رؤية ٢٠٣٠ محكومة بالفشل، لماذا؟
عدد كبير من الدول النامية تبنت خطط للتنمية شبيهة لخطة المملكة المعروفة برؤية 2030، وكان ذلك استجابة لتوصيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي يهدف إلى القضاء على الفقر وتحقيق التنمية المستدامة، إلا أن خطط الدول الأخرى لم تحصل على الزخم الإعلامي مقارنة بما حصلت عليه الخطة السعودية. وفيما يبدو أن هذا المديح والثقة الكبيرة الممنوحة للخطة، التي يُزعم بأنها ستخلص الاقتصاد السعودي من العديد من المشكلات التنموية وتجعله في مصاف اقتصادات الدول العظمى، المقصود منها مكاسب سياسية يحصل عليها أفراد نافذين في النظام السياسي حتى يُطلق عليهم ألقاب مثل “عرّاب” و”مهندس” الرؤية. وفي الحقيقة فإنه ليس هناك ما يدعو إلى الفخر في هذه الرؤية المزعومة، فهي أقل من مستوى بحث لطالب في سنته الجامعية الأولى، فما هي المبالغ التي تم دفعها للجهات الاستشارية التي قدمت هذه الخطة الفاشلة؟ بل إن السؤال المهم هو: ألا يوجد مختصون من أبناء وبنات الوطن قادرون على تقديم خطة وطنية أفضل من ذلك؟ ماذا عن أساتذة الجامعات؟ ماذا عن المختصين الذين درسوا في الجامعات العالمية؟ ألا يستحق كل أولئك فرصة لخدمة بلدهم؟
القارئ البسيط الذي أطلع على خطط التنمية الخمسية السابقة لا يجد فرق كبير بين تلك الخطط والرؤية الحالية سواء في المضمون أو الأهداف، بل إن الخطة الحالية هي عبارة عن اختصار مخل لما كان يُعرض في خطط التنمية السابقة التي كانت تحتوي على معلومات وإحصاءات دقيقة عن واقع الاقتصاد السعودي والمؤشرات الضرورية كالتضخم والبطالة والمالية العامة والتجارة الخارجية واتجاهات الاقتصاد العالمي. وعلى الرغم من اللغة الاقتصادية الراقية والمعلومات التفصيلية الدقيقة فشلت خطط التنمية الخمسية المتعاقبة في تحقيق أهدافها المرسومة لأسباب كثيرة، ولا يوجد أي مؤشرات تشي باختلاف كبير بين خطط التنمية الخمسية السابقة ورؤية 2030 التي سيكون مصيرها فيما يبدو الفشل نظراً لتوافر الأسباب ذاتها. فما هي هذه الأسباب؟
على الرغم من تكرار عبارات مثل “الشفافية” و “المحاسبة” في ثنايا رؤية 2030، إلا أنها محاطة بسريّة تامة ويُمنع النقاش حولها فضلاً عن انتقادها الذي قد يُواجه بالسجن والعقاب، ولا أعلم ما هو سبب هذا التعتيم على خطة وطنية تمس حياة عموم المواطنين ويهتم بها أصحاب التخصصات العلمية ذات العلاقة. وكان من المفترض أن يشجع النظام السياسي عقد حلقات نقاش مستقلة حول الرؤية والسماح بتداول انتقاداتها في وسائل الإعلام لأجل تحسين الأداء وتحقيق النتائج المرجوة، بل من الأفضل التصويت عليها من قبل نواب الشعب المنتخبين حتى يكون أفراد الشعب هم جنود تنفيذها.
وفي هذا السياق لا توجد أي إشارة لأي دور محتمل للمواطنين في الرؤية إلا في إطار كونهم مستفيدين منها، وهذا يعكس تجاهل رأي الشعب في إدارة شؤونه وكأنهم مجموعة من القطيع التي ليس لها الحق في تقرير المصير. فكيف يكون المجتمع “حيوي” وهو ليس له أي دور في إدارة شؤون بلاده، بل ويتبنى النظام السياسي توجهات أيديولوجية متشددة تارة وليبرالية تارة أخرى ولا يسع الشعب إلا أن يتماهى معها دون أن يستطيع انتقادها علانية، حتى لو شعر بخطر محدق يهدد وجود مجتمعه.
ليس هناك ذكر لأية إصلاح سياسي في رؤية 2030 وهذا يعكس نية الاستمرار في الاستئثار بالسلطة المطلقة في ظل حكم ملكي استبدادي يهمش الشعب ويصادر إرادته ويهيمن عليه. وقد اقتصر “الاستشاري” معد الخطة بذكر إعادة هيكلة الأجهزة الحكومية (الوزارات والهيئات والإدارات) لأجل تحسن الأداء دون تبني تنمية سياسية حقيقية تتماشى مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تم تفصيلها في الخطة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن نجاح أي خطة اقتصادية مرهون بإصلاح القرار السياسي المناط به اتخاذ القرارات الأخرى التي تخدم المصالح الوطنية في المقام الأول وتغليبها على المصالح الشخصية الضيقة التي أدت إلى فشل خطط التنمية الخمسية السابقة.
الإنسان هو عماد التنمية بمعناها الشامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وبالتالي فإنه يحق لنا التساؤل ماذا حل بأبناء الشعب منذ البدء بتطبيق رؤية 2030؟ يشير المختصون إلى أن الاستثمار في الأصول غير الإنتاجية، مثل مشاريع الترفيه والبنى التحتية للمشاريع العقارية الجديدة، أدت إلى استنفاذ الفوائض المالية التي تراكمت لدى خزائن الدولة عبر السنوات الماضية، بل واضطرت الحكومة إلى الاقتراض مما أدى إلى رفع سعر الفائدة وسحب السيولة النقدية من البنوك المحلية. أدى ذلك إلى تراجع استثمارات القطاع الخاص وتراجع مؤشرات سوق الأسهم، كما تسبب الإنفاق الحكومي الكبير إلى ارتفاع معدلات التضخم وقد انعكس ذلك على مستويات الأسعار ونقص شديد في تعداد المساكن المتاحة للمواطنين. كما أدى التوسع في جلب الأيدي العاملة الأجنبية، التي تحصل على أجور عالية، إلى تناقص الفرص الوظيفية المتاحة للقوى العاملة المحلية ومن ثم زيادة البطالة بين المواطنين.
لعل الهدف اللافت للنظر هو رفع دخل الدولة السنوي من الموارد غير النفطية إلى ترليون ريال، وذلك يعني التوسع في الضرائب والرسوم التي يتحمل عبئها في الغالب محدودي الدخل من المواطنين مما أدى إلى تراجع الدخل المتاح للأسرة خصوصاً مع معاناة بعض أفرادها من البطالة. وقد أدى ذلك إلى انتشار الفقر في المجتمع في ظل غياب الإحصاءات الدقيقة التي توضح حجم المشكلة، ولا يوجد لدى الحكومة برامج للتخفيف من معاناة الأسر من الفقر والعوز، لعل ذلك يتعارض بشكل صارخ مع هدف رفع ادخار الأسرة إلى 10% من الدخل المتاح سنوياً. وقد أدى توسع النظام السياسي في القمع والانتهاكات (السجن التعسفي والتعذيب والاعدامات السياسية وحظر مؤسسات المجتمع المدني) إلى تدهور مستوى الحريات العامة، وتنشر المنظمات العالمية المعنية بحقوق الإنسان تقارير مروعة ومخزية في ذلك الصدد، فإذا كان واقع حقوق الإنسان قد وصل إلى الحضيض فيحق لنا أن نسأل عن ماذا حل بهدف الارتقاء بجودة الحياة؟!!
ومن الأهداف المحورية للرؤية هو تنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على الموارد النفطية الناضبة، وقد تكرر وضعه في خطط التنمية الخمسية المتوالية منذ الخطة الأولى التي وُضعت في عام 1970م، إلا أن هذا الهدف قد فشل الوصول إليه في السابق ومن المستبعد تحقيقه في المستقبل نظرا لارتباط قطاع النفط المحلي بالاقتصاد العالمي. وقد وصل هذا الترابط إلى فقدان السيادة على مستويات الإنتاج المحلي حيث أضحت الدول العظمى تتدخل بشكل مباشر مطالبة برفع الإنتاج اليومي من النفط الخام، ولا يسع النظام السياسي إلا أن يرضخ للضغوط السياسية ويستجيب للمطالبات، حتى لو كانت تتعارض مع المصالح الوطنية العليا.
وفي الختام فإنه يسعنا القول إن رؤية 2030، على الرغم من الزخم الإعلامي والميزانيات الضخمة المرصودة لها، مصيرها الفشل الذريع، ولكن ما هو مصير “عرّاب الرؤية” هل سيقوم بتقديم استقالته؟! ومن ثم يفسح المجال لحاكم جديد منتخب من الشعب يتولى قيادة البلاد ويصحح الأخطاء الكارثية التي تراكمت في المراحل السابقة؟!