مقدمة
يهدف هذا التقرير إلى تقديم رصد وتحليل نقدي لأبرز الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية خلال شهر يناير من عام ٢٠٢٥ مع التركيز على تقييم سلوك النظام السعودي وسياساته. التقرير يُسلط الضوء على التناقضات بين التوجهات المعلنة والسياسات الفعلية، وتأثيرها على القضايا الإقليمية والدولية. تم إعداد التقرير بالاستناد إلى مصادر متنوعة، تشمل وكالات أنباء محلية ودولية، وتقارير منظمات دولية، وتحليلات خبراء.
شهد شهر يناير ٢٠٢٥ مشهداً سعودياً متناقضاً، حيث واصلت السلطة الترويج لخطابات التغيير والانفتاح، بينما بقيت السياسات الفعلية رهينة الحسابات الاستبدادية والمصالح الضيقة. ففي الملف السوري، تحاول السعودية استدراك خسائرها الاستراتيجية عبر التقارب مع النظام الجديد، لكن دون رؤية واضحة سوى الاستثمار في النفوذ السياسي والاقتصادي، مع مخاوف أمنية تتعلق بملف المقاتلين المعارضين السعوديين. يشمل هذا التقرير توسع في رصد وتقييم الموقف السعودي نحو الأحداث في سوريا.
داخليًا، جاء الإفراج عن بعض المعتقلين كمحاولة لامتصاص الضغوط الحقوقية، لكن مع بقاء القمع كنهجٍ أساسي، خاصة في ظل عودة ترامب، الذي يمنح الرياض مساحة أوسع لتجاهل حقوق الإنسان. أما التطبيع مع إسرائيل، فيبدو أنه لم يعد مسألة "إذا"، بل "متى"، حيث تتفاوض الحكومة وفق منطق الصفقات دون أي التزام جاد تجاه القضية الفلسطينية.
اقتصاديًا، كشفت الميزانية عن عجز متزايد وسياسات تقشفية تُطبَّق على التعليم والصحة، بينما تواصل هيئة الترفيه والقطاع الرياضي استنزاف المليارات في فعاليات لا تعود بأي نفع حقيقي. كيف يمكن تبرير تقليص الإنفاق على التعليم، في حين تُضخ أموال طائلة في حفلات وسباقات ومسابقات خادعة؛ سياسات تهدف إلى تخدير المجتمع وإشغاله بصخب الاستهلاك بينما يتراكم الدين العام دون خطة سداد واقعية. السعودية في يناير لم تكن دولة إصلاح، بل نموذجاً لاقتصاد موجه نحو الاستعراض السياسي والعبث المالي، على حساب مستقبل شعبها.
- السعودية والحالة السورية:
الموقف السعودي الأوّلي في أعقاب سقوط النظام السوري: بعد سنوات من الدعم المُعلن للثورة السورية، تغيّر الموقف السعودي بشكل جذري خلال الأعوام الأخيرة، حيث شرع مع محمد بن سلمان لإعادة احتواء النظام السوري بقيادة بشار الأسد، ليصل إلى قبول النظام السوري ضمن إطار التقارب العربي، حيث تم الاحتفاء بإعادة سوريا الأسد إلى جامعة الدول العربية. ثم بعد ذلك، وفي أقل من شهر تم إعادة فتح السفارة السعودية في دمشق. لكن تطور الأحداث في سوريا على الأرض غير المعادلة السياسية. فمع انتصارات الثوار في الشمال السوري ثم تحرير حمص وحماة وصولاً إلى دمشق أرتبك النظام السعودي في تحديد طريقة التعامل مع النظام السياسي الجديد.
في ٨ ديسمبر، بالتزامن مع سقوط النظام السوري السابق، أصدرت وزارة الخارجية السعودية بيانًا يؤكد دعم المملكة لخيار الشعب السوري في هذه المرحلة الحساسة، مع التشديد على أهمية الحفاظ على وحدة سوريا واستقرارها. هذا الموقف عكس رغبة سعودية واضحة في لعب دور إيجابي، لكن بحذر، لتجنب أي سيناريوهات قد تؤدي إلى الفوضى أو الانقسام.
شهدت الأيام التالية خطوات ملموسة لتفعيل التواصل والانفتاح التدريجي وجس نبض الحكومة السورية الجديدة، كان أبرزها إرسال وفد حكومي سعودي رفيع المستوى غير معلن، برئاسة مستشار في الديوان الملكي، للقاء القائد العام للإدارة السورية الجديدة (حالياً الرئيس السوري) أحمد الشرع. هذا اللقاء، الذي وُصف بالاستطلاعي، ركز على ملفات أمنية رئيسية مثل مكافحة تجارة الكبتاغون وضمان استقرار المنطقة. تميز اللقاء بالسرية، حيث لم تُنشر صور أو تفاصيل موسعة، ما يشير إلى حرص السعودية على عدم التسرع في موقفها، بانتظار مزيد من الوضوح الإقليمي والدولي.
استراتيجية الاستقطاب السياسي لكل الأطراف السورية: ظهر جلياً أن السعودية دخلت في محادثات استراتيجية مع القيادة السورية. على سبيل المثال: أبدى الشرع في مقابلة مع صحيفة "الشرق الأوسط" بتاريخ ١٩ ديسمبر اهتمامه ببناء شراكات اقتصادية وتنموية مع السعودية. أكد الشرع أن سوريا الجديدة لن تكون منصة لزعزعة استقرار الدول المجاورة، بل تسعى إلى تحقيق أمن إقليمي مشترك. الاستقطاب السياسي يشاهد بكل وضوح في معظم القنوات والبرامج السعودية بكافة منصاتها، حيث يتم استضافة العديد من المثقفين والسياسيين والناشطين السوريين، وتكثيف المحتوى المتعلق بسوريا من خلال أصوات سورية. إلى درجة أنه تم عمل وثائقيات وجولات في سجون الأسد عبر قنوات سعودية. هذا الاستقطاب وفتح منصات إعلامية ونافذة السوريين بكافة أنواعها هو طريقة فتح خطوط تواصل مع الطيف السوري والواسع، المؤيد للحكومة الجديدة والمعارضة لها.
مستقبل العلاقة السعودية السورية: يبدو جلياً أن السعودية لديها رغبة في أن تكون جزءًا من صناعة التحول السوري وأن تقطع حصتها في الحالة السورية. ولهذا رتبت و استضافت الحكومة السعودية ما يسمى "اجتماعات الرياض بشأن سوريا." هذا الاجتماع أكدت فيه السعودية على سعيها مع الدول العربية والأجنبية على مساعدة السوريين في رفع العقوبات "عنهم لعملية انتقالية سياسية سورية تتمثل فيها القوى السياسية والاجتماعية السورية تحفظ حقوق جميع السوريين وبمشاركة مختلف مكونات الشعب السوري، والعمل على معالجة أي تحديات أو مصادر للقلق لدى مختلف الأطراف عبر الحوار وتقديم الدعم والنصح والمشورة بما يحترم استقلال سوريا وسيادتها، أخذاً بعين الاعتبار أن مستقبل سوريا هو شأن السوريين، مؤكدين وقوفهم إلى جانب خيارات الشعب السوري، واحترام إرادته."
إلا أنه لا تزال هناك تحديات تواجهها الحكومة السعودية في مع الحالة السورية، في الحكومة التركية والقطرية أرسخ قدماً في المشهد السوري من السعودية التي تحاول أن تزاحم من خلال زعمها بأنها تستطيع أن تساعد سوريا الجديدة إقتصادياً وتنموياً، حيث تم الإعلان نهاية هذا الشهر عن توقيع عقد مع شركة أسمنت الجوف بقيمة ٣٨ مليون ريال مع الحكومة السورية. يبدوا أن هذا النوع من الصفقات التجارية سوف تتكرر في قادم الأيام. إضافة إلى تحديات سوف يتم الكشف عنها لاحقاً وأهمها ملف المقاتلين السعوديين الموجودين في سوريا، حيث أن الحكومة السعودية قلقة من وجود أي مكان يحتوي معارضين سعوديين فضلاً عن مقاتلين.
- إطلاق سراح عدد من المعتقلين:
أطلقت السلطات السعودية عدد غير قليل من معتقلي الرأي من المثقفين والأدباء والمفكرين الأبرياء الذين تم اعتقالهم في سبتمبر ٢٠١٧ ومابعده دون جريرة أو جناية قانونية. بالإضافة إلى معتقلي حسم وعلى رأسهم الدكتور محمد القحطاني، الذي انتهت محكوميته منذ أكثر من عام مع إخفاء قسري قامت به الحكومة السعودية لحجبه عن أهله، ضاربة عرض الحائط بكل النداءات والحملات الدولية والحقوقية للإفصاح عن مصير القحطاني في غياهب السجون السعودية.
- فوز ترامب في الانتخابات الأمريكية وتأثيره على الحكومة السعودية:
في إطار الانتخابات الأمريكية، تُوِّج الرئيس الأمريكي ترامب بالفوز وعودته للبيت الأبيض، وحيث أن هذه العودة لها عدد من التأثيرات السلبية على الحالة السعودية، فسنعرض بعض تجلياتها كالتالي:
1. تعزيز النزعة الاستبدادية وتجاهل حقوق الإنسان: يُنظر إلى ترامب على أنه أكثر تساهلًا مع سجل السعودية في مجال حقوق الإنسان مقارنة بالإدارات الديمقراطية، ما قد يشجع الحكومة السعودية على المزيد من قمع الأصوات المحلية المعارضة له دون خشية من ضغوط أمريكية حقيقية.
2. استمرار الدعم غير المشروط: فوز ترامب يعني استمرار الدعم الأمريكي غير المشروط للسياسات السعودية، خصوصًا في قضايا مثل التدخل في اليمن وبخس القضية الفلسطينية حقها على حساب الاحتلال الصهيوني، مما قد يُعرّض السعودية لانتقادات دولية ويزيد من العزلة الدبلوماسية.
3. نهج استغلالي في العلاقات: يُوصف ترامب باتباع سياسة "الصفقات" بدلًا من الشراكات الاستراتيجية، ما قد يعني استمرار ابتزاز السعودية ماليًا عبر صفقات أسلحة ضخمة أو فرض مزيد من الأعباء الاقتصادية عليها مقابل الحماية الأمريكية. وهو ما ظهر جلياً في الأسبوع الأول من توليه السلطة، أنه مستعد للذهاب إلى السعودية إذا تم الاستثمار في ٥٠٠ مليار دولار. في الوقت الذي أجابت السلطة أنها مستعدة للاستثمار في ٦٠٠ مليار دولار. في حين أن الحكومة السعودية ليس لديها القدرة في الحصول على هذا المبلغ الضخم والفلكي.
4. نفوذ ترامب على الحكومة السعودية: بالمقابل يملك ترامب أدوات نفوذ كبيرة وتأثير مباشر على الحكومة السعودية ما يمنحه قدرة على فرض الكثير من الشروط والأوضاع وهي الفرصة التي قد تحملها مفاجآت الظروف والأحداث وديناميكية العلاقة بين ترامب والكونغرس والإعلام الأمريكي وأدوات ضغط المجتمع المدني في واشنطن فيما يتعلق بالملف السعودي.
السنوات القادمة يتخوف الكثير من النشطاء والإصلاحيين والمراقبين من تزايد حملات القمع على الأصوات السعودية محلياً وخارجياً، ولا أحد يستطيع أن يتنبأ بتصرفات الحكومة السعودية في ملاحقة الأصوات المعارضة في الخارج. وربما يفكر محمد بن سلمان في القيام بخطوات غير محسوبة مثل ما حدث مع الصحفي جمال خاشقجي، وبالمقابل فهناك أدوات نفوذ كبيرة وفرصة تأثير أكبر على محمد بن سلمان في عهد ترامب منها في عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.
- التطبيع إسرائيل:
خلال الفترة الأخيرة من حكم بادين، وردت عدة مرات أن مساعي التطبيع مابين السعودية وإسرائيل ورادة في حال الوصول إلى صياغة حول وجود دولة فلسطينية. يأتي هذا التصريح بعد عام ونصف دامي من حرب إسرائيل على غزة، في ظل فشل عربي لإيقاف الحرب من خلال مبادرات خجولة وغير جدية. صرح السفير السعودي في بريطانيا خالد بن بندر ""السعودية بلد يتفاعل مع الجميع، والتفاعل هو السبيل لتحقيق التقدم للأمام، لكن لدينا خطوط حمراء بالنسبة للسعودية، لإنهاء 75 عاما من الألم والمعاناة الناتجة من مشكلة واحدة، يجب أن يشمل ذلك إقامة دولة فلسطينية" .
من المتوقع أن تستأنف مفاوضات وصفقات التطبيع ما بين الحكومة السعودية والإدارة الأمريكية حول شكل وهيئة التطبيع. حيث شرطت السعودية في فترة سابقة من عام ٢٠٢٤ أن السعودية خفضت من شروطها للتطبيع التي تريدها من الحكومة الأمريكية، وأهم ما تبقى من هذه الشروط هي الحماية الأمريكية.
- الإعلان عن العجز:
أعلنت وزارة المالية في البيان التمهيدي للميزانية العامة للدولة للعام المالي ٢٠٢٥ توقّع أن يبلغ إجمالي النفقات ما يقارب ١,٢٨٥ مليار ريال، وإجمالي الإيرادات نحو ١,١٨٤ مليار ريال، مسجلاً عجزاً بنسبة ٢.٣% من الناتج المحلي الإجمالي. في حين أنها أعلنت لاحقا في مطلع شهر يناير عن عجز عجز في ميزانية ٢٠٢٥ عند ١٠١ مليار ريال، بموازاة تقدير ارتفاع رصيد الدين بنحو ١٠٠ مليار ريال، ليصل إلى ١.٣ تريليون ريال بنهاية ٢٠٢٥.
لهذا اعتمدت الحكومة السعودية خطة الاقتراض لتغطية الاحتياجات التمويلية المتوقعة لعام ٢٠٢٥ تبلغ ما يقارب ١٣٩ مليار ريال سعودي؛ لتغطية العجز المتوقع في الميزانية العامة للدولة لعام ٢٠٢٥ الذي يقدر بحوالي ١٠١ مليار ريال سعودي، وفقاً لبيان وزارة المالية للميزانية العامة للدولة للعام المالي ٢٠٢٥ وسداد مستحقات أصل الدين خلال العام الحالي ٢٠٢٥ البالغة ما يعادل ٣٨ مليار ريال سعودي.
- إغلاق مكاتب إدارة التعليم:
أعلنت وزارة التعليم أنها سوف تبدأ في إلغاء ٣١ إدارة تعليمية و ١٣٨ مكتباً تعليمياً موزعة في مختلف أنحاء المملكة، وتقليص إدارات التعليم العامة إلى ١٦ إدارة تعليمية بدلاً من ٤٧ إدارة. تعد هذه الخطوة أحد خطوات مشاريع من خطة التحول الشامل خصخصة القطاعات الحكومية. للأسف أن التجارب تثبت أن مثل هذه الخطط والتصورات هي خطوة من السعي الحثيث من قبل الحكومة السعودية للتخلص من القطاعات الحكومية الأكثر تكلفة للميزانية، وهي التعليم والصحة. حيث لدى الحكومة السعودية تصور لتقليل الإنفاق على هذه المؤسسات من خلال إعادة هيكلتها وضبطتها بأقل عدد من المكاتب الإدارية والكادر الإداري.
- خاتمة:
يبرز هذا التقرير صورة شاملة للمشهد السعودي خلال شهر يناير ٢٠٢٥، حيث تعكس الأحداث والتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ديناميكيات متغيرة تعكس تباين السياسات المعلنة والممارسات الفعلية. ففي الملف السوري، يظهر أن السعودية تسعى لتعزيز حضورها في المشهد السوري الجديد، لكن دون استراتيجية واضحة المعالم، حيث تحاول مزاحمة نفوذ تركيا وقطر عبر الاستثمارات الاقتصادية والتواصل السياسي، بينما تواجه تحديات متعلقة بالمقاتلين السعوديين في سوريا وإمكانية تحول بعض المناطق إلى ملاذ للمعارضين السياسيين.
على الصعيد الداخلي، اتسم المشهد ببعض الانفراجات الحقوقية المحدودة، كإطلاق سراح بعض المعتقلين السياسيين، لكنه ظل محاطًا بالغموض والمخاوف المستمرة من حملات قمع جديدة، لا سيما مع فوز ترامب بالرئاسة الأمريكية، وهو ما قد يمنح السلطات السعودية مساحة أوسع لممارسة القمع دون ضغوط دولية تُذكر. أما في ملف التطبيع، فيبدو أن الرياض سوف تواصل مفاوضاتها مع واشنطن، مشروطة بالحصول على ضمانات أمريكية، ما يعكس أولوية المصالح السياسية والاستراتيجية على حساب القضية الفلسطينية.
اقتصاديًا، تكشف الميزانية العامة عن عجز مالي متزايد وارتفاع في الدين العام، وسط سياسات إنفاق ضخمة غير متوازنة. ففي الوقت الذي تُعلن فيه الحكومة عن تقليص إدارات التعليم ضمن خطة خصخصة تعكس نهج التقشف في القطاعات الحيوية، تستمر هيئة الترفيه والقطاع الرياضي في استنزاف الميزانية بمليارات الريالات دون رؤية اقتصادية مستدامة. هذا النهج يفضح تناقضات السياسات السعودية، حيث يُبرَّر التقشف في الخدمات الأساسية بحجة ضبط الإنفاق، بينما تُهدر الأموال في مشاريع ترفيهية ذات عائد اجتماعي واقتصادي مشكوك فيه، مما يعكس سلوكًا استبداديًا يُغلب المصالح السياسية على احتياجات المواطنين الفعلية ويزيد من الأعباء المالية على الأجيال القادمة دون حلول حقيقية لسداد الدين العام.