مخاطر نزع السياسة من المجتمع 

يقصد بنزع السياسة من المجتمع إبعاد المواطنين عن المشاركة في الشأن العام، وإقناعهم بأن السياسة شأن يخص الحاكم أو النخبة الحاكمة فقط. و تلجأ الأنظمة الاستبدادية إلى ذلك من خلال نشر الخوف، أو التضييق على الحريات، أو تشويه صورة العمل السياسي والمعارضة السياسية والنشطاء في المجال العام، أو إقناع الناس بأن السياسة مصدر للفوضى لا للتنمية والاستقرار. بل يصل الأمر بالسلطة المستبدة عبر مثقفيها المأجورين وتجار الدين أن تحط من منزلة المواطنين باعتبارهم رعاع ودهماء لا يعرفون مصلحة أنفسهم، والأغرب أن يصاب رعايا السلطة المستبدة بالتبلد ويقبلوا الحط من آدميتهم ووطنيتهم.

 

ومن أهم مخاطر نزع السياسة من المجتمع:

  • ترسيخ الاستبداد: عندما يغيب المواطنون عن الحياة السياسية، تصبح السلطة أقل خضوعًا للمساءلة، مما يفتح الباب أمام الاستبداد وإساءة استخدام السلطة. فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة، فيصبح الوطن غنيمة لأقلية حاكمة وجحيم لباقي الشعب. وحذر ألكسيس دو توكفيل من أن انكفاء المواطنين على مصالحهم الخاصة وابتعادهم عن المشاركة العامة يفتح الباب أمام “الاستبداد الناعم”؛ حيث تتوسع سلطة الدولة تدريجيًا بينما ينسحب المواطنون من الحياة العامة.
  • ضعف الرقابة والمحاسبة: فالمجتمع المنعزل عن السياسة يفقد قدرته على مراقبة أداء الحكومة ومحاسبة المسؤولين، مما يزيد من احتمالات الفساد وسوء الإدارة. فيجمع الحاكم بين الحكم والتجارة، وهو الذي يسيّر السياسة ويكتب القانون بما يخدم تجارته وينمّي ثروته.
  • انتشار اللامبالاة السياسية: يؤدي إقصاء المواطنين عن الشأن العام إلى شعورهم بأن أصواتهم لا قيمة لها، فتتراجع روح المواطنة والمسؤولية الجماعية. وقد اعتبر انطونيو غرامشي أن اللامبالاة السياسية ليست موقفًا محايدًا، بل تساعد القوى المهيمنة على تثبيت نفوذها، لأن غياب المشاركة يترك المجال لمن يمتلك السلطة لفرض رؤيته.
  • إضعاف المجتمع المدني: إذ تصبح الجمعيات والنقابات والمنظمات المستقلة أقل قدرة على الدفاع عن مصالح المواطنين وتمثيلهم. وفي الحالة السعودية لا يوجد مجتمع مدني اطلاقاً والمواطنين غير ممثلين سياسيا عبر برلمان، لذلك المجتمع عرضة للاضطهاد والاستغلال والاستغفال.
  • تراجع ثقافة الحقوق: فالمشاركة السياسية تُنمّي الوعي بالحقوق والحريات، بينما يؤدي إبعاد الناس عن السياسة إلى قبول انتهاكات الحقوق بوصفها أمرًا طبيعيًا. ونتيجة للاستبداد في السعودية يعاني المجتمع من أمية سياسية وحقوقية، ولا يعرف بديهيات حقوق الإنسان والتي هي بديهيات عند مجتمعات أميّة وفقيرة.
  • تعطيل الإصلاح السلمي: عندما تُغلق قنوات المشاركة السياسية، تقل فرص التغيير عبر الوسائل السلمية والمؤسساتية، مما قد يزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي. وتنزلق المجتمعات إلى العنف والكفاح المسلح في سبيل الحصول على حقوقها، فتصبح الثورة حتمية. كما قال الرئيس جون كينيدي “أولئك الذين يجعلون التعبير السلمي مستحيلاً سوف يجعلون التغيير الثوري العنيف حتمياً”
  • فقدان الشرعية: فرضا المواطنين عن أي حكم وحاكم هو أساس شرعية ومشروعية الحكم والشعب هو مصدر السلطات، فحين يستبد الحاكم ينفصل عن الجماهير ويعتبرهم خطراً محدقاً لأنه يعلم كم اضطهدهم وسرقهم فيخشى العواقب، والجماهير تنظر إليه على أنه جلادها الذي ينبغي الخلاص منه بأي وسيلة. وكما يقول جون لوك: إن السلطة تستمد شرعيتها من رضا المحكومين، وأن للشعب حق مقاومة السلطة إذا انتهكت الحقوق الطبيعية. ورأى جان جاك روسو: أن السيادة للشعب، وأن المشاركة السياسية هي أساس الإرادة العامة. 
  • فقدان الأمن والاستقلال: إن من يحمي الأوطان من الاحتلال والاستعمار ويحفظ أمنها هي الشعوب، فحين تهان الشعوب وتذل من حكامها تفقد الشعوب مناعتها ورغبتها في المقاومة وتفقد القدرة على التفكير، فيصبح هم الشعب الأول الخلاص من جلاده بأي ثمن سواء بانقلاب عسكري أو من خلال برابرة من خارج الحدود، كما في قصيدة “بانتظار البرابرة” للشاعر اليونانيّ الإسكندرانيّ قسطنطين كفافيس، فيصبح البرابرة هم الحل. كما حدث في الحالة العراقية، عندما استخدم البرابرة قواعد الخليج في غزو العراق، فسكتت شعوب الخليج عن ذلك، وظن الشعب العراقي أن البرابرة هم الحل للخلاص من الديكتاتور، فكانت النتيجة دمار للمنطقة ونقلة من نير الاستبداد المحلي إلى نير الاستعمار ووكلائه اللصوص.  

 

وإن المرء ليعجب لقوم يظنهم عقلاء ينصحونك عن خوف أو عن جهل بأن “لا تتدخل في السياسة”. حسناً أنا مستعد لعدم التدخل في السياسة شرط أن لا تتدخل السياسة في حياتي، فهل يضمنون لي ذلك، بالطبع لا. فالسياسة هي إدارة الشأن العام، هي إدارة حياة الناس، اقتصادهم وتعليمهم، سلمهم وحربهم. فإذا أنت قلت لمواطن لا تتدخل في السياسة، فكأنك تقول له لا تتدخل في حياتك ولا تهتم لشأنك وكن عبداً للحاكم يفعل بك ما يشاء، فهل هذا منطق ينطق به قوم عقلاء.

 

والتحذير من السياسة والانخراط في الشأن العام، هي وسيلة السلطة والأسر والأشخاص المستفيدين والمنتفعين من الوضع القائم للحفاظ على مصالحهم وتخدير الناس والاستفادة من الوضع القائم لأكبر وقت ممكن.

 

“إن أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا لا يتمثل في كثرة السياسة، بل في غيابها عن المواطنين؛ فحين يُقصى المجتمع عن الشأن العام، تتحول السلطة من أداة لخدمة الناس إلى غاية في ذاتها، ويصبح الاستبداد أكثر قدرة على الاستمرار.”

إن انخراط المجتمع في السياسة ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة لحماية الحرية والعدالة وحفظ الحقوق، ولا سيما في ظل الأنظمة الاستبدادية. فكلما ازداد وعي المواطنين ومشاركتهم في الشأن العام، ازدادت قدرة المجتمع على محاسبة السلطة والدفاع عن كرامة الإنسان، مما يمهد الطريق لبناء دولة ديمقراطية تقوم على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

لهذا فإن المجتمع الواعي لا ينظر إلى السياسة بوصفها صراعًا على السلطة فقط، بل يعدّها وسيلة لحماية الحقوق، وتحقيق العدالة، وبناء مؤسسات قوية تخدم الصالح العام.

ينبغي أن تكون المشاركة السياسية قائمة على الحوار واحترام القانون ونبذ العنف، لأن الغاية من العمل السياسي هي تحقيق المصلحة العامة وصون كرامة الإنسان، لا نشر الفوضى أو الانتقام.

ولكي تكون المشاركة السياسية فعالة، لابد من توفر شروط منها:

  • وجود ثقافة ومؤسسات مجتمع مدني مستقلة
  • احترام سيادة القانون، القانون العادل الذي سنته مؤسسات منتخبة وممثلة للشعب، وليس القانون الذي يسنه فرد أو نخب حسب مصالحها
  • حرية التعبير والصحافة
  • مؤسسات قادرة إدارة الخلاف والاختلاف بصورة سلمية، كالبرلمان والمحكمة الدستورية وغيرها
  • ثقافة سياسية تؤمن بالتعددية والحوار

 

لذا على القوى الوطنية والطليعة من النخب والمثقفين العمل على توفير هذه الشروط والمطالبة بها ونشر الوعي السياسي وثقافة المجتمع المدني والمواطنة بين الناس

 

الدستور أولا

الديمقراطية الآن

مواطنون لا رعايا

 

شاركـــــها