جماعات المصالح ودورها في تعطيل القرارات الاقتصادية

 

لعل أبرز الظواهر الجديرة بالملاحظة في الدول النامية هو تبني النظام السياسي قرارات اقتصادية خاطئة واستمراره في تطبيقها على الرغم من ثبوت فشلها، وفي الوقت نفسه يتجاهل اتخاذ سياسات كفؤة كفيلة بحل تحديات كبرى تمثل تهديداً وجودياً له، بل إنه عندما ينجح في تبنى قرارات اقتصادية تصب في مصلحة الاقتصاد الوطني لا تلبث إلا أن تفشل ومن ثم يتم التخلي عنها. ويلجأ بعض المختصين إلى التذرع بجهل متخذ القرار بتداعيات مثل هذه القرارات على المصالح الوطنية، ويُلقى باللائمة على المستشارين الذين فشلوا في تبيان تلك المخاطر لمتخذ القرار وعلى كبار الموظفين البيروقراطيين الذين تراخوا في تنفيذ السياسات الحكومية. وفي الحقيقة فإن جميع تلك التبريرات الواهية لا تعفي “القيادة” السياسية من تحمل المسؤولية الكاملة في تراكم الأخطاء القاتلة التي تجر البلاد نحو الهاوية، ومما يعزز هذا الاتجاه هو تركز السلطة في أيدي نخبة سياسية تتمتع بصلاحيات كاملة في ظل نظام شمولي يهمش الشعب ويحرمه من حقوقه. والقاعدة المنطقية تؤكد أن المسئولية تأتي على قدر الصلاحيات المتاحة لصاحب القرار، فعندما يتمتع الدكتاتور بصلاحيات لا متناهية فهو يتحمل مسئولية غير محدودة، لكن الطاغية ما أنفك يتباهى بالنجاحات الوهمية التي ينسبها لنفسه ويحمّل اخفاقاته للشعب الذي لا يملك من الأمر شيئاَ. 

لكن السؤال المهم لماذا يعرّض الحاكم المستبد عرشه الهش لمخاطر الانهيار والزوال نظراَ لتزايد السخط الشعبي جراء اتباع تلك السياسات الفاشلة؟ لاسيما أن “ولي الأمر” يعتبر المال العام ملكاً شخصياً يتصرّف فيه كيفما يشاء، لذا فإنه ليس من باب المصادفة أن يصبح من يتولى العرش يتصدر قوائم أثرياء العالم، والذي يتمادى في إهدار المال العام بشراء اللوحات الفنية واليخوت والقصور والسيارات الفارهة ناهيك عن الحفلات الماجنة وشراء الجزر في البلدان الأجنبية وغير ذلك من المتع الشخصية. إن جزء من المشكلة تكمن في شخصية الحاكم الجشعة التي تطمع في ممارسة واحتكار التجارة من خلال أساليب أصبحت مكشوفة للجميع بالاختفاء خلف شخصيات عادية تتحكم في إمبراطوريات تجارية تحقق أرباح فلكية للمستبد ويقدم لهم الحماية والرعاية، فالحاكم (التاجر) يخص نشاطاته التجارية بحقوق حصرية تعزز الاحتكار وتنافي مبادئ المنافسة العادلة التي تنطلق من فلسفة السوق الحر. أما الجانب الآخر لهذه الصورة القاتمة فهو ظهور جماعات مصالح حول مجموعة من الفاسدين من الأسرة الحاكمة مهمتهم التأثير في صناعة القرار دفاعاَ عن نشاطاتهم التجارية، حتى لو أدى ذلك إلى خرق الأنظمة وتعريض أمن الوطن ومصالحه العليا للمخاطر، ناهيك عن التسبب في كوارث اقتصادية كالفقر والبطالة وارتفاع أسعار السلع الاستراتيجية.  

إن “مافيا” العقار هي أكبر جماعة مصالح في البلاد تتحكم في مساحات شاسعة من الأراضي التجارية والسكنية تم الاستيلاء عليها دون وجه حق لكونها ملكاً عاماً ثم أصبحت ملكية خاصة “بقوة النظام” الذي يتحكم فيه أعضاء بارزون من الأسرة الحاكمة، حيث أصبح هؤلاء الأمراء الجشعون يسيطرون فعلياً على سوق العقار من خلال غطاء مؤسسات تجارية يملكها ويديرها مواطنون عاديون، ولهذا تُعد تجارة العقار أهم مصدر لثروات أعضاء الأسرة الحاكمة الذين ما انفكوا يستغلون محدودي الدخل من أبناء الشعب الذين حُرموا من تملك المساكن. لعل المثال الآخر هو مشروع “السعودة” الذي يهدف إلى إحلال العمالة الوطنية بدلاً من العمّال الأجانب، لكنه مُني بالفشل نظراً لسطوة جماعات المصالح الذين تورطوا في استغلال العمّال الأجانب من خلال بيع “تأشيرات” الاستقدام وفرض إتاوات شهرية في مخالفة صريحة للأنظمة المحلية في ظل تراخي وزارة الموارد البشرية في تطبيق الأنظمة على المخالفين مما أدى إلى إغراق السوق بالعمالة الأجنبية وحرمان المواطنين من فرص العمل، ومما يدلل على ذلك هو امتلاك الأجهزة الحكومية لقوائم كبار مستغلي العمالة الأجنبية لكنها تتستر عليهم لوجود نسبة كبيرة بينهم من الأمراء الفاسدين. ويأتي في هذا السياق إبقاء “نظام الوكالات التجارية” الذي يمنح حقاً حصرياً لمجموعة من المؤسسات التجارية ويخولها احتكار توريد السلع والتحكم في أسعارها مما يخالف أبسط قواعد المنافسة، وترتب عليه ارتفاع أسعار السلع وتراجع خدمات ما بعد البيع، وأدى إلى تركز الثروة في أيدي فئة قليلة من أصحاب النفوذ السياسي ومعاناة المواطنين من الفقر والحرمان.  

يمكننا التساؤل عن السياسة المثلى لتخليص البلاد والعباد من هذا الوضع السيئ الذي أدى إلى التضييق على أفراد الشعب في أرزاقهم، من خلال التوزيع المجحف للثروة حيث تستحوذ فئة قليلة من المواطنين لا تتجاوز عشرة في المئة على أكثر من تسعين في المئة من الدخل المتاح وفقاً لأكثر التقديرات تحفظاً، علماً بأنه لا يوجد حلول عملية في الأفق تؤدي إلى إعادة توزيع الثروة في ظل استمرار تواطؤ صاحب القرار مع أصحاب المصالح الذين يمتلكون نفوذاً سياسياً كبيراً. إن الحل يكمن في رجوع الحق لأصحابه من خلال تملك الشعب للقرارات العليا وإخضاع الحاكم لسلطته وحينئذ يمتلك الشعب الحق في تقرير مصيره وتدبير شئونه حتى يتخلص من نظام الوصاية الذي يحابي فئة قليلة من المنتفعين ويمكنهم من تملك مقدرات البلد، على حساب السواد الأعظم من أفراد الشعب الذي يعاني الاضطهاد والقهر والتهميش والفقر والبطالة.  

 

شاركـــــها