُعد غياب لاعب قرارًا فنيًا، أما هنا فغيابه ينعكس على صورة مشروع كامل قائم على استقطاب النجوم لتسويق البلد رياضيًا وسياحيًا.

لهذا تكتسب الحادثة حساسية أكبر. استقدام رونالدو كان جزءًا من استراتيجية القوة الناعمة، أي استخدام الرياضة لتحسين الصورة الدولية وجذب الاستثمار. وعندما يظهر خلاف أو رفض أو حتى تلميح بعدم الرضا، فإنه يكشف هشاشة هذا النموذج: الاعتماد على الأسماء الكبيرة يخلق قيمة سريعة لكنه يظل رهينًا بمزاج الفرد وعلاقته بالإدارة. المشكلة ليست في لاعب غاب عن مباراة، بل في نموذج تسويقي يربط سمعة مشروع وطني بشخص واحد، وهو طبيعة النظام التسلطي الذي يفضل التعامل مع الأشخاص من خلال الاستقطاب والمحاباة وشراء الذمم سواء كان لاعب كرة قدم أو فنان أو شيخ أو عالم، فهذه الممارسات في الاستقطاب متكررة في مجالات متنوعة، وهي تعكس طبيعة النظام السياسي.

 

 

قرارات ملكية بإعفاء وتعيين بعض المسؤولين

تشير الأوامر الملكية الصادرة في فبراير إلى نمط معروف في إدارة الدولة، حيث تأتي القرارات دفعة واحدة وتشمل القضاء والاقتصاد والإدارة المحلية في وقت متقارب. هذا النوع من القرارات لا يُقدَّم عادة باعتباره استجابة لحدث محدد، بل كإعادة ترتيب داخلي للحفاظ على توازن السلطة واستمرارية الأداء. لذلك تُصاغ الأوامر بلغة مقتضبة تذكر التعيين أو الإعفاء دون شرح الخلفيات أو عرض تقييم رسمي للأداء. وبالنسبة للمتابع، فإن أهمية القرار لا تكون في نصه المختصر، بل في توقيته والأسماء التي يشملها، لأن تبديل المواقع العليا في جهاز مركزي يعكس تحولات داخل بنية الحكم أكثر مما يعكس تغييرًا إداريًا عاديًا.

 

أبرز من شملتهم أوامر فبراير:

إعفاء سعود بن عبدالله المعجب من منصب النائب العام وتعيين خالد بن محمد اليوسف نائبًا عامًا.

إعفاء خالد بن عبدالعزيز الفالح من وزارة الاستثمار وتعيين فهد بن عبدالمحسن السيف وزيرًا للاستثمار.

تعيين راكان بن سلمان بن عبدالعزيز محافظًا للدرعية.

تعيين علي بن أحمد الأحيدب رئيسًا لديوان المظالم.

نقل هيفاء بنت محمد آل سعود من منصب نائب وزير السياحة إلى مستشارة.

نقل بندر بن مشاري آل سعود من موقعه في وزارة الداخلية إلى مستشار.

يسعى محمد بن سلمان في كل فترة على إعادة ترتيب المناصب وفق مزاجه الخاص، حيث القرارات للمناصب لدى محمد بن سلمان هي بالمقام الأول مكافآت والعزل هو نوع من العقاب أو تقليل الثقة، ربما لم يكن في تاريخ الدولة هذا الكم من التغيرات التي تطال مسؤولين حكومين بهذه الوتيرة، وهو ما يعكس طبيعة الفوضى التي يخلقها محمد بن سلمان في إدارة الدولة، فهو الآمر الناهي لكل شيء، ولا محاسبة أو مساءلةلماذا تم تعيين فلان أو إقالة فلان، فهو يتصرف كأن الدولة ملكية شخصية له. من أهم الشخصيات التي تم إعفائها هو سعود المعجب من موقعه القضائي الحساس ثم تعيينه مستشاراً، والذي لعب دور جوهري في ترتيب الملف القضائي بعد جريمة اغتيال جمال خاشقجي، لهذا خروجه من المنصب لا يعني محاسبة، كما لا يعني استمرارًا كاملًا؛ هو إخراج هادئ من موقع القرار. ويمكن إعتبار المنصب القضائي في السعودية ليس وظيفة عدلية فحسب، بل جزء من صورة الدولة، ولذلك حين يتغير صاحبه لا يُشرح السبب للرأي العام. التغيير يتم بصيغة أمر ملكي مختصر بلا رواية رسمية مرافقة.

أما حالة خالد الفالح فهي مختلفة قليلًا. الرجل كان أحد وجوه السياسات الاقتصادية الكبرى، وحين يتحدث مسؤول اقتصادي رفيع عن انخفاض جدوى بعض المشاريع فهو لا يقدّم رأيًا شخصيًا، بل يلمّح إلى مشكلة داخل نموذج التخطيط نفسه. لذلك جاء الإعفاء مع إبقائه وزير دولة: لا إدانة علنية ولا استمرار في الملف ذاته خصوصا أن الكلمة كانت ارتجالية في مؤتمر أقيم في الرياض، وعزله من منصبه وتعيينهكمستشار هو مؤشر على طبيعة السلطة التي تتصرف بالوظائف الأساسية كأنها ملكية شخصية، لهذا الدولة لا تقول إن المشروع خطأ، بل تغيّر الشخص المرتبط به. هكذا تنتقل المسؤولية من السياسة إلى الأفراد. في حين أن المواطن لا يسمع اعترافًا بوجود خلل اقتصادي من قبل مسؤول حكومي، بل يشاهد تبديل الوجوه. والنتيجة أن النقاش العام لا يتجه نحو تقييم القرارات وطرح مراجعات ومكاشفات مع المجتمع لما حدث وكيف يؤثر هذا على مستقبل الاقتصاد والتنمية. بهذه الطريقة يُدار القلق: يُستبدل المسؤول، بينما تبقى السياسة بلا مساءلة، فيشعر الناس أن هناك حركة في الدولة، لكن دون أن يعرفوا ماذا تغيّر فعليًا في حياتهم اليومية.

 

 

تقرير منظمة الشفافية العالمية

صدر تقرير مؤشر مدركات الفساد لعام ٢٠٢٥ في أواخر يناير ٢٠٢٦، وتشرف عليه منظمة  Transparency International، وهي شبكة دولية غير حكومية مقرها برلين تعمل منذ تسعينيات القرن الماضي على قياس الشفافية والحوكمة في القطاع العام عبر تجميع بيانات من مؤسسات بحثية وخبراء اقتصاديين وقانونيين. يُستخدم التقرير عالميًا كمؤشر مرجعي لدى المستثمرين والبنوك ومؤسسات التنمية، لأنه لا يقيس القضايا القضائية المباشرة، بل مستوى الثقة في نزاهة المؤسسات وطبيعة عملها. يُعد تقرير مؤشر مدركات الفساد الصادر عن Transparency International من أهم الأدوات العالمية لقياس مستوى الفساد في القطاع العام. يعتمد المؤشر على تجميع بيانات من خبراء ورجال أعمال ومؤسسات بحثية، ويمنح كل دولة درجة من ١٠٠؛ كلما ارتفعت الدرجة كان الإدراك العام لنزاهة المؤسسات أقوى. في أحدث إصدار، حصلت السعودية على نحو ٥٢ من ١٠٠ وجاءت في مرتبة متوسطة عالميًا (في النطاق الذي يضم دولًا لا تُصنَّف ضمن الأنظمة الأكثر شفافية ولا ضمن الأسوأ). أهمية التقرير لا تكمن في الترتيب فقط، بل في كونه مقياسًا لثقة الفاعلين الاقتصاديين في استقلال القضاء وفاعلية الرقابة وحرية الإعلام. وعلى خلاف التوقعات والرسائل التي تتشدق بها السلطة، أنها في السنوات الماضية قضت على الفساد من خلال أدوات حوكمة ورقابة، يأتي ترتيب السعودية في درجة متدنية، حيث لا يمكن أن تترقى السعودية في سلم المؤشر أكثر من هذا، لأن طبيعة الكيان السياسي قائم بالاسم على نظام ملكي، وهو ما يجعل هناك خلل جوهري في موضوع الشفافية فضلاً عن المحاسبة. لهذا من المستحيل أن تصعد كيانات ذات طابع تسلطي، حتى لو طورت منظومة رقمية إلكترونية للمعاملات العامة، التي لا تعدوا كونها إلا هوامش وليست جوهر في ممارسة الشفافية.

لذلك فإن بقاء التقييم في المنطقة المتوسطة يعني أن الثقة الدولية ما زالت ترى فجوة بين الخطاب والإطار المؤسسي. الشفافية الحقيقية تحتاج إلى فصل سلطات، وقضاء مستقل، وصحافة قادرة على التحقيق بلا خوف وهو يعتبر أمر بعيد المنال في ظل وجود حكم ملكي تسلطي.

صرف أكثر من ثلاث مليارات ريال معونة شهر رمضان على شكل مكرمة

تم الإعلان عن صرف أكثر من ثلاث مليارات ريال تحت مسمى مكرمة رمضان، وهو ما يندرج ضمن سياسات التحويلات النقدية قصيرة الأجل. الأثر المباشر إيجابي من حيث تخفيف ضغط الإنفاق الموسمي، لكن طريقة التأطير تكشف دلالة أعمق. فالمبلغ لا يأتي ضمن برنامج الضمان الاجتماعي المستقر بقواعد واضحة، بل عبر قرار استثنائي يصدر دوريًا، ما يجعله أقرب إلى منحة سياسية منه إلى استحقاق اجتماعي. تسمية المكرمة نفسها تؤكد هذا المعنى؛ كأن المال العام منة من السلطة على الشعب، حيث جرى تضخيم هذا القرار من قبل حملات العلاقات العامة من التابعة للسلطة. يتزامن هذا القرار مع مؤشرات اجتماعية لافتة، أبرزها شكاوى متكررة من تقليص المستفيدين من برامج الضمان الاجتماعي واشتداد كلفة المعيشة بسبب التضخم المالي. هنا يظهر التوقيت مهمًا؛ فالتحويل النقدي السريع يُستخدم لخفض التوتر الاجتماعي أكثر من معالجة جذور المشكلة. بدل توسيع شبكات الأمان الدائمة أو تعديل سياسات الدخل والعمل، يجري تقديم دعم استثنائي سريع الأثر. لذلك يمكن فهم القرار كأداة إدارة مزاج عام: يمنح أثرًا ملموسًا وفوريًا ويؤجل النقاش حول الفقر واللامساواة وتوزيع عادل للثروة. وللأسف أن هناك العديد من المؤشرات التي تؤكد تقلص الطبقة الوسطى وارتفاع عدد المحتاجين بسبب سياسات الدولة التي تتجاهل الاكتراث لجوهر الفقر وأصوله في طبيعة النظام الحالي. حتى لو أنفقت الدولة معونة مالية لشهر رمضان، فهذا لا يعني أنها حلت الإشكال المالي الذي تعاني منه العديد من الأسر السعودية، حيث أن هناك أساسيات تجعل الأزمة مستمرة، وأهمها، عدم وجود مساكن للمواطنين وصعوبة، بل استحالة تملك الفقراء للمنازل في ظل احتكار الأراضي وبإشراف رسمي، أيضا عدم تعديل سلم الرواتب لموظفي الحكومة، حيث انه عندما يتقاعد الموظف يختفي ثلث الراتب بسبب أن مكونات راتب السعودي اغلبه بدلات. لهذا لا يوجد اكتراث رسمي للتوقف عند وضع حلول جوهرية لحل أزمة الفقر.

لقاء الأمير وليام بالفتيات السعوديات: انفتاح للعرض أم تغيير حقيقي؟

تم استقبال الأمير وليام، أمير ويلز ولقاؤه بعدد من الفتيات السعوديات قُدِّم إعلاميًا بوصفه مؤشرًا على التحول الاجتماعي والانفتاح الثقافي. من حيث الشكل، الحدث يخدم تحسين صورة السعودية، وهو يعكس أن الحدث مرتب له، لكن يبدو أنه عفوي للوهلة الأولى. لهذا من خلال هذه الزيارة يتم نقل رسالة إلى الخارج مفادها أن المجتمع يتغير وأن حضور المرأة في الفضاء العام أصبح جزءًا من الحياة اليومية. اختيار شخصية ملكية بريطانية يضيف بعدًا رمزيًا مهمًا، لأن بريطانيا تُعد مرجعًا إعلاميًا مؤثرًا لدى الجمهور الغربي، وبالتالي تتحول الزيارة إلى منصة عرض أكثر منها لقاءً بروتوكوليًا عاديًا.

لكن القراءة الأعمق تشير إلى وظيفة مختلفة. هذا النوع من الفعاليات يركز على مشاهد اجتماعية محددة وسهلة التلقي، ويُقدَّم باعتباره دليلًا على تقدم شامل، رغم أن التغيير الاجتماعي الحقيقي يُقاس بالمؤسسات والحقوق الدائمة لا بالفعاليات الرمزية. لذلك يُفهم الحدث كجزء من إدارة السمعة الدولية: إبراز صور اجتماعية إيجابية يخفف الضغوط الحقوقية ويعيد تشكيل الانطباع الخارجي بسرعة أكبر من الإصلاحات القانونية البطيئة. بعبارة أخرى، اللقاء يحقق أثرًا فوريًا في الرأي العام العالمي، لكنه لا يجيب بالضرورة على الأسئلة المتعلقة ببنية المشاركة العامة أو مساحة التعبير، فيصبح الانفتاح هنا صورة مُدارة بعناية أكثر منه تحولًا مؤسسيًا مكتملًا.

إلى جانب ذلك، يظهر خطاب تمكين المرأة كأحد أهم عناصر السردية الرسمية الحديثة. غير أن التجربة العملية تكشف تناقضًا واضحًا: توسيع حضور المرأة اجتماعيًا لا يعني بالضرورة توسيع قدرتها على التعبير أو التنظيم العام. فقد شهدت السنوات الماضية توقيف عدد من الناشطات المرتبطات بقضايا الحقوق المدنية، من بينهن لجين الهذلول، إيمان النفجان، عزيزة اليوسف، سمر بدوي، ونسيمة السادة. المنظمات الحقوقية الدولية تحدثت عن احتجاز مطول ومحاكمات مرتبطة بالنشاط العام، وطرحت اتهامات بسوء المعاملة داخل السجون. لذلك يبدو أن حدود المشاركة ليست قانونية بقدر ما هي سياسية؛ فالمرأة، مثل الرجل، تستطيع الاستفادة من الانفتاح الاجتماعي ما دامت داخل الإطار المسموح، أما تجاوزه فيُعامل باعتباره قضية أمنية. هكذا يصبح تمكين المرأة انتقائيًا: حضور اجتماعي وإعلامي واسع، مقابل مجال عام مقيد، حيث تُستخدم صورة التقدم لإظهار التحول، بينما تبقى مساحة الفعل المدني محدودة.

انتقال العربية للرياض

انتقال قناة العربية إلى الرياض بعد سنوات من العمل في دبي قُدِّم رسميًا بوصفه خطوة تنظيمية مرتبطة بتوسّع النشاط الإعلامي داخل السعودية، لكن دلالته تتجاوز الإطار الإداري. فالقنوات الإخبارية الكبرى لا تعمل كوسيط نقل خبر فقط، بل كمنتج للرواية السياسية. وجود القناة خارج العاصمة كان يمنحها طابعًا إقليميًا أوسع ومسافة نسبية عن مركز القرار، بينما انتقالها إلى الرياض يقرّبها مباشرة من بيئة الحكم وصناعة السياسات. بهذا المعنى يصبح المقر جزءًا من بنية الرسالة؛ فالمؤسسة الإعلامية حين تتمركز داخل العاصمة السياسية تتحول تدريجيًا إلى عنصر من عناصر السياسة العامة لا مجرد منصة إعلامية مستقلة نسبيًا.

كثير من النقاد كانوا يرون سابقًا أن عمل القناة من دبي جعلها واقعة ضمن التوازنات الإعلامية الإماراتية، وأنها لم تكن تعكس بالكامل أولويات الرياض. لذلك يُفهم نقلها اليوم باعتباره محاولة لإنهاء هذا الالتباس، ووضع الخطاب الإعلامي تحت إشراف أقرب إلى مركز القرار السعودي. الهدف ليس فقط إدارة البث، بل ضبط السردية وتوحيد الرسائل السياسية في القضايا الإقليمية والدولية. فالمرحلة الحالية تقوم على جعل العاصمة مركزًا لكل أدوات النفوذ: الاقتصاد، الدبلوماسية، والإعلام. لذلك يُقرأ الانتقال بوصفه خطوة لإعادة هندسة المجال الإعلامي بحيث يصبح المحتوى أكثر اتساقًا مع التوجهات الرسمية، لا عبر أوامر مباشرة بالضرورة، بل عبر القرب المؤسسي اليومي من دوائر صنع القرار.

خاتمة

في ختام هذا التقرير نجد أن المسألة لا تتعلق بحادثة هنا أو تصريح هناك، بل بنمط إدارة متكرر: الدولة تتحرك كثيرًا، لكن من دون قواعد واضحة تسمح للناس أن يفهموا لماذا وكيف تُتخذ القرارات، ومن يتحمل مسؤوليتها. في الخارج، الخلاف مع الإمارات لا يُدار فقط عبر السياسة الهادئة، بل بدأ يأخذ شكلًا إعلاميًا أكثر حدّة، يُستخدم فيه الخطاب الشعبوي والإيحاءات الكبرى لتعبئة المزاج العام. وفي اليمن تظهر الرسائل المالية كأداة نفوذ واستقرار، لكن بلا ضمانات علنية حول آليات الصرف، أو النتائج، أو حدود الالتزام.

وفي الداخل، أرقام العجز والدين العام لا تصبح خطرة لأنها كبيرة فقط، بل لأنها تأتي في سياق إدارة اقتصادية لا تمر عبر رقابة مؤسسية حقيقية. عندما تُقرر المشاريع العملاقة وتُجمَّد وتُعاد صياغتها وفق مزاج الدائرة الضيقة، يصبح الاقتصاد رهينة “التجربة والخطأ” بدل أن يكون نتاج تخطيط طويل المدى. وحين تتكرر الإعفاءات والتعيينات بأوامر مختصرة بلا تفسير، لا يبقى أمام المجتمع سوى الشائعات والتأويل، لأن الدولة لا تقدم رواية شفافة ولا تسمح بنقاش عام آمن حول الأداء.

ومن هنا نفهم أيضًا توظيف الرموز: مكرمة رمضان، دعوة المفتي للتبرع، قصر الفتوى، تكثيف صور الملك، احتفالات الهوية واللغة، وحتى ملفات الرياضة والزيارات الأجنبية كلها قد تُنتج أثرًا سريعًا في الصورة، لكنها لا تعالج سؤالًا بسيطًا يهم الناس: من يراقب؟ من يسأل؟ من يحاسب؟

التوثيق هنا ليس ترفًا ولا تسجيلًا للتاريخ فقط. هو عمل جوهري في بنية أي محاولات للسعي نحو الديمقراطية، لأنه يكشف ما تحاول الأنظمة التسلطية أن تُبقيه مبهمًا: طريقة صنع القرار، وحدود المال العام، ومنطق إدارة الإعلام والدين والرمز. ومع تراكم التوثيق، يصبح الدفع نحو الشفافية ممكنًا: رقابة شعبية، أجهزة رقابية مستقلة، إعلام قادر على التحقيق، وبرلمان منتخب يراجع الميزانيات ويوقف القرارات الارتجالية. بدون هذه الأدوات، ستظل السياسة تُدار كملكية خاصة، وسيظل المواطن متلقيًا لا شريكًا.

 

لقراءة كامل التقرير بنسخه بي دي إف

شاركـــــها