السعودية أما آن أوان المصارحة والمصالحة وتقوية الجبهة الداخلية

 

في هذه المرحلة العسيرة التي تمر فيه منطقتنا العربية وما تشهده من صراعات وحروب وإعادة تشكيل للمنطقة من حيث النفوذ وربما أيضاً الحدود، وفي الوقت الذي سقطت فيه أقنعة بعض الحكام العرب الذين يرون في العمالة للعدو مصلحة وحكمة، وأن الخيانة وجهة نظر. أما آن لولي العهد السعودي أن يعود لرشده، ويعيد النظر في سياساته الداخلية والخارجية ويغلب المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية ويصحو من الوهم الذي يعيش فيه، الذي رسمه له قلة من الانتهازيين المحيطين به، عديمي الكفاءة والنزاهة، الذين ليس لديهم ضمير حي و يفتقرون للشجاعة.

في عهد الملك سلمان ازداد القمع وانتهاك حقوق الإنسان، وكثرت الإعدامات وامتلأت السجون بمعتقلي الرأي من مختلف التيارات الإسلامية والليبرالية ونشطاء حقوق الإنسان وأفراد من الأسرة الحاكمة، والمواطنين البسطاء رجالاً ونساء، وامتدت الاعتقالات لشرائح وأفراد عرفوا بولائهم للنظام الحاكم. وهكذا لم يبق له تيار حليف في المجتمع.

كل الملوك السابقين يبدأون فترة حكمهم بعفو عن المعارضين السياسيين ويحاولون أن يبدأوا حكمهم بتصفير المشاكل، إلا الملك سلمان لم يصدر عفواً عن سجناء الرأي والمعارضين السياسيين، بل على العكس بدأ حكمه بعقلية الثأر والانتقام، فقام بأثر رجعي باعتقال كل الذين كان لهم رأي أو وجهة نظر مختلفة عبروا عنها في سنوات الانفتاح المحدودة في عهد الملك عبدالله، وأودعهم السجون، ومن انتهت محكومياتهم من المعتقلين السابقين لم يفرج عنهم بل أحالهم إلى قضاء التعليمات ومدد سجنهم سنيناً طويلة، ومن خرجوا من السجن انتهج معهم سياسة التجويع، فتم فصلهم من أعمالهم ومنعوا من الوظائف الحكومية والقطاع الخاص بحجة إنهم أصحاب سوابق، حتى تطبيقات سيارات الأجرة رفضت أن يعملوا فيها. وهي علامة على صفة الحقد التي عرف بها الملك سلمان ويبدو أنه ورّث هذه الصفة لولي العهد للأسف. وهذه صفة ذميمة لا تليق برجل عادي فما بالك بحاكم، وتورد المهالك كما قال عنترة بن شداد:لا يَحمِلُ الحِقدَ مَن تَعلو بِهِ الرُتَبُ وَلا يَنالُ العُلا مَن طَبعُهُ الغَضَبُ

وبعد التنمر على المجتمع داخليا، بدأ التنمر السياسي على الخارج على دول مثل قطر وكندا واحتجاز سعد الحريري والحرب العبثية على اليمن، وقدّم لنا أن هذا التنمر والطيش والمراهقة السياسية على أنها “الحزم والعزم”، والنتيجة اليوم السعودية رغم الإمكانيات والمقومات الهائلة التي تتمتع بها البلاد، إلا إن تأثيرها السياسي متواضع بدليل تنمر دول صغيرة عليها، وعلى المستوى الاقتصادي زادت البطالة وتراجع الدخل وتآكلت الطبقة الوسطى وزادت الديون.

لقد ظل الوصول لكرسي الحكم بأي وسيلة، غاية بالنسبة لولي العهد ونسي الوطن، وتوهم أن أي رأي مستقل أو مطالب عادلة بالحرية وحقوق الإنسان هي عائق تحول بينه وبين هذا الكرسي، فأصبح الشعب هو العدو رقم واحد، وأن رضى الغرب وخصوصاً إدارة ترمب هي طريق الوصول للحكم وهي الحامي، فرهن ثروة البلاد تحت تصرفهم، بمسميات استثمار وصفقات أسلحة. وهذه وصفة ثبت فشلها، فهذا شاه إيران أثقل كاهل الاقتصاد الإيراني بصفقات أسلحة باهضة الثمن في محاولة لشراء ولاء الغرب وحمايته، وإنفاق المليارات في احتفالات داخل مدينة برسيبوليس الأثرية بمناسبة مرور ٢٥٠٠ سنة على تأسيس الامبراطورية الفارسية وملأ السجون بالمعارضين والنتيجة سقوط مدوٍ، ورفض الغرب استقباله بعد السقوط فلجأ لأنور السادات. وهذا معمر القذافي كشف عن برنامجه النووي السري وسلمه للغرب وموّل حملات انتخابية لزعماء غربيين، أبرزهم رئيس فرنسا نيكولا ساركوزي والنتيجة أن فرنسا ساركوزي هي التي قادت الناتو لاسقاط القذافي وقتله. كما أن الاعتماد على رجال الدين الرسميين ليصدروا الفتاوى التي تضفي الشرعية على الحكم وعلى القمع وحماية الكرسي، هو خيار فاشل لأن رجال الدين هؤلاء مع من غلب وهم صراحة يفتون أن الشرعية للمتغلب وليس بالشورى وإرادة الشعب، فهم معك ما دامت قوي أما إذا سقطت بانقلاب من داخل الأسرة أو بانقلاب عسكري فسيلتفون حول المنقلب المنتصر، واذكركم بفتوى علماء السعودية بخلع الملك سعود وهو الملك رأس الدولة والسلطة، بعد أن رأوا أن القوة مع الملك فيصل، وكل الكلام على أنه لا يجوز الخروج على الحاكم ما لم يأتي بكفر بواح ذهب أدراج الرياح، فلا تركن لهم فهؤلاء خدام القوي فقط، من منهم عندما عزلتم محمد بن نايف اعترض أو حاججكم وقال لكم أننا بايعنا الرجل ولا يجوز خلعه، كما أن الأجيال الجديدة من المواطنين ازداد وعيهم ولم يعد ممكناً خداعهم بفتوى، فهذه الأجيال في غالبيتها رأت تقلبات وتلون رجال الدين الرسميين مع هوى السلطة وتقفز إلى النقيض معها دون خجل، فأصبح ينظر إليهم على أنهم تجار دين جبناء وانتهازيين ومرجعيون في خطابهم الديني الذي لا يواكب العصر وينظّر للاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان.

إنك عندما تعتقل شخصاً بسبب رأيه، فإنك تصنع جيشاً لا أقول من الأعداء وإنما من الكارهين لك النافرين منك، فكل معتقل له أسرة، له أم وأب وأبناء وبنات، فهل تظن أن العائلات سترخص أبنائها لك، كما أن لكل معتقل أصدقاء ومحبين، ماذا تعتقد نظرتهم لك، وكل حر وحرة من المواطنين الرافضين للظلم، هل تعتقد أنهم يحترمونك، قد يسكتون لأنهم خائفين ولكنهم بالتأكيد لا يحترمونك. جريمة قتل جمال خاشقجي وكل ما فيها من غدر ووحشية وجبن، هل تظن أن الناس صدقوا أنك لم تأمر بها وأن رجال المخابرات والأمن تطوعوا للقيام بها، هل تظن أنها أضافت عليك هيبة وقوة، بل زاد احتقار ونفور الناس منك، وهي ملف مفتوح سيظل يلاحقك، مثلما استخدمت ملف الفساد لاستبعاد الأمراء المنافسين لك، غداً إذا عصفت بك الأيام مثل محمد بن نايف، سيفتح هذا الملف لمحاكمتك وابعادك عن المشهد، وسينفض أتباعك من حولك كما انفض أتباع محمد بن نايف. ولن تستطيع اللجوء لأي بلد لحمايتك.

ولذلك فأن الضمانة لأي حاكم وحكم هو الشعب، فإذا كان الحاكم وطنياً ومعتمداً على شعبه وشعر الناس أن الحاكم قريب منهم وضامن لمصالحهم وحافظاً لكرامتهم، دافع الناس عنه بحياتهم وأفشلوا أي عدوان خارجي أو انقلاب داخلي. حتى ولو لم يكن ديمقراطياً بالكامل، فهذا الزعيم الفنزويلي هوغو تشافيز الذي انتخب عام ٩٨، عندما أطاحت به الولايات المتحدة بانقلاب عسكري، نزل الفقراء من الجبال المحيطة بالعاصمة كاراكاس واتحد الشعب مع الجيش وأعادوه للسلطة في ٤٨ ساعة فقط، على العكس من مادورو.

لذا آن الأوان لتقوية الجبهة الداخلية، وذلك بإطلاق سراح سجناء الرأي والمعارضين السياسيين، وتبني المصارحة والمصالحة، وهما مساران ضروريان لبناء الثقة وتحقيق الاستقرار وتخفيف الاحتقان، فاعتراف السلطة بأخطائها لحظة تتطلب شجاعة وإرادة وقرار من ولي العهد فوزر هذه الأخطاء والانتهاكات تقع على عاتقه بالدرجة الأولى، والمصالحة تقتضي جبر الضرر وتعويض الضحايا، وهناك تجارب دولية يمكن الاستفادة منها، مثل تجربة المغرب في عام ٢٠٠٤م.، ومن ثم الشروع في مشروع اصلاح سياسي وقضائي واقتصادي وفتح حوار مجتمعي حوله ينتهي بتصويت شعبي عليه.

ومن الحكمة لولي العهد أن يحيط نفسه بأساتذة الجامعات من مختلف المجالات كمستشارين، وأن يمنحهم الحرية بأن يصرحوا بآرائهم ويصدقوه القول في النصيحة والمشورة دون خوف أو مجاملة. ويبعد الثنائي سعود القحطاني وتركي آل الشيخ اللذان ورّطاه بانتهاكات حقوق الإنسان، و تبذير وهدر المال العام فيما لا ينفع الوطن، وتسببوا في فجوة وجفوة بين ولي العهد وقطاع واسع من المواطنين.

الدستور أولا..

الديمقراطية الآن..

مواطنون لا رعايا..

 

شاركـــــها