الضرائب غير المباشرة في الاقتصاد السعودي: لماذا يتحمل المواطنون العبء الضريبي؟
الضرائب هي مبالغ مالية يتم اقتطاعها من الدورة الاقتصادية، تُفرض على الدخول والأسعار والنشاطات الاقتصادية المختلفة وفق نسب محددة بهدف تحقيق سياسات معينة، كتقليص قطاعات معينة من خلال فرض ضرائب مرتفعة، ودعم قطاعات أخرى من خلال منحها إعفاءات ضريبية. قبل فرض أي ضريبة يسترشد المشرعون بذوي الاختصاص للقيام بدراسات مستفيضة لتحديد الوعاء الضريبي بدقة، وتقدير كلفة الضريبة لما قد تحدثه من تشوهات في البنية الاقتصادية، وتحديد العبء الضريبي ومن هي الفئة التي يقع عليها، بل إن السؤال المهم هو هل سيؤدي فرض الضريبة إلى إعادة توزيع الدخل بطريقة مجحفة؟ لهذا السبب لا يتم فرض الضرائب إلا بعد إجراء دراسات مستفيضة ونقاشات شاملة للحد من الآثار السلبية المحتملة، والتسرع في فرض الضريبة بطريقة عشوائية ليس يؤدي إلى فشلها في تحقيق أهدافها فحسب، بل يؤدي إلى الإسراع في إلغائها مما يؤدي إلى فقدان الثقة في القرارات الاقتصادية ويكشف للعلن جهل متخذ القرار بأبسط المبادئ الاقتصادية.
هناك أنواع متعددة للضريبة، كالضريبة الثابتة (الرسوم) التي يتساوى في تحمل عبئها الغني والفقير لأنها لا علاقة لها بمستوى الدخل، وهذا النوع من الضرائب توسع في استخدامها النظام السعودي في أواسط الثمانينات من القرن المنصرم أبان انهيار أسعار النفط لسد العجز الكبير في الميزانية العامة التي حُجب الإعلان عنها في ذلك العام. تلك الرسوم كانت عبارة عن نظام جباية مجحف يقع جل عبئه على محدودي الدخل دون الحصول على أبسط الحقوق كالرقابة الشعبية على إنفاق مداخيل الضرائب، فضلاَ عن المشاركة الشعبية من خلال انتخاب نواب الشعب وفقاً للمقولة الشهيرة: “لا ضرائب دون تمثيل الشعب”، والعكس أيضاً صحيح: “لا تمثيل شعبي دون ضرائب.” وفي هذا الصدد، يجب التنويه بأن النظام السعودي قد نجح في خداع المواطنين من خلال تسويق الضرائب كرسوم مقابل خدمات عامة يُفترض أن تقدمها المؤسسات الحكومية للمواطنين مجاناً كما هو الحال في بقية دول العام.
النوع الثاني من الضرائب هي الضريبة السعرية التي يتم اضافتها إلى أسعار السلع والخدمات، كما تعرف بضريبة المبيعات والقيمة المضافة والتعرفة الجمركية، وهذا النوع من الضرائب هي ضرائب مباشرة على دخول المواطنين تؤدي إلى تراجع الدخل المتاح. وقد أعلن النظام السعودي رفع ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 15% دون سابق انذار ودون دراسة للآثار السلبية المحتملة، وبالتالي تراجع الدخل المتاح للمواطنين إلى 85% من الدخل المتاح قبل الضريبة، كما زعم النظام أن رفع الضريبة هو إجراء مؤقت لمدة خمس سنوات لمواجهة تقلبات أسعار النفط. ولقد أضحى جلياً أن الهدف الأساسي من هذه الضريبة مرة أخرى هو الجباية المجحفة التي يتحمل عبئها المواطنون محدودو الدخل، وعلى كل حال انكشف للشعب كذب النظام وتدني مصداقية نظرا لعدم التزامه بوعده بتخفيض الضريبة بعد مرور خمس سنوات. ويبدو بأن هناك المزيد من الضرائب المباشرة سيتم فرضها في القريب العاجل بأسلوب متسرع وعشوائي مثل الضرائب على الدخول (الأجور وأرباح الشركات ومداخيل الكيانات التجارية) والضريبة على العقار والمنازل دون أية اعتبارات للتأثيرات السلبية المحتملة.
جميع ما تم ذكره حتى الآن هو ضرائب مباشرة، ولكن ما هي الضرائب غير المباشرة التي يدفعها المواطنون دون أن يدركوا آثارها المدمرة على دخولهم المتاحة وعلى مستويات الأسعار التي يدفعونها في نقاط البيع، وهذا النوع من الضرائب تبناها النظام السياسي لتحقيق روافد مالية للميزانية العامة ولأجل تمويل المشاريع الضخمة عالية الكلفة ومعدومة المداخيل في الأجل القصير على الأقل. لعل أبرز الأمثلة للضرائب غير المباشرة التي يتحمل تبعاتها فعلياً المواطنون هي النظام الضريبي التي فرضته الحكومة على العمال الأجانب من خلال ما يسمى “نظام الإقامة”، وقد أدى ذلك بشكل مباشر إلى زيادة مداخيل الحكومة، ولكن نتج عن ذلك إغراق البلد بعمالة متدنية الكفاءة غير قابلة للتوظيف في بلدانها الأصلية، مثّل ذلك عبء ثقيل على الاقتصاد الوطني من خلال تحويل مئات المليارات سنوياً إلى البلدان الأجنبية. كما يمثّل عبء ثقيلاً يقع على كاهل القوى العاملة الوطنية التي أصبحت تعاني من الفقر والبطالة نظراً للتوسع في استقدام الأيدي العاملة الأجنبية، ومما يدلل على ذلك اختفاء مفردة “السعودة” تماماً من قاموس النظام السعودي الذي ما برح يتشدق بها خلال ردح من الزمن.
يمثّل نظام الاستثمار الأجنبي الذي فرضته الحكومة قبل سنوات أنموذجا آخراً من الضرائب غير المباشرة على المواطنين، ولقد لجئت الحكومة لتبني هذا الإجراء في الأصل لمواجهة “التستر التجاري” الذي فشل النظام السعودي فشلاُ ذريعاً في القضاء عليه، وبناء على نظام الاستثمار الأجنبي تفرض الحكومة ضريبة على مداخيل المستثمرين الأجانب مما يحقق دخلاُ هائلاُ للخزانة العامة. ولكن ألا يعلم متخذ القرار أن تلك المداخيل هي ضرائب غير مباشرة يتحملها الشعب من خلال تقليص فرص الاستثمار المتاحة للمواطنين الذين يعانون الفقر والبطالة والتهميش في بلادهم.
من الظواهر الملموسة في الاقتصاد السعودي- في هذه المرحلة على وجه الخصوص- هي الزيادة المضطردة في مستويات الأسعار كالسلع الاستهلاكية والمساكن والخدمات، ويبدو ذلك جليا في تدني كمية السلع التي يمكن شرائها بالدخل المتاح للمواطن، والذي يعرف كذلك بتراجع “القوة الشرائية للريال السعودي”، فما هي أسباب هذا التضخم؟ قد يعود السبب كما تدعي الحكومة إلى “التضخم المستورد”، وقد يكون ذلك صحيحاً لكنه يمثل كذلك فشلاُ ذريعاً لسياسة الحكومة في مواجهة التضخم المستورد. ولكن ما علاقة ذلك بقضية العبء الضريبي الذي يثقل كاهل المواطنين السعوديين؟ في حال استمرار العجز المزمن في الميزانية العامة للحكومة قد يلجئ النظام إلى تمويل العجز من خلال التضخم، وذلك بتخفيض القوة الشرائية لدخل المواطنين دون أن يشعر المواطن بتلك الضريبة، وهذه الحيلة عادة ما تتبناها الأنظمة الشمولية التي تمنع المشاركة السياسية والرقابة الشعبية على قرارات الحكومة.
هذه الضرائب غير المباشرة التي يتحمل عبئها المواطنون هي المسؤول الأول عن الفقر والبطالة التي أدت إلى اضمحلال الطبقة الوسطى وزيادة طبقة محدودي الدخل. لعل التساؤل الأخير الذي يبحث عن إجابة هو: لماذا يتحمل المواطنون أعباء الضرائب غير المباشرة؟ والإجابة السريعة هي أن الشعب هو الحلقة الأضعف في أولويات النظام السياسي المستبد، الذي ما أنفك يعتدي على المواطنين قتلاً وسجناً وتهميشاً وحرماناً وتجويعاً وتشريداً. إن الحل يكمن في مواجهة الطغيان والقضاء عليه حتى يصبح المواطنون هم أصحاب القرار من خلال انتخاب النظام السياسي الذي يمثلهم ويخدمهم ويدافع عن مصالحهم لا أن يستعبدهم.