التقرير الشهري حال السعودية شهر أكتوبر ٢٠٢٥

مقدمة

يهدف هذا التقرير إلى تقديم رصد وتحليل نقدي لأبرز الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية خلال شهر أكتوبر من عام ٢٠٢٥ مع التركيز على تقييم سلوك النظام السعودي وسياساته. التقرير يُسلط الضوء على التناقضات بين التوجهات المعلنة والسياسات الفعلية، وتأثيرها على القضايا الإقليمية والدولية. تم إعداد التقرير بالاستناد إلى مصادر متنوعة، تشمل وكالات أنباء محلية ودولية، وتقارير منظمات دولية، وتحليلات خبراء. في هذا التقرير، نسلط الضوء على هذه التناقضات من خلال قراءة نقدية لأبرز التحركات الدبلوماسية، والانتهاكات الحقوقية، والسياسات الاقتصادية، مدركين أن أي تحليل رصين لا بد أن ينطلق من الواقع، لا من ادعاءات السلطة، ومن مصالح الناس، لا من سرديات الأجهزة الرسمية.

تدخل المملكة العربية السعودية اليوم مرحلة أكثر تعقيداً من أيّ وقتٍ مضى في تاريخها الحديث، حيث تتقاطع التحوّلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع استمرار في انتهاكات حقوق الإنسان وتآكل مؤسسات الدولة المستقلّة. ففي الوقت الذي تسعى فيه السلطة إلى رسم صورة تحديثية متقدّمة من خلال إطلاق مشاريع كبرى وجامعات جديدة ومؤتمرات استثمارية دولية، تتسع الهوّة بين هذا الخطاب الترويجي وبين الواقع المعيشي والسياسي الذي يعيشه المواطن السعودي. إذ إنّ الممارسات القمعية بحقّ المعارضين والمدافعين عن الحقوق، كما في حالة الناشط الإصلاحي محمد البجادي الذي أعيدت محاكمته بصورة تعسفية وصدر بحقه حكمٌ إضافي بالسجن خمساً وعشرين سنة، تكشف عن حالة العدالة المفقودة والظلم السائد، وغياب كامل لاستقلال القضاء.

وفي موازاة ذلك، تتواصل الإعدامات بوتيرةٍ مقلقة، حيث تجاوز عددها ثلاثمائة حالة هذا العام وحده، ما يعكس رسوخ ثقافة العقاب ورفض الحوار أو التسوية وحتى التحقيقات التي تتم في أجواء تتسم بالعنف والتعذيب. أما على الصعيد المؤسسي، فإنّ التعيينات الدينية والسياسية الأخيرة – وفي مقدّمتها تعيين الشيخ صالح الفوزان مفتياً عاماً – تؤكد استمرار توظيف المؤسسة الدينية لتبرير القمع وتحصين النظام من النقد، في سياق إعادة إنتاج شرعية تقليدية ذات طابع تسلطي. وفي الجانب الاقتصادي، يتجلّى الانكشاف الحقيقي في انهيار وتراجع مشروع “نيوم” الوهمي عن وعوده الأولى، وتفاقم البطالة، وتزايد مؤشرات العجز المالي رغم الخطاب الرسمي حول التنويع الاقتصادي، في ظل غياب تام لآليات واقعية تتسم بالشفافية والمصداقية حول الأرقام والمداخيل والديون.

تستمر الدولة السعودية اليوم في إعادة تشكيل صورتها الخارجية أكثر من سعيها لبناء عقد اجتماعي داخلي جديد، ما يجعلها مثالاً صارخاً لما يمكن تسميته بـ”الحداثة السلطوية”؛ دولة تستثمر في المظهر وتخنق الجوهر، تتحدث عن المستقبل وهي تعتقل الحاضر، وتقدّم الترفيه والعمارة كبديلٍ عن الحرية والكرامة. ومن هذا المنطلق، فإنّ فهم الحالة السعودية الراهنة لا يقتصر على توصيف الوقائع، بل يتطلّب تحليل المنظومة الكامنة خلفها: بنية حكم ملكي وراثي مزمن ويعيش صراع داخلي صامت، فضلاً عن طبيتها التسلطية المغلقة التي ترفض الإصلاح الجادّ وتتعامل مع الحقوق كامتيازٍ يُمنح لا كحقٍ يُكتسب، ومع المجتمع كجمهورٍ يُدار لا كمواطنين يُشاركون في تقرير مصيرهم.

مؤتمر الرؤية الشعبية

نظّمّت مبادرة الرؤية الشعبية للإصلاح مؤخرًا مؤتمرها السنوي تحت عنوان «الشعب أولاً» في مدينة واشنطن، بمشاركة ناشطين وأكاديميين سعوديين وعرب من الخارج، مع زيارة لاحقة لمقر الكونغرس الأمريكي تمّ خلالها عرض ملف حقوق الإنسان والإصلاح السياسي في المملكة. وتركّزت الجلسات على ثلاثة محاور رئيسية: أولاً – مبدأ السيادة الشعبية والمشاركة السياسية، ثانياً – حالة الحريات الإعلامية والمدافعين عن حقوق الإنسان، وثالثاً – آليات العلاقة بين المجتمع المدني الخارجي والمؤسسات الدولية. وشارك في المؤتمر عدد من الشخصيات الوطنية الإصلاحية. حسب بيان للمتحدث الرسمي، فإن المؤتمر حقّق حضوراً واسعاً ومشاهدات مكثّفة عبر المنصّات الرقمية، وهو ما يعكس تزايد الاهتمام السعودي الداخلي وديناميكية النخب السعودية المغتربة في فضاء المعارضة والمطالبة بالإصلاح.

وفي اليوم التالي قام وفد سعودي بزيارة إلى الكونغرس، قدّم الوفد السعودي إحاطة رسمية لعدد من أعضاء اللجان المعنيّة بالعلاقات الخارجية وحقوق الإنسان، طالب خلالها بالإفراج عن معتقلي الرأي وإطلاق المبادرات التشريعية التي تضمن حصانة للمدافعين عن الحقوق وضمان حرية التعبير والمشاركة السياسية. وقد أُشير إلى أن ما يزيد على ثلاثين عضواً وقعوا سابقاً رسالة في هذا الصدد. يمثّل هذا المؤتمر وهذه الزيارة انعطافه أساسية في الجمع بين البعد المعارض الداخلي والخارجي، ويمنح المعارضة السعودية منصة دولية للتعبير عن مطالبها ضمن سياق تغيّر صاعد. ويبقى التحدّي الحقيقي: مدى قدرة هذا الحراك على تحويل الزخم الدولي إلى ضغوط ملموسة داخل الوطن، وإلى تغيير فعلي في آليات الحكم والسياسات.

 

حالة حقوق الإنسان

 

الحكم على البجادي بمدة إضافية ٢٥سنة: مددت السلطات السعودية الحكم على الناشط الإصلاحي محمد البجادي بمدة إضافية ٢٥ سنة.  حيث ذكرت منظمة القسط “أعادت المحكمة الجزائيّة المتخصّصة في السعوديّة، في ٢٧ أكتوبر٢٠٢٥، محاكمة المدافع المخضرم عن حقوق الإنسان محمد البجادي، وحكمت عليه بالسجن لمدة ٢٥ عامًا إضافيّة، رغم أنه محتجز منذ أكثر من عامين بعد انقضاء مدّة حكمه السابقة” وصدر بحقّه لاحقًا حكم بالسجن عشر سنوات، نُفِّذ نصفها فقط بعد تعليق تنفيذ الخمس السنوات المتبقيّة، وانتهت فترة محكوميّته في أبريل 2023. غير أنّه، وبعد مرور أكثر من عامين على انقضاء مدّته القانونيّة، ما يزال رهن الاحتجاز في سجن بريدة، محرومًا من حقّه في الحصول على تمثيل قانوني، وقد أفادت تقارير موثوقة بتعرّضه لسوء المعاملة داخل المعتقل، شملت التعذيب والاحتجاز الانفرادي المطوّل وحرمانه من التواصل مع العالم الخارجي. وبهذا الحكم الصادم يتضح أن الدولة تستهتر بحياة وحقوق المواطنين. حيث أن البجادي يُعَدّ من أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في المملكة العربيّة السعوديّة، وأحد المؤسّسين لجمعيّة الحقوق المدنيّة والسياسيّة (حسم) عام ٢٠٠٩، وهي الجمعيّة التي حظرتها السلطات لاحقًا. وقد تعرّض البجادي للاعتقال والسجن ثلاث مرّات بسبب نشاطه السلمي ومواقفه الداعية إلى احترام الحقوق والحريّات العامّة، كان آخرها في الرابع والعشرين من مايو عام ٢٠١٨، في سياق الحملة الواسعة التي استهدفت المدافعين والمدافعات عن حقوق المرأة.

إعدامات مستمرة:

 

إعدام الدرازي: أقدمت السلطات السعودية على تنفيذ حكم الإعدام بحق الشاب عبدالله بن محمد الدرازي بتهمة ارتكاب جرائم إرهابية وتأسيس تنظيم إرهابي. وأشارت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان عن هذا الإعدام هو “رقم ٣٠٠ في ٢٠٢٥ والإعدام ١٨٨٥ منذ تولّي الملك سلمان الحكم. هذه الإعدامات تمثل الوجه الحقيقي للسلطات السعودية، حيث لا يمكن الوثوق بالوعود الرسمية أو التصريحات السياسية التي تزعم الإصلاح، خاصة أنه مقابل هذه التصريحات واقع يتسم بانعدام الشفافية، وغياب التعاون مع الآليات الدولية لحقوق الإنسان، وتجاهل المطالبات الحقوقية المتكررة.

إعدام جمال آل مبارك: أقدمت السلطات السعوديّة أيضًا على إعدام جمال بن عبد الله بن محمد آل مبارك، متذرّعةً باتّهامه بارتكاب جرائم إرهابيّة، وانضمامه إلى تنظيم خارجي يُزعم أنّه يستهدف أمن المملكة وسلامتها. غير أنّ هذا الإعدام يثير قلقًا بالغًا في الأوساط الحقوقيّة المستقلّة، التي ترى فيه استمرارًا لنهجٍ سلطويٍّ يوظّف تهم الإرهاب كغطاءٍ لتصفية المعارضين والناشطين أو إسكات الأصوات الناقدة. ففي ظلّ غياب محاكمات عادلة وشفافيّة قضائيّة، يصبح الحديث عن العدالة مجرّد شعار يُستخدم لتبرير العنف الرسميّ، لا لتكريسه.

إنّ تكرار مثل هذه الإعدامات السياسيّة يكرّس ثقافة الخوف ويقوّض أسس الثقة بين الدولة والمجتمع، ويبعث برسالة قمعٍ لا إصلاح. فالدولة التي تخشى الكلمة الحرة وتواجهها بالمقصلة، إنما تعلن عن ضعف شرعيّتها لا عن قوّتها. ومن منظورٍ حقوقيّ وإنسانيّ، فإنّ الحقّ في الحياة لا يجوز المساس به إلا وفق معايير العدالة والمساءلة، لا وفق مقتضيات الولاء والطاعة، إذ لا أمن حقيقيّ بلا عدل، ولا استقرار دائم في ظلّ الخوف والتسلّط.

استمرار معاناة مستفيدي الضمان

رغم الفوائض المالية التي تزعم الدولة أنها تحققها كما جاء في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار الأخير، وإضافة إلى وصفها إحدى أكبر الدول المصدّرة للنفط في العالم، تتكشف أزمة متنامية تمس آلاف الأسر من مستفيدي نظام “الضمان الاجتماعي المطوّر”، وهي أزمة تمس شرائح واسعة من المعوزين من كبار السن والنساء والفقراء مما يكشف فساد مريع في توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية. فالمفارقة المؤلمة أن دولة تُعلَن فيها مشاريع بمليارات الدولارات في مجالات الترفيه والمدن المستقبلية والذكاء الاصطناعي بمليارات الدولارات، بينما تُوقف فيها إعانات الفقراء أو تُعلّق لأسباب تزعم أنها بيروقراطية أو تقنية، ما يكشف عن خلل جوهري في تعامل السلطة وتحديد ما هي الأولويات العامة لها في الإنفاق العام.

المعاناة التي يعيشها مستفيدو الضمان ليست مجرد مشكلة إدارة بيانات أو خلل مؤقت في النظام الرقمي، بل تعبّر عن نظرة اقتصادية ترى الفقر كـ”خلل فردي” لا كنتاج بنية اجتماعية واقتصادية غير عادلة. فالمواطن الذي يُستبعد من الدعم لأنه لم يُحدّث بياناته في منصة إلكترونية، أو لأن راتبه الزهيد تجاوز الحدّ المانع ببضع ريالات، هو ضحية سياسة ترى الفقراء من منظور الشك لا الاستحقاق. للأسف أن صانع القرار والمؤسسة المشرفة على الضمان الاجتماعي تُصرّ على فرض آليات رقابة دقيقة على هذه الإعانات البسيطة، بينما تغيب الشفافية عن الإنفاق الحكومي الواسع ومشروعات الصناديق السيادية، في ازدواجية صارخة بين الصرامة تجاه الضعفاء والتساهل مع النخب التي تنفق المال العام بلا حسيب أو رقيب. إن تأخر أو انقطاع إعانة لا تتجاوز بضع مئات من الريالات يعني في واقع الأسر الفقيرة حرماناً من الدواء والغذاء والتعليم، ويقوّض الثقة الاجتماعية في مؤسسات الدولة.

الأزمة الحالية إذن ليست مالية، بل سياسية وأخلاقية، تعكس أولويات غير متوازنة في إدارة الثروة الوطنية. كيف يمكن تبرير صرف الدولة للاعب واحد مثل كريستيانو الذي وقع معه ب٢٤٤ مليون دولار بما يعادل ٤٫٦٧ مليون دولار في الأسبوع. كيف يمكن فهم كل هذه المصروفات الترفيهية على لاعب واحد فقط؟ لهذا فالدعم الاجتماعي ليس منّة حكومية بل حقّ للمواطن في دولة ريعية تجمع عوائد النفط من ثروته الجماعية. وإصلاح هذا الخلل لا يكون عبر “تحديث المنصات”، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أسس من العدالة والمساءلة والمشاركة، بحيث تُوجّه الثروة الوطنية نحو الإنسان لا نحو الاستعراض والمشروعات غير المنتجة. وهذه الأموال ليست منه من السلطة على الشعب بل هي أموال مستحقة للشعب، فمعظم المستحقين هم مواطنين معوزين ولا طاقة لهم بسبب ظروف الحياة الصعبة التي يعيشونها. ومع كل هذا الألم لا توجد بيانات واضحة حول عدد المستفيدين من الضمان ولا عدد المتضررين، وكل هذا وسط تجاهل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عن التصريح أو التعليق حول هذه الأزمة إلى وقت صدور هذا التقرير.

أزمة البطالة وفصل موظفي شركة السيف الأمنية:

انتشر مؤخراً خبر فصل أكثر من ١٠٠٠ موظف من شركة السيف الأمنية، وهناك غضب في شبكات التواصل الاجتماعي من قبل المتضررين والمتعاطفين معهم بأن الشركة -دون سابق إنذار- فصلت عدد كبير من الموظفين. في هذا الجزء من التقرير نحاول نفهم ماهية هذه الشركة. هذه الشركة ظاهرياً هي مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، لكن يعرف الجميع أنها ملك لمحمد بن سلمان، حيث أن هذه الشركة تأسست كشركة حراسات أمنية، وهي استحوذت على جميع المشاريع التي تشرف عليها الدولة وتحتاج حراسة، من الحرمين إلى المشاريع الترفيهية. لكن الكارثة الكبرى هي في طبيعة توظيف هذه الشركة، حيث ومن غير المفهوم والمستوعب أن الشركة تشترط على الراغبين بالعمل دفع رسوم ٢٠٠٠ ريال لتدريب غير المشروط بالتوظيف، بالإضافة إلى حصول الشركة على نصف راتب الموظف كدعم حكومي لمدة سنتين. رغم الأرقام الرسمية غير الموثوقة التي تشير إلى معدل بطالة منخفض نسبياً، فإن الواقع على الأرض في المملكة العربية السعودية يحكي قصة مختلفة. ذكرت صحيفة Financial Times أن هناك فجوات تنموية كبيرة بين العاصمة وبقية المناطق، حيث ترتفع معدّلات البطالة والاعتماد على الوظيفة الحكومية أو الامتيازات، فيما يشهد القطاع الخاص نموّاً ضعيفاً وغير قادر على امتصاص الأعداد المتزايدة من الخريجين. على الرغم من أزمة البطالة في السعودية مشاهدة ومحسوسة من قبل الجميع هناك انكار وتجاهل رسمي حكومي، لأن الدولة تعتقد أن هذه المشكلة لا تستحق الاهتمام وهذا ما يعبر عنه سلوكها في تجاهل صانع القرار للاكتراث بهذه المشكلة الجوهرية، وهو يعود لسبب أساسي أن المواطن لا يشكل أولوية لدى السلطة الحاكمة.

لكن ما هي أسباب أزمة البطالة: ويبدو أن سبب الأزمة مزدوج: أولاً: التحوّل الهيكلي السريع الغير مدروس نحو الاقتصاد المعتمد على التقنية والمشاريع الضخمة، يجعل الطلب على توظيف السعوديين يقلّ، ما يترك شريحة واسعة من الخريجين والباحثين عن العمل بلا عمل. ثانياً، ضعف التنسيق بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، وعدم كفاية البرامج الفعلية لإعادة التأهيل المهني بشكل شامل، يجعل الكثيرين في وضع إما الحصول على وظيفة ضمن شروط أقلّ أو لا وظيفة. ثالثاً: كل ما سبق هو شيء من آثار الخصخصة التي تقوم بها الحكومة السعودية للقطاعات الحكومية، من تقليص متسارع لهياكل المؤسسات الحكومية مما آل إلى خروج الكثير من المواطنين من وظائفهم. رابعاً: تلاشي المشاريع والوظائف من أغلب المدن وتمركزها في العاصمة الرياض، يجعل من البحث عن عمل في المدن الصغيرة شبه مستحيل.

أما المخاطر المحتملة فهي واضحة: أولاً، الشعور بعدم الإنصاف حتى الوظائف الحكومية لم تعد الملاذ الآمن لأنه استراتيجية الحكومة القضاء على معظم القطاعات الحكومية وتحويلها إلى هيئات بعقود سنوية، ما قد يؤدي إلى توتر اجتماعي بين الأجيال الشابّة التي ترى أن خيارها في القطاع الخاص مغلق أو شبه مغلق. ثانياً، استمرار تركز الوظائف عالية القيمة في المدن الكبرى وتركيز المشاريع في أماكن محدودة يفاقم الفوارق الإقليمية ويهدّد الالتزام بـ”عقد اجتماعي” جديد مبني على تكافؤ الفرص. ثالثاً، إذا لم يزد حجم القطاع الخاص المنتج للوظائف، قد يتكدّس الاحتياطي الوظيفي تحت مظلة البطالة أو الوظائف غير الرسمية، ما ينعكس على الاستهلاك والرضا الشعبي ويضع ضغوطاً على الإنفاق العام. خلاصة القول: البطالة في السعودية ليست مجرد رقم يُعلَن، بل هي مؤشر على تأخر الإصلاح الهيكلي لنظام الدولة وهو مؤشر على فساد السلطة وعدم اكتراثها بحال المواطنين، وعلى أن ٢٠٣٠ لا تزال وهماً يتم الترويج له لمستقبل زاهر إلا أن الواقع يقول أنه لن يتم أي ازدهار أو تنمية في ظل سلطة قمعية تعسفية دون رقابة ومحاسبة حقيقية.

تعيين الفوزان مفتي عام للسعودية:

أعلنت الحكومة السعودية تعيين الشيخ الدكتور صالح بن فوزان بن عبدالله الفوزان مفتيًا عامًا للمملكة العربية السعودية ورئيسًا لهيئة كبار العلماء ورئيسًا عامًا للرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بمرتبة وزير. على الرغم أنه لم يعد لهيئة كبار العلماء ولا مؤسسة الإفتاء دور حيوي في المجتمع السعودي بعد صعود محمد بن سلمان إلى السلطة وتحييده لهذه المؤسسة الدينية وغيرها من المجال العام، إلا أن هذا التعيين يثير العديد من التساؤلات والمخاوف. أهمها أن الفوزان لديه إرث واتجاه قمعي نحو الآراء الإصلاحية والنقدية للسلطة، وهو لا يتورع عن تحريض الدولة في سفك دماء مخالفيها. لهذا يتضح أن هذا التعيين هو متطابق مع تطلعات صانع القرار القمعية لكن يؤطرها بشكل ديني مزيف. المخاوف الحقيقية من هذا التعيين أنه يعزز: ١- تشكل التحالف ما بين رأس المؤسسة الدينية ومؤسسة الحكم، حيث إنه لا حصانة لحرية التفكير والتعبير. ٢- غياب الاستقلال الديني عن صنع القرار السياسي، ٣- في ظلّ تراكم ممارسات قمعية بحق النساء والمفكرين والمعارضين، فإن تولي الفوزان المنصب يُنظر إليه كمؤشر على استمرار احتكار الدين من قِبَل منظومة واحدة، مع احتمال أن تشكّل الفتاوى التي تصدر تحت إشرافه حجّـةً تشريعية لتقييد الحريات بدلاً من حمايتها.

نيوم لم يعد مشروعاً مهماً:

هكذا أعلنت الحكومة السعودية عن تحول تركيزها الاستثماري من مشروع نيوم إلى قطاعات أخرى مثل الذكاء الاصطناعي والألعاب الرقمية والصناعات التقنية. حيث وفقاً لتقرير صدر من بلومبيرغ يكشف أن السعودية تواجه أزمة كبيرة في العمل على مشروع نيوم بسبب تأخيرات كبيرة وتعديلات في نطاقه وحجمه مقارنة بالوعود المعلنة سابقًا، مع عدم وضوح الجدول الزمني لعدد من مكوناته الرئيسية. ويؤكد التقرير أن هذا التحول هو إعادة ضبط لخطط ٢٠٣٠ بسبب الضغوط المالية المتصاعدة، الحاجة إلى جذب مستثمرين أجانب، وضعف المردود الحالي للمشاريع الفائقة الضخامة. ونقلت رويترز أن «صندوق الاستثمارات العامة» يعيد تموضع استراتيجيته بعيدًا عن المشروعات العقارية العملاقة المتأخرة، في مراجعة تمسّ صندوقًا بحجم يقارب ٩٢٥ مليار دولار. وفي نفس السياق، كشف تقرير من الفايننشال عن خفضٍ بقيمة 8 مليارات دولار في تقييم بعض “المشروعات العملاقة” لدى الصندوق، من ضمنها نيوم، نتيجة التأخيرات وتجاوزات التكلفة وتراجع أسعار النفط. وخلال العام الماضي أعلنت الحكومة السعودية عن تقليصه للتركيز على قطعة لا تتجاوز ٢.٤ كلم ضمن مخطط كان يفترض أن يمتد ١٧٠ كلم.

الإشكالية الأساسية التي تواجه السلطة ليست في إعادة الضبط بحدّ ذاتها، بل في غياب الحوكمة والشفافية في دورة صنع القرار: إعلان طموحات بموازنات ضخمة، ثم تقليص صامت للنطاق، بلا مكاشفة للرأي العام حول التكلفة الفعلية، وأثر ذلك على الأولويات الاجتماعية، أو محاسبة من اتخذ القرارات الأولية. بل وقمع وإسكات كل الأصوات الإصلاحية التي حاولت توجيه التساؤلات حول جدوى مثل هذا النوع من المشاريع الغير واقعية. فضلاً عن الآثار والمظالم التي ترتبت على هذا المشروع من طرد سكان تلك القرى في شمال غرب السعودية من بيوتهم وتهجيرهم قسرياً وسجن بعضهم. إضافة إلى تعطيل متعمد ومرهق لسوق العقار في المنطقة التي يقام عليها مشروع البحر الأحمر. وحالياً تعلن السلطة السعودية بكل برود من خلال تصريح ياسر الرميان مدير صندوق الاستثمار، أنها في طور إعادة توجيه الاستثمارات نحو الذكاء الاصطناعي واللوجستيات والديناميكا الرقمية قد تكون خطوة مفيدة، لكن قيمتها تتوقف على أربعة شروط: ١- نشر بيانات تفصيلية دورية عن تكاليف نيوم والتزاماتها وآجالها، ٢- إخضاع قرارات الإلغاء/ التقليص لتقييم مستقلّ، ٣- تحويل جزء من الإنفاق إلى خدمات عامة منتِجة (تعليم، صحة، إسكان) تعالج فجوات الرفاه، و٤- بناء شراكات استثمارية تقوم على التنافس والشفافية بدل المحسوبية. من دون ذلك، ستظل نيوم مثالًا على عدم جدّية الإدارة الرشيدة: رأس مال عام مقيّد، نتائج جزئية، ورسالة سلبية للمستثمر والمواطن على حدّ سواء. وفي دولة تسعى لتنويع اقتصادها، فإن الشفافية والمساءلة ليست ترفًا؛ بل شرطٌ للاستدامة الاقتصادية والسياسية.

للأسف أن حتى هذا التحول هو هروب إلى الأمام دون وقفة جادة ومحاسبة شعبية، فمحمد بن سلمان وإدارة صندوق الاستثمار يعبثون بالمال العام دون محاسبة ومكاشفة اقتصادية. ما هي الأثار المالية والديون التي تراكمت على كاهل المواطن بسبب هذه المشاريع؟ ما هو الضامن لأن أي مشاريع جديدة لا تمر بنفس الكارثة السابقة؟ لا شيء من كل هذا. لهذا نحن نشير إلى أصل المشكلة الأزلي وهو أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة. وهذا ما نعانيه في السعودية، حيث يتصرف محمد بن سلمان كأنه مالك شخصي على المال العام.

مؤتمر مستقبل الاستثمار

انعقد هذا الشهر في الرياض مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار (FII) في نسخته التاسعة، وسط حضور دولي من رؤساء صناديق وشركات عالمية. ركّزت الجلسات على الذكاء الاصطناعي والمشاريع الحضرية العملاقة بوصفها محرّكات مستقبل الاقتصاد السعودي، فيما ادعىمسؤولون أن الاستثمارات الأجنبية نمت بنسبة ٢٤٪ لتصل إلى نحو ٣١.٧ مليار دولار العام الماضي، معظمها في قطاعات غير نفطية، بحسب «رويترز» و«فايننشال تايمز». وهذا المؤتمر هو واجهة سعودية دعائية أكثر من كونها منصة استثمار واقتصادي حقيقية، فالمؤتمر يغلب عليه سلوك حملات العلاقات العامة، فهو يعطي انطباع وهمي أن الدولة متقدمة متطورة وتربح وتكسب العديد من الأموال والاستثمارات وهو على خلاف الواقع. ففي ذات الشهر تخلت الدولة عن أهم مشروع زعمت طوال السنوات الماضية أنها تستثمر فيه هو نيوم إلى التراجع عنه. حتى صرح مديرالمشروع أن مشروع نيوم لا نهاية له. أنّ هذا الزخم الإعلامي يخفي وراءه أسئلة جوهرية حول واقعية توزيع الفرص ومدى جدوى هذه المشاريع للمجتمع السعودي نفسه. فالمؤتمر، وإن بدا واجهة براقة للانفتاح الاقتصادي، يُظهر استمرار تمركز القرار المالي في يد الدولة وصندوق الاستثمارات العامة، ما يجعل القطاع الخاص المحلي تابعاً لا شريكاً. التركيز على المشاريع الضخمة مثل نيوم وذا لاين يكرّس اقتصاداً موجهاً من الأعلى، يُقصي رواد الأعمال والمستثمرين المحليين، ويحوّل التنمية إلى أداة سياسية أكثر من كونها مساراً إنتاجياً حقيقياً.

للأسف أن هذا النوع من المؤتمرات الترويجية للدولة تعكس نموذج ضعف الشفافية في إعلان الأرقام الدقيقة للوظائف المستحدثة أو نسب السعودة الفعلية، ويثير مخاوف من تضخم اقتصاد الواجهة القائم على الترويج الإعلامي والوعود التقنية دون بنية بشرية أو تعليمية قادرة على استيعابه. كما حذّرت تقارير غربية من أن التحولات المتسارعة في المشاريع العقارية والذكاء الاصطناعي تجري في ظل تباطؤ فعلي في الإنفاق، وإعادة هيكلة متكررة للمشاريع بسبب الديون وغياب الكفاءة المؤسسية. هذه المفارقة بين الخطاب الرسمي وواقع التنفيذ تجعل المؤتمر رمزاً لمعضلة أوسع: تنمية غير ديمقراطية تُدار من القمة ولا تفسح مجالاً للمساءلة أو المشاركة المجتمعية في صياغة الأولويات الاقتصادية. إن بناء اقتصاد سعودي مستدام يتطلّب انتقالاً حقيقياً من اقتصاد الشعارات والأهواء إلى اقتصاد المواطنة القائم على الشفافية، والمساءلة، وتوزيع الفرص بعدالة ومحاسبة صانع القرار والمسؤول.

تقرير الربع الثالث للميزانية العام

ملخص التقرير الربعي الثالث لأداء الميزانية العامة للدولة لعام ٢٠٢٥ الصادر عن وزارة المالية يشمل المعلومات الأساسية التالية: عجز مالي في الميزانية بمبلغ ١٨١ مليار ريال حتى الربع الثالث لهذا العام. إجمالي المصروفات تقدر ب ١٫٠١٦ تريليون ريال، في حين أن الإيرادات النفطية بلغت ١٥٠٫٥ مليار ريال، والإيرادات الغير نفطية ١١٩ مليار ريال. هذا هو خلاصة التقرير المالي، ومع هذا نؤكد بكل وضوح أن هذه الأرقام ليست بالضرورة واقعية وصحيحة، لأنه لا توجد أي ضمانات حقيقية حول مصداقية هذه الأرقام، فالدولة هي الوحيدة المطلعة على كافة المصادر والمعلومات ومن غير المرجح مشاركتها مع الجمهور العام من باب الشفافية والمحاسبة ومع هذا نؤكد أن حتى هذه الأرقام تمثل إشكال جلي وهو كالتالي:

أولاً، إن اعتماد الدولة على الإيرادات النفطية – رغم التراجع الحاد فيها – يكشف أن البرنامج الاقتصادي لـرؤية السعودية ٢٠٣٠ لم يحقّق انفصالاً جوهرياً عن الريع، ما يجعل العجز المتزايد ليس مفاجئاً، بل منطقيٌّ في إطار الهندسة المالية التي تضع السياسات الكبرى تحت سلطة محدودة من القوى. وثانياً، الإنفاق الضخم – الذي يزيد على التريليون ريال – والتوسع المهول في الميزانية رغم تراجع الإيرادات، يعكسان منطقاً سلطوياً في الحكم: صرف بلا مساءلة، مشاريع بلا شفافية، والتحكم المركزي بالروافد المالية يفتح الباب أمام الريع والمحسوبيات. ثالثاً: ما هي مصادر الدخل الغير نفطي التي بلغت ١١٩ مليار ريال؟ رابعاً، في حال أن الأرقام إيجابية بهذا الشكل، لماذا توجد أزمة بطالة وتضخم مالي عالي جداً وفق تقارير وزارة المالية؟

لهذا نشر المعلومات المالية حول الميزانية على شكل تقارير ربع سنوية هو خطوة جيدة لكن ليس بالضرورة أن تكون التقارير ذات معلومات حقيقة.

بالتالي، ليس العجز المالي مجرد رقم، بل اعتراف ضمني بفشل استراتيجي: فشلٌ في التنوّع، وفشلٌ في الإصلاح المالي، وفشلٌ في كبح أجهزة السلطة عن تسخير المال العام لمصالح ضيقة. الاختبار الحقيقي لن يكون في قَدر التحايل على الأرقام، بل في مدى فتح الأبواب للمحاسبة وإطلاق مؤسسات رقابية مستقلة، بعيداً عن تركة الحكم الفردي الذي يميل إلى فرض الإنفاق بغضّ النظر عن الأداء أو الشفافية. في غياب ذلك، تبقى الأرقام – مهما تغيّرت – مجرد مظهرٍ شكلي لإعادة إنتاج الأزمة بصيغٍ جديدة.

تأسيس جامعة للفنون

أعلنت المملكة العربية السعودية عن تأسيس جامعة الرياض للفنون (Riyadh University of Arts) بوصفها أول مؤسسة أكاديمية متخصصة في مجالات الفنون على مستوى المنطقة، ومن المقرر أن تبدأ أعمالها عام ٢٠٢٦. يأتي هذا المشروع في سياق التحولات التي تشهدها المملكة ضمن “رؤية ٢٠٣٠” الهادفة إلى تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط، من خلال بناء اقتصاد إبداعي قادر على تحويل الفنون والثقافة إلى مصدر من مصادر الدخل والتنمية البشرية. وتشير التصريحات الرسمية إلى أن الجامعة ستضم كليات للموسيقى والمسرح والسينما والفنون البصرية والعمارة، وستخرج نحو ثلاثين ألف خريج بحلول عام ٢٠٤٠، وهو رقم يعكس اتجاهات الدولة في جعل الفنون جزءاً من البنية التعليمية الأساسية في البلاد كما تزعم.

لكن هذا التوجه، رغم ما يحمله من دلالات إيجابية، يثير أسئلة جوهرية حول طبيعة المشروع وأهدافه الفعلية. فمن منظور أكاديمي ومؤسساتي، تبدو الجامعة خطوة لتوسيع نطاق التعليم العالي خارج التخصصات التقنية والدينية والاقتصادية التقليدية، ولفتح مسار جديد أمام الشباب السعودي في مجالات الإبداع والتعبير الفني، إلا أنّ نجاحها سيعتمد في النهاية على قدرتها على تحقيق استقلال أكاديمي حقيقي وعلى جودة المناهج والكفاءات التي ستستقطبها. كما أن غياب تجارب سابقة في هذا الحقل داخل المملكة يجعلها أمام تحدي بناء بيئة تعليمية فنية من الصفر تقريباً، ما يفرض عليها الاعتماد على شراكات دولية واستقدام خبرات عالمية في التدريس والإدارة الأكاديمية. والأهم من هذا هو وجود الحرية في الإبداع والتفكير والعمل، لأن الفنون هي ذروة الإبداع الإنساني والمعرفي، ومن المستبعد أن تنجح أي تجربة فنية أو علمية أو تعليمية دون وجود أساس واضح للحرية.

أيضاً يمكن قراءة تأسيس جامعة للفنون بوصفه مشروعاً ذا أبعاد رمزية وسياسية أيضاً. فالمملكة التي كانت لعقود تُعرف بتوجهها المحافظ تجاه الفنون والآداب، تسعى اليوم إلى إعادة تشكيل صورتها الخارجية كقوة ثقافية ناعمة ومركز إقليمي للإبداع، في إطار محاولتها تحسين سمعتها الحقوقية والسياسية. بيد أن هذا الطموح الثقافي لا يمكن أن ينفصل عن سؤال الحريات العامة وحرية التعبير داخل الحرم الجامعي وخارجه؛ إذ إن أي جامعة للفنون لا يمكن أن تؤدي دورها المعرفي ما لم تكن فضاءً يسمح بالتجريب والنقد والاختلاف. لذا، يبقى جوهر التحدي في مدى قدرة هذه الجامعة على الموازنة بين الرغبة في التحديث والانفتاح من جهة، واستمرار القيود الاجتماعية والسياسية من جهة أخرى.

إضافة الفنون هي إكمال للعملية التعليمية، فالفنون تستقي مواردها الأساسية من التاريخ والأدب والسياسة وعلم الاجتماع والنفس والاقتصاد وغيرها من التخصصات التي هي لا تحظى بأي اهتمام، بل على العكس، تسعى رؤية ٢٠٣٠ وخطة وزارة التعليم إلى التقليل من هذه التخصصات التي يطلق عليها تخصصات نظرية. حيث توجه الدولة نقداً لها بوصفها لا تتطابق مع متطلبات سوق العمل. ولهذا التحدي الأساسي كيف يمكن أن ينجح مشروع تعليمي للفنون وهو يفتقد للبنية المعرفية التي تدعم هذا الحقل.

إن إنشاء جامعة الرياض للفنون يُعد حدثاً ثقافياً بارزاً في المشهد السعودي الحديث، لكنه في الوقت ذاته اختبار لمدى جدية التحولات المعلنة في قطاع الثقافة والتعليم. فإذا تحولت الجامعة إلى نموذج أكاديمي حرّ يدمج بين التعليم والإنتاج الفني ويحتضن طاقات الشباب، فقد تمثل نقطة تحول حقيقية في علاقة المجتمع السعودي بالفن. أما إذا ظلت أسيرة الشكل دون المضمون، فستبقى مجرد واجهة جديدة لمشروع تحديثي يسعى إلى التجميل الخارجي دون تغيير البنية العميقة للثقافة والسياسة.

زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن وتصريحات ترامب حول التطبيع

تأتي زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى واشنطن والمقررة في الثامن عشر من نوفمبر، لتضع العلاقات السعودية – الأمريكية في سياق جديد، هو أقرب إلى إعادة إنتاج المصالح لا إلى بناء شراكة قائمة على القيم أو المبادئ. فقد كشفت مصادر أمريكية، بينها وكالة “بلومبيرغ” و”سيمفور”، أن الزيارة ستتضمن لقاء مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في إطار بحث ملفات متعددة، أبرزها مسألة التطبيع مع إسرائيل، والتعاون الأمني والاقتصادي. غير أن تصريحات ترامب الأخيرة التي قال فيها إن “مبس مهتم بالتطبيع لكنه يريد أن يحصل على مقابل حقيقي” تكشف بوضوح طبيعة المقايضة التي تحكم السياسة السعودية في هذه المرحلة، حيث لا تُقدَّم الخطوات السياسية الكبرى بدافع مبدئي، بل تُقاس بمنطق الصفقة والمصلحة اللحظية.

يمكن القول إن هذه الزيارة لا تعبّر عن تطور طبيعي في العلاقات بين دولتين، بقدر ما تمثل جزءاً من إعادة تموضع سياسي يراد من خلاله تحسين صورة النظام السعودي في واشنطن بعد سنوات من التوتر بسبب قضايا حقوق الإنسان واغتيال الصحفي جمال خاشقجي. فالتطبيع مع إسرائيل، كما يُطرح اليوم، ليس خياراً شعبياً ولا استجابة لضرورة إستراتيجية نابعة من الداخل السعودي أو العربي، بل يُقدَّم كهدية سياسية إلى واشنطن وترامب بالتحديد، في المقابل يريد محمد بن سلمان الحصول على ضمانات أمنية وبقاءٍ طويل للنظام القائم والحصول على حماية عسكرية. أم فكرة الحصول على تطوير برنامج نووي فهذا شبه مستحيل، لأسباب متعددة، أهمها فقدان القدرة السعودية على العمل لمثل هذا النوع من المشاريع، وعدم سماح الاحتلال الصهيوني بوجود دولة لديها هذا النوع من التقنية، حتى لو كان لأهداف سلمية. لهذا فالزيارة تندرج ضمن سياسة خارجية تُدار من الأعلى، تفتقر إلى أي نقاش مجتمعي أو مساءلة ديمقراطية، وهو ما يجعلها عرضة لأن تُقرأ بوصفها تعبيراً عن استبدادٍ متجذر يحاول أن يعيد إنتاج شرعيته عبر بوابة الغرب.

في العمق، تُظهر تصريحات ترامب حول التطبيع أن العلاقة بين الحاكم السعودي والرئيس الأمريكي ليست علاقة بين دولتين متكافئتين، بل بين زبون وتاجر. فالحديث عن “مقابل حقيقي” للتطبيع يعني أن القيم الوطنية والقضية الفلسطينية تُختزل في مساومة سياسية قابلة للبيع والشراء. هذا النوع من الدبلوماسية التجارية لا يختلف في جوهره عن منطق الاستبداد الداخلي الذي يجعل من الولاء الشخصي والصفقات الخاصة معياراً للسياسة العامة. فالنظام الذي يقايض حريات شعبه مقابل “الاستقرار”، هو ذاته الذي يقايض القضية الفلسطينية مقابل “القبول الدولي”.

تاريخياً، لم تكن السعودية جزءاً من محور المواجهة مع إسرائيل، لكنها في الوقت ذاته كانت تدّعي دعمها للقضية الفلسطينية كجزء من شرعيتها الدينية والسياسية. أما اليوم، فإن الانفتاح على إسرائيل يجري في ظل حرب مدمرة على غزة، وتحت أنظار شعوب عربية تزداد غضباً من ازدواجية الخطاب السعودي الرسمي الذي لم يكترث طوال السنوات الماضية في مناكفة الفلسطينيين وتشويه القضية الفلسطينية ووصفها في شبكات التواصل الاجتماعي بأنها #فلسطين_ليس_قضيتي. ولذلك، فإن أي خطوة في هذا الاتجاه لن تُقرأ على أنها “تحرك نحو السلام”، بل كاصطفاف إلى جانب قوة احتلال تمارس الإبادة اليومية بحق المدنيين. ومن هذه الزاوية، فإن مشروع التطبيع بين محمد بن سلمان ونتنياهو لن يكون مجرد اتفاق سياسي، بل انقلاب رمزي على الوجدان العربي والإسلامي، وانفصال كامل بين الدولة والمجتمع.

إن زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن تأتي في سياق مشتعل حيث لازالت غزة تعاني من مكر وخداع إسرائيلي، وانقسام أمريكي وشلل النظام الفيدرالي. أما بالنسبة للسعودية فهذه الزيارة الأولى لمحمد بن سلمان بعد حادثة اغتيال جمال خاشقجي. لهذا من المتوقع أن تكون هناك أحداث محرجة لكلى الطرفين. في هذا الإطار صرّح مسؤول سعودي لوسائل إعلام دولية بأن السعودية تتطلع للتطبيع مع إسرائيل لكن ليس مع حكومة نتنياهو الحالية التي ستشكل حرجاً إضافياً للحكومة السعودية التي تدعي تعاطفها مع القضية الفلسطينية. في نهاية المطاف، لا يمكن لنظامٍ فاقدٍ للشرعية الشعبية أن يحقق سلاماً حقيقياً مع الخارج، لأن من لا يصالح شعبه لا يستطيع أن يصنع سلاماً مع جيرانه.

 

 

لقراءة كامل التقرير بنسخه بي دي إف

شاركـــــها