التقرير الشهري حال السعودية أغسطس ٢٠٢٥
مقدمة
يهدف هذا التقرير إلى تقديم رصد وتحليل نقدي لأبرز الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية خلال شهر أغسطس من عام ٢٠٢٥ مع التركيز على تقييم سلوك النظام السعودي وسياساته. التقرير يُسلط الضوء على التناقضات بين التوجهات المعلنة والسياسات الفعلية، وتأثيرها على القضايا الإقليمية والدولية. تم إعداد التقرير بالاستناد إلى مصادر متنوعة، تشمل وكالات أنباء محلية ودولية، وتقارير منظمات دولية، وتحليلات خبراء. في هذا التقرير، نسلط الضوء على هذه التناقضات من خلال قراءة نقدية لأبرز التحركات الدبلوماسية، والانتهاكات الحقوقية، والسياسات الاقتصادية، مدركين أن أي تحليل رصين لا بد أن ينطلق من الواقع، لا من ادعاءات السلطة، ومن مصالح الناس، لا من سرديات الأجهزة الرسمية.
شهدت المملكة العربية السعودية في أغسطس من عام ٢٠٢٥ سلسلة متراكبة من الارتدادات السياسية والاقتصادية والحقوقية، تكشف عن عمق الأزمة البنيوية التي تعصف بمشروع “رؤية ٢٠٣٠” وتضع علامات استفهام جوهرية حول جدوى النهج التسلّطي في إدارة الدولة والمجتمع. فعلى الرغم من السردية الرسمية التي تروّج لمسار تحديث شامل تقوده الدولة من الأعلى، يتضح أن هذا المسار يعاني من عطب جوهري: غياب التمثيل الشعبي، انعدام الشفافية، وتغليب الولاء الشخصي على المصلحة العامة. هذه العوامل أنتجت نمطًا من “التحديث السلطوي” الذي يعيد إنتاج السيطرة بدل أن يفتح أفقًا للمواطنة والمساءلة والتنمية الحقيقية.
التقارير الحديثة التي تشير إلى تراجع “المشاريع العملاقة” وخسارة صندوق الاستثمارات العامة مليارات الدولارات، كما في حالة مشروع “تروجينا”، تعكس انفصال القرار الاقتصادي عن الخبرات المحلية، واستمرار الاعتماد على أوهام الاستعراض الجيوسياسي بدل بناء قاعدة إنتاجية مستدامة. في المقابل، يواجه المواطن ضغوطًا معيشية متزايدة، من البطالة إلى الديون والضرائب غير المباشرة، ما يبرز التناقض بين خطاب الدولة وواقعها. في السياق الحقوقي، تتسارع وتيرة الإعدامات، بما في ذلك إعدام القاصرين والنشطاء السياسيين، وسط غياب الحد الأدنى من المحاكمات العادلة، كما في قضيتي عبدالله الشمري وجلال لباد. ويكتمل المشهد بقرارات هندسة اجتماعية خطيرة، مثل إنشاء لجنة عليا لدمج “القيم الوطنية” في المناهج، في خطوة تسعى إلى قولبة الوعي العام وإخضاع المدرسة لهيمنة السلطة.
هذا التقرير يسلط الضوء على هذه الملفات المتداخلة، من تراجع المشاريع الاقتصادية إلى تدهور الحقوق والحريات، مرورًا باختلال العلاقات الإقليمية والدولية، وذلك انطلاقًا من زاوية نقدية ترفض اختزال الدولة في شخص، وترى أن أي مشروع وطني حقيقي لا يمكن أن يُبنى دون عقد اجتماعي ديمقراطي، تشارك فيه كل فئات المجتمع على أسس من الحرية، والمحاسبة، والتعددية.
تراجع في المشاريع الكبرى:
أعلنت الحكومة السعودية تراجع عن عدد من المشاريع الكبرى التي أعلنت عنها خلال السنوات الماضية، حيث أشارت عدد من التقارير الموثوقة إلى أن السعودية خسرت نحو ٨ مليار دولار خلال هذا الشهر فقط، ذكرت وكالة رويترز “أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي أعلن عن تخفيض (write‑down) بقيمة ٨ مليارات دولار من قيمة محفظته الاستثمارية المخصصة لـ”المشاريع الضخمة” ضمن خطة رؤية ٢٠٣٠. القيم الأصلية لهذه المشاريع بلغت نحو ٢٤١ مليار ريال عام ٢٠٢٣، بينما انخفضت إلى ٢١١ مليار ريال (٥٦ مليار دولار) في نهاية ٢٠٢٤، أي تراجع بأكثر من ٢١٪. كما أن السبب وراء هذا التخفيض هو مزيج من العوامل، من أهمها تراجع أسعار النفط، تجاوز التكاليف المتوقعة، تأخيرات تنفيذية، وتغيير خطط العمليات والمشاريع الغير واقعيه.
حيث ذكرت عدد من التقارير الإعلامية عن عدم تمكن السعودية من استضافة المسابقات الجليدية “دورة الألعاب الشتوية، ذكرت صحيفة بلومبيرغ في تقرير رئيسي لها بعنوان منتجع التزلج الصحراوي في نيوم يرهق خطة ولي العهد محمد بن سلمان، تبلغ التكلفة المالية لهذا المشروع ١.٥ تريليون دولار. يسلط التقرير على التحديات الهندسية والمالية التي تحيط بمشروع تروجينا ضمن برنامج رؤية٢٠٣٠. ومن أسباب إلغاء المشروع هو عدم واقعية التصاميم والخطط والبحيرات المعلقة فوق منحدرات الجبال، إضافة إلى عدد من المباني المتخيلة بحجم برج إيفل. والأهم هو عامل توفر الثلج كبطولة شتوية. لكن كل هذه الخطط والمشاريع التي تم بدأ العمل عليها منذ عام ٢٠١٧ كتخطيط وصرف مالي ضخم توقفت لمعرفة السعودية أنها لا تستطيع إنجاز هذه المهمة المستحيلة. على سبيل المثال، تقدر القيمة الاستثمارية لهذا المشروع المسمى تروجينا إلى ١.٥ تريليون دولار. في حين تبلغ تكلفة استضافة البطولة ١٩ مليار دولار. حيث إن المشروع مُطالب بأن يكون جاهزًا بحلول ٢٠٢٦، قبل استضافة الألعاب الآسيوية الشتوية ٢٠٢٩، وهذا شبه مستحيل. لهذا تسربت العديد من الاخبار أن السعودية تتواصل مع عدد من الدول الأسيوية لتنسيق نقل البطولة الشتوية.
يُمكن استنتاج عدة النقاط على فشل إدارة المشاريع الاقتصادية الحكومية السعودية، حيث إن هذا المشروع أو غيره من المشاريع الاقتصادية تتصف بصفات ثابتة في إدارة المشاريع وهي كالتالي:
1- غياب الشفافية والمساءلة: طرح هذه المشاريع منذ سنوات دون مراعاة للتحديات الاقتصادية والسياسية ودون وجود شرعية اجتماعية لها، حيث يتم تجاهل المجتمع وربما التجاوز على حقوقه لأجل وجهة نظر فردية في الإصرار على التعنت والبلطجة السياسية في الإصرار على تهجير السكان من القرى والمدن الصغيرة لأجل بناء مشروع خيالي وهمي، قُوبل بالعديد من التساؤلات التي تم قمعها في الداخل وتجاهل أصوات الخبراء في الخارج. مثل مشروع ذا لاين وغيرها من المشاريع الغير واقعية. في هذا المشروع الأخير تروجينا، تم الإعلان المفاجئ عن التخفيض المالي الضخم دون إطار تشريعي واضح أو تواصل مجتمعي يُبرز نقص آليات المساءلة. في دولة تسعى لتحديث اقتصادي ضخم، يجب أن تكون المعايير المالية والتخطيطية قابلة للفحص العام والنقاش البرلماني.
2- التحوّل من مشاريع استثمارية إلى استعراض سياسي: تقليص نيوم وتوجيه الأموال نحو الاحتفالات الدولية يكشف عن أولويات غير مستدامة: يتم الاستثمار في الصورة المزيفة عن السعودية كرائدة أعمال ومشاريع مبتكره “وهمية” بدل بناء اقتصاد قوي ومنتج ويعمل على استثمار الطاقات البشرية والعطالة المتزايدة، بل العكس حيث يتم تسويق السلطوية بدل تعميق التحول المؤسساتي. وهي سمة ثابتة لدى الأجهزة التسلطية، التي تركز على المظهر لا على الجوهر.
3- عوارض فشل التخطيط المركزي المهيمن: هذه الخسارة الباهظة تكشف عن هشاشة التخطيط المركزي الذي يُدار من أعلى الهرم، دون مشاركة مجتمعية أو اقتصادات محلية. النتيجة: مشاريع تُعلن بحماس إعلامي ثم تُعاني من فوارق بين التخطيط والتنفيذ. وهي رغبات شخصية بالمقام الأول لدى صانع القرار السياسي والاقتصادي، وليست خطط مدروسة من قبل أهل الاختصاص والمعرفة. ولهذا يمكن فهم طبيعة صناعة القرار السياسي والاقتصادي أنه في الأساس مزاج ذاتي رغبوي وليس قرار مدروس وفق الطرق المهنية والتي تسعى لتحقيق نفع للصالح العام وليس تلبية مطالب شخص يعتقد أنه فوق الجميع.
4- إخلال بحقوق المجتمع وموارده: إذ تُتخذ القرارات الكبرى من دون تمكين للمواطن، ولا مشاركة في توزيع المنافع أو ضمان أن خدمات التعليم، الصحة، أو السكن تتحسّن نتيجة الاستثمار. بدلاً من ذلك، تُستخدم الأموال لتعزيز “مشروع سلطوي” يُخضع الناس بدلاً من أن يمنحهم حقوقاً ومشاركة، بل إن ما يحدث هو العكس، هو نزع السكان من جذورهم وتجهيرهم قسراً دون تعويض، وأيضاً طمس قرى كاملة في شمال غرب المملكة وطرح مشاريع فوضوية غير واقعية.
5- التناقض الصارخ بين الترويج والواقع اليومي: بينما يوصف “نيوم” بأنه مدينة مستقبلية، يعيش المواطنون تحديات مالية حقيقية مثل مشاكل السكن والرواتب وتفشي البطالة، كما تُظهر مؤشرات أخرى مثل ارتفاع فواتير الرهن وكثرة القروض البنكية والديون، وأيضاً ضعف البنية الحضرية في معظم المدن الأساسية، فمثلاً عند نزول الأمطار تتكشف ضعف البنية التحتية. أما في المدن الكبرى وبالتحديد العاصمة الرياض، فالازدحام المروري هو أزمة خانقة ويعاني سكان الرياض منها بشكل يومي، مما يؤثر بشكل سلبي على الصحة والعمل والاقتصاد. كل هذا يشير إلى اختلال جوهري في رؤية تقول إن فرقاً جوهرياً بين الحلم الإعلامي والواقع الاقتصادي.
أزمة سوق الأسهم السعودي:
شهد السوق السعودي خلال شهر أغسطس ٢٠٢٥ مجموعة من الخسائر واليوميات الحمراء على مدار الشهر. حيث أن الخسائر تراوحت ما بين ٠.١٪ إلى ٠.٨٪ في معظم الجلسات. مع جلسات وصلت الخسائر فيها لبعض الأسهم إلى ١٠٪. وتأتي معظم هذه التأثيرات السلبية من أسواق المال العالمية خاصة فيما يتعلق بسياسة الفائدة الأمريكية، حيث تقلّص التفاؤل بشأن خفض سعر الفائدة في سبتمبر، حين أشار رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى أن القرار غير محسوم بسبب استمرار ضغوط التضخّم. تشير بعض المصادر، إلى ضعف ثقة المستثمرين في استقلالية الفيدرالي بعد محاولة رئيس الولايات المتحدة إعفاء أحد أعضاء مجلس الاحتياطي، مما أجّج المخاوف إزاء قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات مستقلة في السياسة النقدية. إضافة إلى القلق نحو عدم استقرار الأوضاع الاقتصادية الأمريكية والتي تعكس بظلالها على السوق العالمية ومنها السعودي المرتبط مالياً بالدولار الأمريكي.
ومن ضمن الأسباب الأخرى، تقلبات أسعار سوق النفط في محيط عالمي قلق وغير مستقر. إضافة إلى ضعف في نتائج شركات كبرى مثل سابق وجبل عمر والخدمات التعاقدية. وتشير بعض التقارير أن القطاعات الأكثر تأثر هي القطاعات المالية مثل البنوك والطاقة.
حملة تضامن بأثر رجعي مع الدكتور عبدالله الشمري
في ٢٧ فبراير ٢٠٢٤ في بيانٍ لوزارة الداخلية أعلنت فيه تنفيذ حكم الإعدام، اتهمت السلطات السعودية الشمري بارتكاب جرائم إرهابية متنوعة، جاء في نص البيان الرسمي “خيانة الوطن وتهديد استقراره وتعريض أمنه للخطر، من خلال تبني منهج إرهابي يستبيح الدماء، وإنشاء وتمويل تنظيمات وكيانات إرهابية ” وهذا ما يثير القلق في ظل غياب المحاكمات العادلة، وتجريم النشطاء والكُتاب والمهتمين بالسياسة والحقوق، أن يكون استخدام عقوبة الإعدام سلاحاً لقمع أصواتهم وتصفيتهم وإرهاب كل صحفي وناشط وكاتب، فكان إعدام عبدالله الشمري العام الماضي بتهمة الخيانة. تم الكشف عن هذه الجريمة من خلال حملة ترويج لكتاب الصحفية الأمريكية كارين إليوت الجديد “الرجل الذي سوف يصبح ملكاً: محمد بن سلمان” حيث خلال أحد حملات الترويج للكتاب عبر فوكس نيوز ظهرت كارين مع الدكتور الشمري وسلمان بن عبدالعزيز ومحمد بن سلمان في صورة واحدة، كأحد الصور الكثيرة لها في السعودية، لكن يبدوا أنها الصورة الوحيدة التي تجمعها مع الملك وابنه في صورة واحدة. وقد تفاعلت العديد من المنظمات الحقوقية مع هذه الجريمة، خصوصا في ظل ارتفاع عدد ضحايا الإعدامات في السعودية. حيث ذكرت صحيفة حزب التجمع الوطني عن الدكتور عبدالله الشمري أنه محلل سياسي متخصص في الشؤون التركية، كان له برنامجاً سياسياً على قناة السعودية الأولى بعنوان ” دوائر سياسية ” وكان للشمري عدة لقاءات مع الملك سلمان بن عبدالعزيز، وعندما كان أميراً لمدينة الرياض ظهر الشمري معه في صورة برفقة أحد أعضاء العائلة الهولندية المالكة. وكان مترجماً بحضور عضوة الكونجرس الأمريكية فجلس الشمري مكان الأمير محمد بن سلمان. وكانت للشمري لقاءات عِدة بانتظام بصحفيين من وكالات أنباء بارزة ومع مختلف السياسيين مثل وزير الخارجية التركي الأسبق د. يشار يوكش وغيره. كما ظهر كمعلق على شاشة التلفزيون.
إن إعدام الدكتور عبدالله الشمري يعكس الوجه الأكثر قسوة في عهد محمد بن سلمان، الذي شهد أعلى معدل للإعدامات في تاريخ السعودية. فبينما تُسوّق الدولة خطاب “الإصلاح والانفتاح”، تتسع في الواقع دائرة القمع لتشمل النشطاء والمفكرين والكتاب، تحت ذرائع “الإرهاب” و”الخيانة”. ما جرى مع الشمري، المثقف المعروف اجتماعياً وإقليمياً ببرامجه وتحليلاته وعلاقاته الواسعة مع سياسيين وصحفيين عالميين، يكشف أن السلطة لا تتردد في تصفية من تعتبرهم مصدر تهديد رمزي أو سياسي، حتى لو كانوا جزءاً من المشهد الإعلامي الرسمي سابقاً. إن غياب المحاكمات العادلة وتحويل القضاء إلى أداة بيد السلطة، يجعل الإعدام أداة سياسية لترهيب المجتمع وإسكات الأصوات النقدية. هذا النهج يحوّل السعودية إلى سجن كبير، حيث يُعاقَب الفكر المستقل بالموت، في مفارقة صارخة بين صورة دولة “متقدمة” تدعي أنها المكان المناسب لاحتضان الاستثمارات العالمية الاقتصادية والترفيه، لكنها تعكس واقع دموي يكرّس الخوف ويبدد أي أفق لمجتمع حر.
اعدام القاصر جلال لباد
أقدمت الحكومة السعودية في يوم ٢١ أغسطس على إعدام الشاب السعودي جلال لباد. تم اعتقال جلال لباد في ٢٣ فبراير ٢٠١٧ بتهم تدعي السلطات السعودية أنه أرتكبها عندما كان قاصراً. تشير منظمة القسط لحقوق الإنسان ” أدين لباد (المولود في ٣ أبريل ١٩٩٥) بعدد من التهم ذات الطابع “الإرهابي”، من بينها المشاركة في احتجاجات وقعت عندما كان لا يزال طفلًا. وقد اطّلعت القسط على وثائق قضائيّة تؤكد صدور حكم الإعدام بحقه، وتبيّن أن الاتهامات الموجّهة إليه شملت أفعالًا تندرج في إطار الحقوق المكفولة بحرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات، مثل “ترديد شعارات مسيئة لحكام البلاد” خلال جنازات رجال قُتلوا برصاص قوات الأمن. وتعود هذه الأحداث إلى احتجاجات أعوام ٢٠١١ و٢٠١٢، التي شارك فيها لباد في سن المراهقة، اعتراضًا على معاملة الطائفة الشيعية المهمَّشة في السعوديّة.”
في حين تشير المنظمة الأوربية السعودية لحقوق الإنسان أن جلال لباد تعرض لانتهاكات مروعة شملت: العزل الانفرادي لما يقارب ٩ أشهر ونصف، والحرمان من المحامي وحقه في الدفاع. كما تعرض للتعذيب الوحشي الذي تنوع بين الضرب الجماعي بقضبان وأسلاك معدنية، الصعق الكهربائي في أنحاء جسده بما فيها الأعضاء التناسلية، الدوس على رقبته حتى الاختناق، الإغراق عبر إدخال رأسه في الماء حتى فقدان الوعي، التعذيب الموجه لمناطق مصابة بأسياخ حديدية في جسده. إضافة إلى التهديد باغتصاب شقيقاته وقتله لإرغامه على الاعتراف. وعلى إثر كل هذه الانتهاكات قد أُدخل جلال المستشفى عدة مرات نتيجة فقدان الوعي، هبوط الضغط، وضعف نبض القلب، والانتفاخ الشديد في فخذه الأيمن. وأشارت المنظمة في تقريرها أن جلال لباد لم يُعرض على المحكمة الجزائية المتخصصة إلا بعد أكثر من عامين على اعتقاله. وقد شملت التهم الموجهة له: المشاركة في مظاهرات منها ما حصل وهو قاصر لم يبلغ من العمر خمسة عشر عاماً. حضور تشييع ضحايا قتلوا برصاص القوات السعودية. التستر على “مطلوبين” ومساعدتهم طبياً. بالإضافة إلى ذلك، وجهت له تهم بالمساعدة في معالجة مطلوبين مصابين، تستره على مطلوبين، المشاركة مع عدد من المطلوبين أمنياً في قضية القاضي في محكمة المواريث والأنكحة بالقطيف الشيخ محمد الجيراني الذي تم خطفه وقتله، من دون الإشارة إلى دوره في هذه القضية، كما اتهم بإطلاق النار ورمي زجاجات المولوتوف على العساكر.
في حين أن صحيفة واشنطن بوست أوضحت أنّ لباد كان في السابعة عشرة من عمره عند توقيفه، وأن محاكمته جرت خلف أبواب مغلقة، مما يثير تساؤلات جدّية حول عدالة الإجراءات القانونية. إعدام الشاب جلال لباد يمثل صدمة جديدة تؤكد خطورة استمرار السعودية في تنفيذ أحكام الإعدام بحق أشخاص كانوا قاصرين عند ارتكاب التهم المنسوبة إليهم. ورغم أن الرياض أعلنت في عام ٢٠٢٠ مرسومًا ملكيًا يُفترض أن يمنع إعدام الأحداث، إلا أن الثغرات القانونية، خاصة في قضايا الإرهاب، أبقت الباب مفتوحًا أمام هذه العقوبة. وقد أكدت منظمة العفو الدولية أنّ إعدام لباد يشكّل “خيانة صارخة للوعود الرسمية” ويعكس هشاشة الضمانات القضائية، خصوصًا بعد ورود تقارير مثل منظمة العفو الدولية عن انتزاع اعترافاته تحت التعذيب من دون أي مساءلة.
هذه التطورات تعكس أنّ الإصلاحات المعلنة بقيت شكلية، فيما يستمر النظام القضائي في استخدام الإعدام أداةً للردع السياسي والاجتماعي، ضاربًا عرض الحائط بالتزاماته الدولية وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل. إنّ إعدام الأحداث في السعودية لا يشكّل مجرد انتهاك قانوني، بل جريمة حقوقية تُهدّد حياة العشرات وتفضح التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة الواقعية.
لجنة عليا لضمان دمج القيم الوطنية في المناهج التعليمية
أعلن وزير التعليم المهندس يوسف البنيان، عن صُدر قرار بإنشاء لجنة عليا بإشراف مباشر من ولي العهد محمد بن سلمان، تهدف إلى ضمان دمج القيم الوطنية السعودية في المناهج التعليمية. هذا القرار يأتي ضمن مسار واسع لإعادة صياغة التعليم كأداة مركزية في مشروع “رؤية ٢٠٣٠”، حيث تسعى الدولة إلى تكوين جيلٍ أكثر ارتباطًا بالهوية الوطنية كما تحددها السلطة، وأقل انفتاحًا على التيارات الفكرية أو المرجعيات التاريخية التي لا تنسجم مع التوجه الرسمي. خلف هذا القرار، هناك عدة أهداف استراتيجية. أولًا، تعزيز الولاء السياسي للنظام من خلال ربط المعرفة المدرسية برؤية القيادة الحالية، بحيث يُقدَّم الوطن كمرادف للسلطة الحاكمة. ثانيًا، مواجهة الخطابات الإسلامية التقليدية التي طالما شكّلت جزءًا من المناهج السابقة، واستبدالها بخطاب قومي–وطني حديث يركّز على الانتماء للدولة أكثر من الانتماء للأمة الإسلامية أو التيارات الدينية. ثالثًا، يأتي هذا ضمن سياسة “الهندسة الاجتماعية” التي يعمل عليها محمد بن سلمان لتغيير الهوية الجمعية للمجتمع السعودي، عبر التعليم، والإعلام، والفنون، والرياضة.
كما أن اللجنة العليا تمنح السلطة القدرة على مراقبة المحتوى التعليمي بدقة، وضبط كل ما قد يُعتبر تهديدًا لرواية الدولة الرسمية عن التاريخ والسياسة والدين. هذه الخطوة تتكامل مع محاولات أوسع لإعادة كتابة التاريخ الوطني من وجهة نظر أحادية والتي تزعم أن الدولة السعودية هي الحامي الوحيد للوحدة والاستقرار، مقابل تهميش أي روايات بديلة أو أصوات ناقدة. لكن من زاوية نقدية، يمكن القول إن هذا القرار يضيّق من مساحة التعددية الفكرية ويحوّل التعليم إلى أداة للتدجين والأدلجة السياسية أكثر من كونه مجالًا للتفكير النقدي. فالتركيز على “القيم الوطنية” كما تضعها السلطة، قد يُنتج أجيالًا تفتقر إلى التنوع الفكري والقدرة على الحوار النقدي، مما يرسّخ ثقافة الطاعة على حساب الإبداع والاستقلالية الفكرية. وبذلك يصبح التعليم جزءًا من مشروع الدولة للسيطرة الشاملة على المجتمع.
إن قرار إنشاء لجنة عليا لضمان دمج القيم الوطنية السعودية في المناهج التعليمية بقيادة محمد بن سلمان لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراء تقني لتحسين التعليم أو تعزيز الهوية الوطنية، بل هو في جوهره خطوة سياسية تهدف إلى إعادة تشكيل وعي المواطن وفق مقاييس السلطة الحاكمة. حيث هناك عدة إشكاليات أساسية في طبيعة هذه اللجنة ومدى التأثيرات التي سوف تخلفها وتتركها في الأجيال الحالية والقادمة.
أولاً، يطرح هذا القرار إشكاليات أساسية. أولها أن مفهوم “القيم الوطنية” غير محدد موضوعيًا، بل يخضع لتعريف السلطة وتفسيرها. وعندما تحتكر الدولة تحديد معنى الوطنية، فإنها تفرض رؤيتها الخاصة وتقصي الرؤى الأخرى، سواء كانت دينية أو ثقافية أو سياسية. وهذا الاحتكار يؤدي إلى تقليص التعددية الفكرية التي تُعتبر شرطًا أساسيًا لأي مجتمع حر. في المقابل، الأنظمة الديمقراطية تنظر إلى الوطنية كإطار جامع يُبنى على مشاركة الجميع في صياغة مستقبل الدولة، لا كقالب جامد يفرض من الأعلى.
ثانيًا، يعكس القرار رغبة السلطة في تحويل المدرسة من فضاء للتعليم النقدي إلى فضاء للتلقين السياسي. فبدلًا من أن يتعلم الطالب كيف يطرح الأسئلة، ويحلل الوقائع، ويميز بين الآراء، يتم تربيته على الطاعة والامتثال وربط الوطنية بالولاء المطلق للقيادة. هذه التربية السياسية تُنتج مواطنًا خائفًا من التفكير الحر، ضعيفًا في مواجهة التحديات العالمية، وغير قادر على الإبداع في بيئة تنافسية.
ثالثًا، يتناقض القرار مع الخطاب المعلن عن الانفتاح والإصلاح الذي يروّج له النظام ضمن رؤية ٢٠٣٠. فبينما تُقدَّم المشاريع الاقتصادية والترفيهية بوصفها انفتاحًا على العالم، فإن المجال التعليمي يُدار بطريقة منغلقة وموجهة لإنتاج وعي موحّد، يفتقر إلى التنوع والانفتاح على النقاش العالمي حول حقوق الإنسان، الديمقراطية، والمواطنة الفاعلة. هذا التناقض يعكس طبيعة النظام الذي يسعى إلى السيطرة الكاملة على المجتمع، حتى وهو يتحدث بلغة التغيير.
من منظور ديمقراطي عدلي وحر، التعليم يجب أن يُبنى على قيم المشاركة، والمساواة، وحرية التعبير. فالطالب يجب أن يُهيَّأ ليكون مواطنًا مسؤولًا، قادرًا على المشاركة في صياغة السياسات العامة ومحاسبة المسؤولين، لا مجرد منفذ لتوجيهات فوقية. الوطنية الحقيقية لا تُفرض بقرارات سلطوية لا من أعلى السلطة ولا من المؤسسة التعليمية، بل تُبنى من خلال إشراك المواطن في الحياة العامة وإتاحة المجال له للتعبير عن رأيه بحرية. إن أي محاولة لفرض هوية موحدة بالقوة ستُنتج في النهاية حالة من الاغتراب والانفصال والانفصام بين المواطن والدولة.
وأخيرًا، يكشف القرار عن عمق أزمة الشرعية في النظام السعودي. فعوضًا عن بناء الثقة بين الدولة والمجتمع عبر الحوار والمشاركة، يتم اللجوء إلى فرض قيم وطنية قسرية إلزامية مصاغة مسبقًا في لجان عليا. وهذا يعكس خوف النظام من التعددية السياسية والفكرية، وإصراره على إبقاء المجتمع في حالة تبعية دائمة. في المقابل، يظل الخيار الديمقراطي هو البديل الحقيقي: تعليم يُشجّع النقد بدل التلقين، ويعزز المواطنة الفاعلة بدل الطاعة السلبية، ويفتح المجال لبناء وطن يقوم على المشاركة لا على السيطرة، ويبث روح الكرامة والعزة والاعتزاز بالذات ويدعم التنوع والتوافق والتعايش والعمل مع الأطياف المختلفة.
بهذا المعنى، فإن القرار ليس مجرد خطوة في ميدان التعليم، بل هو جزء من مشروع أوسع لإعادة هندسة المجتمع السعودي وفق تصور سلطوي ضيق. والمستقبل سيكشف أن قوة الدولة لا تُبنى بتكميم العقول، بل بإطلاق طاقاتها، وأن الوطنية الحقيقية لا تنفصل عن الديمقراطية، بل تنمو معها.
إضافة إلى بعض الممارسات التي تحاول أن تضع محمد بن سلمان أمام عيون الطلبة في حين، حيث الصور الشخصية له منتشرة المدارس والشوارع، لكن التطور الجديد هو تزيين الكتب المدرسية بتوقيع محمد بن سلمان ليس مجرد لمسة رمزية، بل رسالة سياسية “فوق هام السحب” مفادها أن التعليم لم يعد مجالاً معرفياً مستقلاً، بل أداة لإعادة إنتاج الولاء الشخصي. يتحول الغلاف إلى مساحة للدعاية، حيث يُزرع في ذهن الطالب منذ الطفولة أن القائد هو المرجع الأعلى لا المنهج أو الفكرة أو النقد. هذا يختزل الوطن في شخص، ويحوّل المدرسة إلى امتداد لقاعة البيعة لا إلى فضاء للمعرفة. في الديمقراطيات، يُوقّع المفكرون والعلماء على كتبهم، أما في الأنظمة الاستبدادية فيتصدّر الحاكم الغلاف، كرسالة واضحة: لا تعليم بلا وصايته.
استقبال محمد بن سلمان للسيسي:
إن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى السعودية في أغسطس ٢٠٢٥، حيث استقبله ولي العهد محمد بن سلمان في نيوم، لا يمكن قراءتها كزيارة تقليدية بحتة، حيث حدثت الزيارة وانتهت دون إعلان عن طبيعتها ولا أعن أي نتائج أو معاهدات ومواثيق جديدة. لهذا يمكن أن ينظر لها بأنها تجسد تسوية هشّة صامتة بين نظامين سلطويين يسعيان لتثبيت بقائهما عبر المناورة في الساحة الإقليمية. فاللقاء حسب بعض المصادر الرسمية شمل نقاش حول الحرب في غزة، الأمن البحري في البحر الأحمر، وأزمات المنطقة، مثل لبنان وسوريا واليمن وليبيا والسودان، بما في ذلك التراجع الكبير في إيرادات قناة السويس بسبب التوترات في البحر الأحمر.
الإشكال السياسي بين محمد بن سلمان والسيسي ليس وليد اللحظة فهناك إشكاليات سياسية بين الطرفين وأهمها هو حاجة السيسي للمزيد من المال دون إعطاء مقابل للدول المانحة، في حين أن السعودية بالتحديد ترى أن هذه السياسية التي تم انتهاجها خلال العشر سنوات الماضية مضرة بالاقتصاد المصري، وخصوصاً أن إدارة السيسي لم تفلح في خلق تحول اقتصادي إيجابي، بل تبنت مشاريع استهلاكية استهدفت تغيرات ضخمة في البنية التحتية للعاصمة الإدارية بشكل خاص، لكنها متعثرة في محاولة السيطرة على التضخم المالي وخلق بيئة جاذبة للاستثمار والسياحة.
لكن حدث تقارب بسبب حرب الصهاينة على غزة، ففي فبراير ٢٠٢٥، اختتم السيسي اجتماعًا غير رسمي في الرياض شارك فيه قادة من الأردن وقطر والإمارات والكويت والبحرين، لمناقشة تصوّر مصري بديل للخطة الأميركية لإعادة إعمار غزة، ورفض نقل سكان غزة إلى مصر أو الأردن. طُرحت خطط تمويل بقيمة قد تصل إلى ٢٠ مليار دولار من دول خليجية وعربية كدعم لأطروحة السيسي، في محاولة للحد من النفوذ الأميركي المباشر.
إشكالية تيران و صنافير ٢٠٢٥: صراع مضمّن، لقد عادت قضية جزيرتي تيران و صنافير إلى الواجهة في عام ٢٠٢٥، لا سيما عبر دعوى جديدة رفعها ٥٧ محاميًا لإحياء النزاع القضائي بشأن تحويل السيادة، وهي خطوة تظهر استمرار التوتر داخل النظام ذاته على هذا الملف. تشير تقارير إلى أن الإجراءات النهائية لنقل السيادة لا تزال عالقة بسبب خلافات فنية وإدارية، لا خلاف سياسي جذري، ما يعكس رغبة مصر في تثمين “ثمناً” أعلى قبل التنازل النهائي. كما أُثيرت تساؤلات كبيرة حول ما إذا اقترحت السعودية إقامة قاعدة عسكرية أميركية على الجزر لتعزيز النفوذ الأميركي في البحر الأحمر، وهو ما أثار ضجة شعبية كبيرة.
تكتسب الجزيرتان أهميتهما من كونهما بوابة إلى خليج العقبة، ما يمنح البلد الذي يملك السيطرة عليه نفوذًا استراتيجيًا على الملاحة البحرية، بما فيها وصول دولة الإحتلال والأردن إلى البحر الأحمر. بالرغم من توقيع الاتفاق عام ٢٠١٦ وتأكيده دستورياً عام ٢٠١٧، فإن الانتقال العملي للسيادة تأخر بسبب الأزمات المالية ومناورات صعود السعودية كقوة إقليمية مالياً، إلى جانب مقاومة شعبية وقانونية داخل مصر. بالمقابل، السعودية باتت أكثر تحفظًا في تقديم الدعم بلا مقابل، مسلّطة الضوء على ضرورة فعالية ونفعية “رؤية ٢٠٣٠”، ما يجعل العلاقة أقل تسليماً وأعمق في طابعها المصلحي. لا يزال اللقاء بين السيسي ومحمد بن سلمان احتفاءً ببروتوكولات السلطة، لكن خلفها يكمن تفاوض غير متكافئ؛ حيث تسعى مصر إلى تأخير أو تعديل التسليم مقابل امتيازات مالية، في مشهد يعكس الهيمنة السعودية الاستراتيجية على النفوذ الإقليمي.
الأنظمة في كلا البلدين تتقن فن التحايل على الشرعية الشعبية والقانونية، وتحوّل الملفات السيادية كالجزر إلى أدوات ابتزاز وسيادة معنوية تحت وطأة القمع الداخلي وضعف تمثيل الشعب. وهذه العلاقات القائمة على المقايضة السلطوية تؤكد هشاشة تحالفاتهما، فتبدو مثل صفقات مبنية على مصالح أمنية ومادية، لا على قيم مشتركة أو إرادة شعبية.
زيارة محمد بن سلمان لأمريكا في نوفمبر القادم:
إعلان بلومبرغ عن نية وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان زيارة واشنطن في نوفمبر المقبل ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب يضع العلاقات الأميركية-السعودية على مسار «إعادة ضبط» جديدة، بعد زيارة ترامب للرياض في مايو وما رافقها من تفاهمات استثمارية وتسليحية ضخمة. هذه الزيارة هي محاولة لتثبيت قواعد شراكة أكثر صلابة مع إدارة ترى في صفقات السلاح والاستثمار رافعة للنفوذ، وتتعامل بقدر أقل من الحساسية مع سجلّ حقوق الإنسان. بالنسبة لمراقبٍ معارضٍ للاستبداد، هي لحظة اختبار: هل تُستغلّ لتثبيت نفوذ سلطوي داخلي وتلميع صورةٍ خارجية، أم لانتزاع التزامات قابلة للمساءلة؟
في يناير ٢٠٢٥ عاد ترامب إلى البيت الأبيض؛ وفي شهر مايو كانت الرياض أولى محطاته الخارجية، حيث أعلنت الإدارة الأميركية التزاماً استثمارياً سعودياً بـمئات المليارات وصفقة تسليح قياسية قال البيت الأبيض إنها تبلغ ١٤٢ مليار دولار، مع وعود بتوسيع انخراط الصناعات الدفاعية الأميركية في المملكة. كما أطلقت واشنطن مساراً لتيسير صادرات السلاح عبر أوامر تنفيذية تُخفّف الضوابط الإجرائية. زيارة نوفمبر تبدو امتداداً عملياً لهذا المسار وتثبيتاً لعهوده.
أجندة الزيارة المتوقعة:
أولاً، ملفُّ التعاون النووي المدني: نقلت رويترز أن إدارة ترامب فكت الارتباط بين التفاهم النووي ومطلب الاعتراف بإسرائيل، وأن وزارة الطاقة تحدّثت عن مسار لاتفاقٍ تمهيدي. هذا يفتح بابَ تكنولوجيا حسّاسة مع متطلبات أمانٍ ورقابةٍ صارمة ينبغي ألاّ تُختزل لأغراض التوظيف السياسي. ثانياً، صفقات السلاح وتوطين الصناعات: واشنطن تدفع لصفقات تجاوزت ١٠٠ مليار دولار هذا العام، في مناخٍ تنظيمي مسهَّل، ما يضاعف مسؤولية التحقّق من أثرها على النزاعات الإقليمية والحقوق. ثالثاً، الطاقة وأسعار النفط؛ فكلّ تقارب سياسي يُقرأ في الكونغرس أيضاً بعدسة البنزين والتضخم، على خلفية عودة الحديث الدوري عن تشريعات “NOPEC” وإن بقيت بلا نفاذ حتى الآن. رابعاً، أمن البحر الأحمر واليمن؛ فهجمات الحوثيين على الملاحة تصاعدت صيف ٢٠٢٥ رغم وجود فترات هدوء واتفاقات تكتيكية، ما يُحيل إلى حاجة تنسيقٍ أمنيّ غربي-خليجي أوسع. أخيراً، «التطبيع» مع إسرائيل لم يعد شرطاً آنياً لمسارات واشنطن-الرياض بحسب تقديرات رويترز وكتابات تحليلية، ما يقلّل كلفة سياسية كانت عالية بعد حرب غزة.
من زاوية السلطة السعودية، تعني الزيارة تثبيت ضمانات أمنية عملية من دون معاهدة رسمية، عبر مزيجٍ من التسليح، والتدريب، والتواجد العسكري، مع مسارٍ نووي مدني يُقدَّم كرمز للتقدم التقني، وإشارات مطلوبة للأسواق العالمية بأن واشنطن شريكُ أساسي في ظلّ تذبذب تدفقات الاستثمار الأجنبي وتراجع أرباح صندوق الاستثمارات العامة وإعادة جدولة بعض المشروعات العملاقة. كل ذلك قد يُسعف صورة الاقتصاد بعد أسابيع من تراجعات في سوق الأسهم السعودية وتقلّبات نفطية. لكن هذه المكاسب ظرفية إذا لم تُقترن بإصلاح مؤسسي وبشفافية مالية أعلى.
التحدّيات والعقبات
أولاً، ثمنُ حقوق الإنسان: تقارير موثوقة وثّقت تصاعداً حادّاً في الإعدامات، بينها قضايا مخدرات وأحداث ارتكبها قصّر، مع أحكام قاسية على نشاطٍ سلميٍّ على الإنترنت. أيُّ «صفقةٍ كبرى» تتجاهل هذه الوقائع ستُقرأ كشيكٍ على بياض للاستبداد، وستُضعِف مناعة الشراكة على المدى الطويل. ثانياً، بيئة الكونغرس والقضاء: حتى في مناخٍ مواتٍ للصفقات، تبقى مراجعات الكونغرس للأمن القومي قائمة، وقضايا حساسة، مثل دعاوى أسر ضحايا ١١ سبتمبر إلى محاولات إحياء تشريعات جديدة كما حدث أن سمح قاضي فدرالي لأهل ضحايا ٩/١١ برفع دعوى قضائية ضد السعودية. وهو ما يمثل مخاطرة سياسية حقيقية. ثالثاً، البحر الأحمر واليمن: استمرار استهداف السفن وتداخل المواجهات مع إسرائيل يرفع كُلفة الأمن ويجعل أي تفاهمٍ هشاً. رابعاً، التطبيع مع إسرائيل: تقديرات رويترز تفيد بأن الجدوى السياسية ضعفت، ما يقلّص أوراق المقايضة ويُبقي المسار مركّزاً على الاقتصاد والتسليح.
أخيراً، زيارة نوفمبر إذا تمّت تمثّل فرصة لإعادة تركيب العلاقة الأميركية-السعودية على أسسٍ تتجاوز المفاضلة الصفرية بين الصفقات والقيم. لكنها ستكون مكلفة السمعة إذا أتت لتكريس نمط الاستقرار السلطوي وتسويق مشاريع عملاقة تحت ضغط مؤشرات اقتصادية مضطربة، من دون التزامٍ علنيٍّ بتحسينٍ حقوقي وسياسي. النجاح الحقيقي لا يقاس بحجم المذكرات والصور، بل بقدرة الرياض على تحويل الانفتاح الخارجي إلى عقدٍ اجتماعي داخلي يقلّص القمع ويُوسّع المشاركة، وبقدرة واشنطن على رفض جعل حقوق الإنسان بنداً هامشياً في الدبلوماسية والعلاقات الاقتصادية مع السعودية. وإلا ستبقى إعادة الضبط مجرّد إعادة إنتاجٍ لمعادلة قصيرة النفس، تُرحِّل الأزمات ولا تُعالجها.
خاتمة
إن الصورة الكلية التي يبرزها هذا التقرير لا تقتصر على مجرد رصد لسلسلة من الإخفاقات الاقتصادية، أو الانتهاكات الحقوقية، أو القرارات الأحادية التي تُتخذ باسم “الإصلاح”، بل تكشف عن منطق سلطوي شامل يُعيد صياغة الدولة والمجتمع وفق مقاس رجلٍ واحد، يُمارس الحكم كمن يحتكر الوطن: مشروعه هو المشروع، ورأيه هو الرؤية، وقراره هو المصير. تبدو المملكة اليوم وكأنها رهينة سردية مفرطة في الطموح، لكنها جوفاء في العمق، حيث تُختزل السياسات العامة في مشاهد احتفالية أو توقيعات شخصية على أغلفة الكتب، بينما تُصادر الحقوق، ويُقصى المجتمع من المشاركة الفعلية. هذا التحوّل من الدولة كمؤسسة إلى الدولة كشخص، من الوطن كمساحة مشتركة إلى الوطن كديكور يُعاد تصميمه لصالح الزعيم، هو أخطر ما تشهده السعودية في لحظتها الراهنة.
لكن الأهم من ذلك أن هذه المشاريع، مهما ضُخّمت، تظل بلا جذور، لأنها تفتقد إلى الشرعية الاجتماعية والسياسية. فليست الاستثمارات ولا الزيارات الخارجية هي ما يصنع الاستقرار، بل المشاركة والمساءلة والعدالة. ولهذا، كلما توسعت مشاريع “الهندسة السلطوية”، كلما اتسعت معها الفجوة بين المجتمع والسلطة، وكلما زادت المخاطر الأمنية والسياسية والاجتماعية. الملف الحقوقي وحده – كما في قضيتي الشمري ولباد – كفيل بأن يُظهر هشاشة خطاب “الإصلاح”، وكذب الحديث عن دولة جديدة. فالإعدام، حين يتحول إلى أداة لتأديب المجتمع وقمع الفكر، لا يكون فقط جريمة قانونية، بل مؤشرًا على انهيار الثقة بين السلطة والمجتمع، وغياب أي أفق حقيقي للتحول السياسي.
ما تحتاجه السعودية اليوم هو مشروع وطني جامع بديل، لا يُقصي أحدًا، ولا يُبنى على الولاء، بل على التمثيل الشعبي، واستقلال المؤسسات، وضمان الحقوق. مشروع يعيد تعريف “الوطنية” باعتبارها انتماء حرًا لا إملاء مفروضًا، ويعيد للتعليم دوره كرافعة للوعي، لا كأداة تزيين للسلطة.
لن يكون ذلك سهلًا، لكن مع تراكم الوعي، وتوسع دوائر النقد والمقاومة، تتبلور ملامح مرحلة جديدة: مرحلة لا تُقاس بحجم الأبراج ولا بكمية الصفقات، بل بمدى استعادة الإنسان لكرامته، وقدرته على أن يكون شريكًا لا تابعًا، وصاحب مصير لا موضوعًا للتجريب.
لقراءة كامل التقرير بنسخه بي دي إف