حال السعودية شهر يونيو
مقدمة
يهدف هذا التقرير إلى تقديم رصد وتحليل نقدي لأبرز الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية خلال شهر يونيو من عام ٢٠٢٥ مع التركيز على تقييم سلوك النظام السعودي وسياساته. التقرير يُسلط الضوء على التناقضات بين التوجهات المعلنة والسياسات الفعلية، وتأثيرها على القضايا الإقليمية والدولية. تم إعداد التقرير بالاستناد إلى مصادر متنوعة، تشمل وكالات أنباء محلية ودولية، وتقارير منظمات دولية، وتحليلات خبراء.
في هذا التقرير، نسلط الضوء على هذه التناقضات من خلال قراءة نقدية لأبرز التحركات الدبلوماسية، والانتهاكات الحقوقية، والسياسات الاقتصادية، مدركين أن أي تحليل رصين لا بد أن ينطلق من الواقع، لا من ادعاءات السلطة، ومن مصالح الناس، لا من سرديات الأجهزة الرسمية. يمثل التقرير الشهري لشهر يونيو من عام ٢٠٢٥ مرآة قاتمة لحالة القمع المنهجي، والاضطراب المؤسسي، والتناقضات البنيوية التي تطبع المشهد السياسي والاقتصادي في السعودية اليوم. فتصاعد وتيرة الإعدامات – بما في ذلك إعدام الصحفي تركي الجاسر – يؤكد أن الدولة ما تزال تستخدم العنف القانوني كأداة لإرهاب المواطنين وتكميم الأفواه، في انتهاك صارخ للمعايير الدولية للمحاكمات العادلة وحقوق الإنسان. من المقلق أن تتحول تهم فضفاضة كـ”الخيانة” و”التحريض” إلى وسائل تصفية جسدية بحق من يمارسون حقهم في التعبير، خصوصاً حين تتورط الأجهزة الأمنية والقضائية في تغييب الشفافية وحرمان المعتقلين من الدفاع أو التمثيل القانوني.
اللافت أن هذا التصعيد الأمني يجري بالتوازي مع اختلالات استراتيجية، أبرزها الضربة الإيرانية لقاعدة العديد في قطر، التي كشفت عن هشاشة المنظومة الأمنية الخليجية، وتحديداً الاعتماد المفرط على الحماية الأميركية، ما يرسّخ واقع التبعية الاستراتيجية ويضعف القرار السيادي.
اقتصادياً، يتضح أن مشروع “رؤية ٢٠٣٠” يسير فوق رمال متحركة؛ إذ إن خفض توزيعات أرامكو – رغم تغطية إعلامية متفائلة – يعكس اضطراباً حقيقياً في بنية الاعتماد المالي على النفط، في ظل توسّع غير محسوب في الإنفاق الخارجي، من صفقات تسلح إلى عقود رياضية فلكية كصفقة رونالدو، التي باتت تمثل عبئاً على ميزانية الدولة.
إن التناقض بين خطاب التحديث وسلوك القمع، وبين طموحات التنمية وممارسات التبذير، يكشف عن أزمة في الشرعية وفقدان البوصلة السياسية. أمام هذا المشهد، تدعو القوى الديمقراطية الوطنية إلى بناء عقد سياسي جديد، يضمن الحريات، ويُخضع السلطة للمساءلة، ويُعيد توزيع الموارد بعدالة وشفافية، كطريق وحيد للنجاة من الانهيار الأخلاقي والمؤسسي القادم.
إعدامات لا تتوقف:
تشير البيانات الرسمية السعودية وعلى رأسها وكالة الأنباء السعودية بقيام الحكومة السعودية بإعدام ٥٥ إنسان خلالالشهر الحالي. تنوعت أسباب الإعدامات، حيث تم إعدام الكاتب والصحفي تركي الجاسر بتهم “عدد من الجرائم الإرهابية تمثلت في ارتكابه جريمة الخيانة العظمى من خلال التخابر والتآمر على أمن المملكة” في حين أن هناك مواطنين تم اتهامهم “على إنشاء تشكيل عصابي وانتحال صفة رجال الأمن وانتهاك حرمة مساكن وترويع الآمنين والسلبوالنهب باستخدام سلاح ناري“ وأيضا إعدام عدد كبير من الجنسية الصومالية والمصرية بتهمة تهريب أقراص الإمفيتامينوالحشيش المخدرين.
سابقة إجرامية:
ذكرت منظمة القسط لحقوق الإنسان أنه تم اعتقال الصحفي تركي بن عبد العزيز الجاسر في ليلة ١٥ مارس ٢٠١٨، عند حوالي الساعة الحادية عشر ليلاً، خلال اقتحام قوة من أمن الدولة (المباحث) لمنزله في الرياض. تم نقل الجاسر إلى مكان مجهول بعد مصادرة أجهزته الإلكترونية بالكامل. جرى اعتقاله بعد اختراق أمني لشركة تويتر (٢٠١٥)، تم خلاله كشفهوية المستخدمين المساهمين في حسابات “كشكول” الناقدة. حيث أكدت الصحيفة البريطانية The Guardian أن محاكمته جرت وراء أبواب مغلقة، ووصفت تهمه بأنها تشمل “خيانة عالية” و”التآمر مع جهات خارجية”، وذكرت شبهات واضحة عن التعذيب. وللأسف أنه طوال سبع سنوات من الاحتجاز، لم يُمنَح الجاسر محاكمة علنية أو معرفة مدوناتها أو تفاصيل التهم، مما يشير إلى استخدام “المحاكم السرية” كأداة قمع بدون شفافية. وتشير بعض المنظمات مثل منظمة حماية الصحفيين بوضوح إلى أن الجاسر تعرض لـ”تعذيب جسدي ونفسي”، ما يمسّ بشرعية أي اعتراف قانوني أمام القضاء.
إن توجيه تهم الخيانة وتمويل الإرهاب ضد صحفي بنبرة السلوك المدني يعيد توظيف القانون الجنائي لقمع حرية التعبير، وصياغة التوصيف القضائي لتبرير الإعدام. تؤكد هذه الحادثة، إن تنفيذ حكم الإعدام ضد الجاسر -بعد ست سنوات منمقتل جمال خاشقجي- رسالة بأن القمع السياسي لم يتغير، رغم تصريحات “إصلاحية” للسلطة السعودية. لهذا تندرج هذه العمليات ضمن نمط أوسع يتضمن ملاحقة الصحفيين والناشطين السياسيين، في إطار “استراتيجية أمنية قمعية” دون اعتبار للقانون الدولي والمعايير القضائية المقبولة. إن محمد بن سلمان، يعلم جيداً أنه نجا من تبعات وآثار جريمة جمال خاشقجي البشعة، واليوم هو يعيد الكرة والجريمة من جديد في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان وكرامته وحرمانه من حق الحياة.
وفقًا لتقرير صدر في ١٨ يونيو من مركز معلومات عقوبة الإعدام “Death Penalty Information Center“، يشير إلى ارتفاع نسبة الإعدامات لأسباب متعلقة بالمخدرات بشكل دراماتيكي: نحو نصف إجمالي عمليات الإعدام في السعودية خلال ٢٠٢٥ حتى الآن (حوالي ٥٠ حالة) كانت لأغراض تتعلق بالمخدرات. هذا يعكس زيادة حادة مقارنة بعام ٢٠٢٣، مما يثير شكوك المنظمات حول مدى توافق هذه الأحكام مع معايير “أشد الجرائم خطورة” في القانون الدولي. ولهذا أصدرت المبادرةالمصرية لحقوق الإنسان مع ٣٢ منظمة حقوقية وإنسانية تقرير يفيد بأن ١٤ حالة إعدام تم تنفيذها بحلول منتصف يونيو ٢٠٢٥، بزيادة تقارب ٨٠٪ عن العام السابق، غالبية حالات الإعدام كانت لأشخاص من جنسية أفريقية متهمين لاحقًا بجرائم مخدرات خفيفة.
تشير بيانات وزارة الداخلية إلى استهداف ممنهج للأجانب والمحرومين من العدالة، حيث في سجن نجران وحدها، يتعرّض عشرات من السودانيين والإثيوبيين والصوماليين لخطر الإعدام، بعضهم خضع لمحاكمات “غير عادلة”، وتم انتزاعاعترافاتهم تحت التعذيب ولم يحصلوا على تمثيل قانوني أو دعم قنصلي. بحسب مراسلون بلا حدود ومنظمة العفو الدولية، كثير من المتهمين يفتقدون الوصول إلى محامي، والمحاكم تعتمد بشكل مفرط على “الاعترافات المنتزعة بالقوة”، ما يجعل أحكام الإعدام عرضة لأن تصبح وسيلة لإسكاتهم أكثر من تحقيق العدالة. ولهذا نجد أن العديد من المنظمات الأممية الكبرى مثل الأمم المتحدة تنشر أن هناك “٢٦ مصريًا مهددين بالإعدام، ومخاوف من “عدم مراعاة الضمانات الأساسية مثل الدفاعالقانوني والحقوق القنصلية” في حين وصفت منظمة العفو الدولية هذه الظاهرة بأنها استمرار “لتنفيذ أحكام الإعدام في جرائم لا تستوفي معايير الجرائم الخطيرة”، ونبّهت من أن هذا يشكل “انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي”.
مغزى السياسات: قمع اجتماعي و استراتيجية أمنية
تسعى السعودية من خلال هذه الإعدامات إلى توجيه رسالة ردع عنيفة ضد الجريمة – خاصة بقضايا المخدرات – لكن في الوقت نفسه يُنظر إلى هذه الاستراتيجية على أنها جزء من قمع سياسي يطال الصحفيين والمهاجرين المستخدمين كأدوات لإظهار القوة الأمنية. مع تصاعد الزخم العالمي ضد هذه الجرائم، تبرز المخاوف من أن المحاكم السعودية تفتقر إلى “الحد الأدنى من الشفافية”، والتساؤل يثور حول مدى مطابقات هذه الإعدامات لـ”المعايير الدولية”، إضافة إلى عدم وجود ضمانات عدلية تضمن متابعة سير القضايا إبتداءاً من الاعتقال، ثم الاتهام، ثم المحاكمة والسجن. حيث تضخم أعداد الذين تم إعدامهم والذين سوف يتم إعدامهم يشكل بكل وضوح استهتار السلطة في التعامل مع الإنسان، حتى لو كانت هناك شبهات حول تورطه في التهريب.
في وقت سابق من عام ٢٠١٦ خرج الضابط السعودي تركي الرشيدي في مقطع مرئي على اليوتيوب، يؤكد أنه يتعرض لملاحقةانتقامية من داخل المؤسسة الأمنية بعد كشفه لشبكة متنفذة تدير ترويج المخدرات في السعودية، اختفى الضابط تركي الرشيدي بعد هذا المقطع من الوجود، حيث تأكد أنه معرض للتصفية لأنه كشف عن شبكة تمتهن ترويج المخدرات بعد متابعة ١٥ سنة من المراقبة والتحليل. لهذا نشير أن محاربة المخدرات ليست هي الدافع الأساسي للانتقام والإعدامات، وخصوصاً أن هناك مؤشرات تشير إلى تورط أفراد من الأسرة الحاكمة في هذا النوع من المخدرات. حيث تصنف العديد من المنظمات أن المخدرات تدار عبر عصابات الجريمة المنظمة. ولهذا نحن أمام تناقض صارخ، في الوقت الذي يستنجد الضابط السعودي المخطوف لدى السلطات السعودية بسبب كشفه لعصابة متنفذه تدير المخدرات في السعودية، وبين معاقبة الدولة بالإعدام لمن يدخل شريط مخدر.
الهجمات الإيرانية على قطر:
في ٢٣ يونيو ٢٠٢٥، شنّت إيران ما عُرف بـ ”عملية بشارة النصر”، واستهدفت بصواريخ باليستية وصواريخ قصيرة المدى قاعدة العديد الأميركية في قطر، ردًّا على الضربات الأميركية على منشآتها النووية . جاءت هذه الضربة رغم الإعلام المسبق بموعدها، ممّا مكّن الدفاعات الأمريكية والقطرية (باتريوت) من اعتراض ١٣ إلى ١٤ صاروخاً، دون إصابات بشرية .
كشفت الهجمات الإيرانية الأخيرة على قاعدة “العديد” في قطر عن فشل المنظومة الأمنية الخليجية مجتمعة، وأظهرت أنها لا تملك أدوات الردع أو الحماية المستقلة. هذا الحدث يسلط الضوء على هشاشة البناء الدفاعي لدول مجلس التعاون، وعلى رأسها السعودية، التي لطالما اعتمدت على الولايات المتحدة لتأمين الحماية العسكرية، سواء من خلال منظومات الدفاع الجوي أو عبر القواعد العسكرية المنتشرة في الخليج. الأخطر من ذلك أن “درع الجزيرة”، الذي رُوّج له كقوة ردع مشتركة بين دول المجلس، أثبت مرة أخرى أنه أداة موجهة لقمع الشعوب لا لحماية السيادة الوطنية. فقد تأسس عمليًا في خضم الثورات السلمية في ٢٠١١، وكانت أولى مهامه سحق مطالب الإصلاح في البحرين، لا صد التهديدات الخارجية.
إن هذا الواقع يفضح حجم التبعية العسكرية من قبل دول الخليج، التي لم تستثمر بشكل جاد في تطوير قدراتها الدفاعية الذاتية، بل فضّلت شراء الحماية من الخارج، حتى ولو كان ذلك على حساب القرار السيادي والاستقلال الاستراتيجي.
أثبتت المعركة أن قدرات الردع الجوية الخليجية غير مكتفية ذاتيًا، بل تقوم على الاعتماد شبه الحصري على التكنولوجيا الأميركية —بمنظومات باتريوت وتوشكا. يوضح خبراء أن “الباتريوت” قد تتمركز في مواقع أساسية وإستراتيجية، لكن ما نُشر عن ضعف الأداء والمناورة في الغارات الصاروخية (كما في هجمات أرامكو ٢٠١٩) يوضح التحدّي العربي في المجال الدفاعي . إن الأنظمة الخليجية، وعلى رأسها السعودية، فضّلت لعقود الاعتماد على البنتاغون لثقل الردع. وحتى عندما طُرحت رزمة أنظمة محلية مثل “وطني ١”، فقد كانت تجريبية، بدون دمجها ضمن شبكة تكامل دفاعية حقيقية.
ختاماً، لقد كشفت ضربة إيران أن العقيدة الأمنية الخليجية لا تزال بعيدة عن القناعة، في الوقت الذي بدأت فيه تهدف دول مثل قطر والإمارات نحو “أمن شمولي” يتجاوز حدود الاقتصاد، إلى إرادة ذاتية وفاعلية دفاعية حقيقية. الهجوم والأحداث اللاحقة قد يشعلان نقاشًا استراتيجيًا داخل دول الخليج حول توسيع الاعتماد على الذات وليس على إسمنت الوجود الأميركي.
غسيل سمعة أم استثمار رياضي اقتصادي
في ٢٦ يونيو ٢٠٢٥، مدّد كريستيانو رونالدو عقده مع النصر لمدة عامين إضافيين، حتى يونيو ٢٠٢٧، حينها سيبلغ عمره ٤٢ عاماً. يشمل العقد: راتب سنوي صافي يقدر بنحو ٢٤٥ مليون دولار. أي ٦٧٠ ألف دولار يومياً. إضافة إلى مكافأة توقيع فورية تزيد على ٣٣ مليون دولار، تشمل امتيازات ١٥٪ من أسهم النادي التي تقارب ٤٥ مليون دولار، إضافة إلى طائرة خاصة و١٦ موظفاً شخصياً.
عبء مالي ضخم: هذا العقد يجعله أغلى عقد رياضي في التاريخ، بتكلفة متوقعة تقارب نصف مليار دولار طوال مدته. يُعد هذا المبلغ أضخم من أي راتب في الدوريات الأوروبية أو الأمريكية، مما يشكل ضغطًا ماليًا مباشرًا على ميزانية النادي والدولة.
لهذا تعتبر هذه الصفقة غالبًا لا تعكس رأسمالًا رياضيًا حقيقيًا بقدر ما هي أداة لرفع صورة المملكة عالميًا: يُنظر إليها على أنها جزء من استراتيجية الغسيل الرياضي “Sportswashing“، التي تهدف للتغطية على سجّل حقوق الإنسان وقضايا الحريات. التكاليف المبالغ فيها موجهة للاستثمار في مشروع “الرياضة للانطباع”، لكن مخاطرها تشمل ارتفاع الديون وضغط على الموارد المالية بعيدًا عن التنمية المحلية والمستدامة.
خفض توزيعات أرامكو: ضوء أحمر في السياسات المالية للمملكة
في تطور لافت يعكس هشاشة البنية المالية المعتمدة على العوائد النفطية، أعلنت شركة “أرامكو” السعودية خفض توزيعات أرباحها بمقدار عشرة مليارات دولار، لتستقر عند ٢١.٤ مليار دولار في الربع الأول من عام ٢٠٢٥. هذا القرار، الذي نُشرعبر صحيفة فاينانشال تايمز، لم يكن مجرد خطوة تقنية داخلية، بل مؤشر بالغ الأهمية على اضطراب التوازن المالي في المملكة في ظل تقلبات سوق الطاقة العالمية وتراجع أسعار النفط إلى مستويات أقل من المتوقع.
الخفض في التوزيعات يمثل أكثر من مجرد إعادة هيكلة داخلية لأرامكو؛ إنه في الواقع ارتداد مباشر على خزينة الدولة، إذ إن الحكومة هي المساهم الأكبر في الشركة وتعتمد اعتمادًا واسعًا على أرباحها لتمويل الموازنة العامة. ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه المملكة من تصاعد نفقاتها، لا سيما في قطاعات التسلح، المشاريع العملاقة مثل “نيوم”، والصفقات الرياضية الباذخة التي ترهق المالية العامة دون تحقيق عوائد مضمونة أو مستدامة.
انعكاسات هذا القرار بدأت تظهر بالفعل؛ فهناك مؤشرات للجوء وزارة المالية إلى تعزيز الاقتراض المحلي والدولي، وتزايد الضغوط على الاحتياطيات الأجنبية. كما أن هذا الخفض يضعف قدرة الدولة على الاستمرار في تنفيذ برامج “رؤية ٢٠٣٠” الطموحة دون مراجعة جذرية لأولويات الإنفاق. فمن غير المعقول استمرار الدولة في إنفاق استعراضي خارجي بينما الداخل يئن تحت وطأة البطالة، وتضخم الأسعار، وتقلص دعم الخدمات الأساسية.
إن هذه اللحظة تتطلب من صناع القرار الخروج من عباءة الطمأنينة النفطية، والاعتراف بأن الثروة لا تُصنع فقط من بيع الموارد، بل من العدالة في توزيعها، ومن الكفاءة في إدارتها. وإلا فإن اقتصاد المملكة سيظل مرتهنًا بأهواء السوق، لا بإرادة التخطيط الرشيد.
ختاماً:
ما يقدمه هذا التقرير ليس مجرد استعراض لأحداث متفرقة، بل تشريح لبنية نظام سياسي وأمني واقتصادي يقوم على القمع والتضليل واحتكار القرار، ويعجز عن تحقيق الحد الأدنى من العدالة والشفافية والفعالية. إن تزايد الإعدامات، لا سيما بحق الصحفيين والمهاجرين، يكشف عن منطق سلطوي لا يرى في الإنسان قيمة تُصان، بل أداة إما للطاعة أو للإبادة الرمزية والمادية. إن محاكمة تركي الجاسر في الظل، بعد سنوات من الاحتجاز والتعذيب، ليست سوى صفحة في سجل مقلق يعجّ بضحايا المحاكمات السرية، حيث تُستخدم تهم الإرهاب والخيانة كأغطية قانونية للتخلص من كل من يرفع صوته أو يمسك قلمه.
وفي خلفية هذا القمع الدموي، تقف آلة أمنية معسكرة تفرض منطق “الردع العام” لا على المجرمين الحقيقيين، بل على الصحفيين والمهمّشين والأجانب الفقراء. وهذا يعكس استغلال الدولة لعقوبة الإعدام ليس لحماية المجتمع، بل لترسيخ مناخ الخوف، والتغطية على فشل النظام في معالجة جذور الجريمة والفساد البنيوي.
أما على الصعيد الجيوسياسي، فقد كشفت الهجمات الإيرانية على قاعدة العديد هشاشة الردع الخليجي، وزيف التصورات التي سوقتها السلطات السعودية لعقود عن “قوتها الإقليمية”. إذ تبيّن أن هذه الدولة، التي تنفق مئات المليارات على التسليح، تفتقر إلى منظومة أمنية مستقلة وفعّالة، وأن اعتمادها الكامل على الحماية الأميركية لم يجلب لها سوى التبعية وغياب الإرادة السيادية.
وفي الاقتصاد، فإن خفض توزيعات أرامكو، والانخراط في عقود رياضية باهظة كصفقة كريستيانو رونالدو، يعكسان سياسات مالية تفتقر إلى الحكمة وضياع البوصلة. فبدلاً من استثمار الثروة في الصحة والتعليم وتمكين الشباب، تُهدر الموارد في تلميع الصورة الخارجية وفي مغامرات لا تعود بأي مردود حقيقي على المواطن.
هذه الصورة الكاملة، التي يجمع فيها النظام بين الاستبداد السياسي، والفساد المالي، والتبعية العسكرية، تؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتم من داخل منظومة الحكم ذاتها، لأنها قائمة على تغييب الإرادة الشعبية ورفض المساءلة. إن ما تحتاجه السعودية اليوم هو انتقال ديمقراطي حقيقي، يقوم على تحرير الفضاء السياسي، وضمان حرية التعبير، وإطلاق سراح سجناء الرأي، وتأسيس نظام قضائي مستقل، وإعادة توزيع الثروة بشكل عادل وشفاف.
إن القوى الوطنية المعارضة – مهما اختلفت توجهاتها – مطالبة اليوم ببناء تحالف ديمقراطي واسع، عاقل ورصين، يُعيد للناس ثقتهم بأن التغيير ممكن، وأن الكرامة والعدالة ليستا ترفاً، بل حقاً لا يسقط بالتقادم.
نسخة PDF للتقرير الشهري