ما هي القيم التي قامت عليها السعودية؟!

 

أغلب الدول قامت على قيم وعقد اجتماعي أساس فلسفي وأيديولوجي يشكل روح وسلوك السياسة العامة للدولة حكومة وشعبا. وبوصلة توجه الدولة والمجتمع في وقت الأزمات أو حين تنحرف السلطة أو الحكومة، تذكر المجتمع بالأسس التي قام عليها الوطن فتكون مصدر إلهام وذخيرة يستند عليها لترويض السلطة وعسفها للحق، فلو نظرنا شرقا لبلد ذي أغلبية مسلمة مثل إندونيسيا قام على مبدأ البانتشاسيلا (Pancasila)، ويتكون من خمس مبادئ:

  1. الإيمان بإله واحد أوحد، وضمان حرية العبادة
  2. إنسانية عادلة ومتحضرة، احترام كرامة وحقوق الإنسان
  3. وحدة إندونيسيا، تعزيز القومية والتماسك مع الاعتراف بالتنوع
  4. الديمقراطية التي تدعمها الحكمة الجوانية، وتقوم على الإجماع الناشئ عن المداولات الحرة بين ممثلي الشعب
  5. العدالة الاجتماعية لجميع أفراد الشعب الإندونيسي، أي تحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي

ولو نظرنا إلى سنغافورة لوجدنا أنها قامت أيضًا على خمسة مبادئ وترمز لها النجوم الخمس في العلم، وهي: الديموقراطية والسلام والتقدم والعدالة والمساواة. أما اللون الأحمر في العلم فيرمز إلى الأخوة والمساواة بين الناس، واللون الأبيض يرمز إلى النقاء والفضيلة، ويرمز الهلال إلى أمة شابة في طور الصعود.

وفي وقت من الأوقات كان شعار الجمهورية الفرنسية “كل شيء للمواطن الفرد، لا شيء للطائفة أو الجماعة العرقية”، وترمز ألوان العلم الفرنسي إلى الحرية والمساواة والإخاء.

بالنسبة للسعودية في طورها الثالث، نشأة في ظرف تاريخي تمر فيه الأمة العربية والإسلامية في حالة ضعف وتفتت واستعمار بمساعدة عاملين متناقضين، عامل خارجي تمثل بدعم وإرادة بريطانيا الاستعمارية تقوم على حماية الأسرة المالكة وضمان مصالح الغرب الاستعماري، وعامل داخلي قام على التفاف قبائل وعائلات كبيرة من مناطق مختلفة حول (الإمام) عبدالعزيز ابن سعود تحت شعار توحيد الجزيرة العربية وتطبيق الشريعة ومحاربة البدع والشرك المزعوم. وحين تم الأمر للإمام همش الشركاء واكتفى بمنح المخصصات لبعض شيوخ القبائل والعائلات واستأثر بالسلطة والثروة له ولأسرته، وبعد التوحيد لم يعقد مؤتمر شعبي أو حوار مجتمعي حول شكل وهوية الدولة والمشاركة الشعبية في صنع القرار من خلال ممثلين عن الشعب أو من خلال شركاء الوحدة والتأسيس وهمش الشعب، وأصبح الشأن العام شأناً عائلي يخص آل سعود وحدهم، وبدلاً من تأسيس دولة وحكم القانون، تأسس حكم عشائري، أو كما قال خالد بن بندر بن سلطان: نحن قبيلة انتصرت في الحرب وسيطرت على الحكم. وقدم لنا أن كل ما جرى هو (one man show) والبقية عالة على الأسرة الحاكمة وكل ما يحصلون عليه هو كرم وفضل من هذه العائلة والوطن هو غنيمة لآل سعود، وهكذا بدلاً من تأسيس وطن ودولة، تأسست إقطاعية للملك عبدالعزيز يورث الأرض ومن عليها لأولاده وأحفاده من بعده. الجميع يعتبر توحيد الجزيرة العربية إنجاز مقدس، وهذه الوحدة الجميع مستعد لتقديم حياته من أجلها، ولا ننكر أيضاً أن عبدالعزيز بن سعود شخصية استثنائية وذكية، ولكن أيضاً على الأسرة المالكة أن تقر أن في الجزيرة العربية شعباً عريقاً عاش وارتبط بوطنه عبر آلاف السنين، وأنه هو الأساس وبفضله حكم ابن سعود الجزيرة العربية.

واليوم نسأل ما هي القيم التي قامت عليها السعودية، ولا نجد الجواب! السعودية لعقود طويلة رفعت شعار الإسلام والشريعة الإسلامية كقناع تسيطر فيه على المجتمع، وتبنت خطاب ديني متطرف رجعي بعيد عن روح الحضارة الاسلامية الراقية، وكانت السلطة السعودية ترفض كل خطاب تجديدي يتبنى قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، معللة ذلك بأنه خطاب يعارض الإسلام.

وفي عهد الملك سلمان تخلت السلطة عن خطابها الديني السابق ولم تبق منه إلا طاعة ولي الأمر. وفي المقابل لم تتبن إصلاحاً سياسيا يفضي إلى دولة المؤسسات وسيادة القانون وحقوق المواطنة، وظلت ترفض كل مطلب ديمقراطي بحجة أنه يتعارض مع قيمنا! حسنا ما هي قيمكم، هل قيمكم تقضي بأنكم السادة والشعب هم العبيد، وأنتم من يقرر المصير والبقية قطيع مطيع. حتى سردية التأسيس تغيرت من التحالف الديني القائم بين الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب على الدعوة السلفية، إلى سردية تقول أن السعودية تأسست بفضل ذكاء وفطنة مانع المريدي!

والسعودية اليوم بلا هوية، لا هي إسلامية ولا علمانية ولا اشتراكية. بل هي حكم ثيوقراطي أوتوقراطي قائم على ملكية مطلقة وحكم الفرد متمثلاً بشخصية الملك. وقيمها وهويتها هي ما يفكر فيه الملك في هذه اللحظة. فقيادة المرأة للسيارة بالأمس حرام ولا تناسب المجتمع ومن يطالب بهذا الحق فهو ساقط أخلاقياً وتغريبي لأن الملوك السابقين كانوا يعتقدون ذلك، واليوم قيادة المرأة للسيارة هي حق تفضل به الملك على المرأة السعودية، ومن بقي يعارض ذلك ويتمسك بالسردية القديمة، هو متطرف ورجعي ومصيره السجن، لأن الملك يعتقد ذلك. وهكذا كل شيء في الوطن يقرره فرد واحد هو الملك. حتى العلم السعودي عندما أقر الاحتفال بيوم العلم، قام الإعلام المحلي بعمل مقابلات مع كتاب وصحفيين، ولم يتفقوا على معنى العلم، الكل يعطيك تفسير مختلف، من قائل إن اللون الأخضر يرمز للسلام إلى من يقول اللون الأخضر يمثل الإسلام، بينما في كل دول العالم لو سألت رئيس الدولة أو أصغر تلميذ في ابتدائي لأعطاك نفس الجواب.

وأخيرا في حال لو أن المخبرين وضباط أمن الدولة الذين يطلعون على هذا المقال، أن يتوجهوا بهذا السؤال للملك أو ولي العهد:

ما هي القيم التي قامت عليها السعودية وبأي مؤتمر تأسيسي أقرت ومن صاغها؟، ويتحفونا مشكورين بالإجابة على وسائل الإعلام المحلية.

الدستور أولا..

الديمقراطية الآن..

مواطنون لا رعايا..

شاركـــــها