مقدمة
يهدف هذا التقرير إلى تقديم رصد وتحليل نقدي لأبرز الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية خلال شهر مارس من عام ٢٠٢٥ مع التركيز على تقييم سلوك النظام السعودي وسياساته. التقرير يُسلط الضوء على التناقضات بين التوجهات المعلنة والسياسات الفعلية، وتأثيرها على القضايا الإقليمية والدولية. تم إعداد التقرير بالاستناد إلى مصادر متنوعة، تشمل وكالات أنباء محلية ودولية، وتقارير منظمات دولية، وتحليلات خبراء. 
يشهد المشهد السياسي والاقتصادي في المملكة العربية السعودية تطورات متسارعة تكشف عن أزمات داخلية متفاقمة ومحاولات حكومية لإعادة ضبط التوازن السياسي وسط تصاعد الضغوط المحلية والدولية. فعلى الرغم من التصريحات الرسمية التي توحي بانفتاح النظام على المعارضة، إلا أن الواقع يعكس استمرار القمع والرقابة المشددة على أي صوت مخالف. في الوقت نفسه، تبرز بداية لأزمات اقتصادية واضحة، مثل توقع وشيك لانهيار شركات كبرى مثل "إعمار المدينة الاقتصادية"، إلى عجز البنوك السعودية غير المسبوق، مما يشير إلى هشاشة الاقتصاد في ظل المشاريع الضخمة التي لم تحقق النتائج المرجوة. على الصعيد الإقليمي، تحاول السعودية ترسيخ نفوذها الدبلوماسي من خلال استضافة محادثات دولية ومشاركة في قمم عربية، إلا أن هذه التحركات تبدو شكلية في ظل استمرار انتهاكاتها لحقوق الإنسان داخليًا وتورطها في استثمارات مشبوهة على المستوى الدولي. هذا التقرير يلقي الضوء على أبرز المستجدات السياسية والاقتصادية، ويكشف التناقضات الصارخة بين الخطاب الرسمي والواقع.


-    تصريح رئيس أمن الدولة عبدالعزيز الهويريني حول المعارضة:
في مطلع شهر رمضان الكريم
صرح رئيس أمن الدولة والمباحث العامة الضابط الهويريني بتوجيه خطاب للمعارضة بالعودة للوطن، حيث قال "السعودية ترحب بعودة المغرر بهم من الخارج ولن تعاقب من لم يرتكب جريمة أو تورط في (حق خاص)". ويأتي هذا التصريح كإشارة على تنامي خطاب المعارضة السعودية في الخارج بكافة أطيافها. حيث هي المرة الأولى التي تعترف السلطات السعودية بوجود معارضة وأنها تسعى لحل هذا الموضوع. ولكن تباينت ردود فعل المعارضة حيث صرح الأمين العام لحزب التجمع الوطني الدكتور عبدالله العودة: "عوضاً عن استقطاب المعارضين يجب دراسة أسباب المعارضة والعمل على مكافحتها عوضاً عن مكافحة المعارضة نفسها"، وأضاف "نعتقد بأنها مبادرة مخيفة يحتاج على الأقل حتى الذين غُرر بهم وليس المغرِّرين الذين يريدون العودة أيضاً، يحتاجون إلى أن يطمئنوا إلى صدق هذه الوعود" حيث أشار "نحن في المعارضة وفي الخارج لدينا قيم عالية ومهمة وهي الصدق والمصداقية والإنصاف حتى مع خصمنا ونعتقد أن هناك تقدم في ملف الإفراج عن بعض المعتقلين". 
يشير التصريح إلى وجود أزمة حقيقة في تعامل السلطة مع المعارضة، فهي فيما يبدو تواجه إشكاليات داخلية كبرى في تنامي التململ الشعبي من الوضع على مستويات متعددة مثل البطالة وتضخم الغلاء وفشل المشاريع الكبرى التي زعمت سابقاً أنها رافد أساسي وبديل للنفط، وبالمقابل تطور شبكة علاقات المعارضة في الخارج ودورها السياسي والإعلامي والقانوني على كل المستويات وإحراجها للسلطة السعودية في كافة المنصات الدولية الحقوقية والإعلامية. لهذا تأتي هذه الخطوة وقبلها خطوات الإفراج عن العديد من المعتقلين لمحاولة تخفيف الضغط الخارجي من المعارضة عليها. حيث أن أطياف المعارضة في الخارج يتطور سلوكها السياسي وخطابها الحقوقي بشكل تدريجي وهو ما يمثل عبء كبير على السلطة في التعامل معها. لهذا نعتبر أن تصريح الهويريني هو محاولة أولية لجس النبض العام، ونتوقع أن تكون هناك محاولات مستمرة من السلطة في التواصل مع الناشطين والإصلاحيين في الخارج.

-    زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون للسعودية:
في زيارة خارجية هي الأولى
للرئيس اللبناني، حيث زار السعودية في ٣ مارس، واستقبل استقبالاً فاخراً وبتغطية إعلامية مبالغ فيها. وتأتي هذه الزيارة وحفاوة الحكومة السعودية بها لأجل وضع قدم سياسي في لبنان، حيث فقدت السعودية تأثيرها في لبنان لعقد مضى بعد اغتيال رفيق الحريري. تسعى الحكومة السعودية حالياً للعمل على التأثير على السياسات اللبنانية وإزاحة أي تواجد إيراني في لبنان، وهذه الخطوة مرحب بها لدى الاحتلال الصهيوني وكذلك الأمريكان على حد سواء.


-    المشاركة في القمة العربية غير العادية المنعقدة في جمهورية مصر العربية:
أكدت السعودية في مشاركتها في القمة العربية غير العادية بالقاهرة من خلال
تصريح وزير الخارجية السعودي "إننا في المملكة نرفض بشكل قاطع المساس بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة سواء من خلال سياسات الاستيطان أو ضم الأراضي الفلسطينية، أو السعي إلى تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، كما نشدد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه، وإقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967م وعاصمتها القدس الشرقية". تأتي هذه القمة بعد تصريحات ترامب في مطلع شهر فبراير الماضي التي تقترح على السعودية ومصر والأردن بتهجير أهل غزة وتوطينهم في أراضيهم. لكن ردود الأفعال على هذه التصريحات لا تتناسب مع طبيعة العلاقة مع الاحتلال الصهيوني. فهناك اتفاقيات ملاحية وتجارية بين السعودية والاحتلال. أيضًا صرّح الرئيس الأمريكي بأنه هناك دول تريد الانضمام إلى "اتفاقيات إبراهيم" التي تسعى للتطبيع الكامل مع الاحتلال الصهيوني وتسوية القضية الفلسطينية. حيث لم يشر صراحة إلى السعودية، لكن تشير الاستنتاجات أن السعودية هي المقصودة بهذا.


-    استضافة الاجتماع الوزاري المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي والأردن:
عُقد في يوم ٧ مارس الاجتماع الوزاري المشترك بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمملكة الأردنية الهاشمية في مكة المكرمة.
حيث تم التأكيد على ١٢٦ قضية في بيانها الختامي. شملت القضية الفلسطينية وعرض نتائج "قمة فلسطين" المنعقدة في ٤ مارس ٢٠٢٥ بالقاهرة، مؤكدًا دعمه للشعب الفلسطيني في قطاع غزة وضرورة إنهاء الحصار المفروض عليه، مع ضمان وصول المساعدات الإنسانية. كما أدان المجلس قرار الاحتلال الإسرائيلي بوقف إدخال المساعدات إلى غزة، داعيًا المجتمع الدولي للتدخل.  وشمل البيان على تغطيات وتوصيات شكلية حول ما تم تسميته بالشراكات الاستراتيجية مع كل من الأردن، مصر، المغرب، وسوريا، مؤكدًا أهمية تنفيذ خطط العمل المشترك وتعزيز الشراكات الاستراتيجية مع هذه الدول.  وأيضا أشار بأهمية العمل الخليجي المشترك للانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد كمقترح تم عرضه. وعلى غير العادة أدان البيان الختامي استمرار الاحتلال الإيراني للجزر الثلاث التابعة للإمارات، مجددًا دعمه لسيادة الإمارات عليها. كما استنكر مزاعم الاحتلال الإسرائيلي بشأن خرائط تضم أجزاءً من دول عربية، داعيًا إلى احترام القانون الدولي.
لهذا تُتعبر بيانات وأعمال مجلس التعاون الخليجي تقليدية بحتة، ولا تخدم شعوب المنطقة إطلاقاً، مهما كانت التوصيات براقة، حيث إن التنسيق الأمني والسياسي هو المهمة الأساسية بين دول المجلس. على الرغم من وجود برامج وأفكار تنموية واقتصادية لكن تبقى هذه الدول عاجزة عن خلق لحمة خليجية حقيقة بين شعوب الخليج العربي، لطبيعتها السلطوية وتضاربها في المصالح، على سبيل المثال تم
مناقشة الصراع السعودي كويتي ضد إيران على حقل الدرة التي تسعى للتنقيب في هذا الحقل منذ مدة، دون الوصول لحلول حقيقة.

-    استضافة محادثات للسلام بين الولايات المتحدة وأوكرانيا:
استضافت الحكومة السعودية في مدينة جدة ١١ مارس
محادثات بين الوفدين الأمريكي والأوكراني بشأن وقف إطلاق النار في أوكرانيا وتعكس هذه الخطوة رغبة المملكة العربية السعودية في أن تلعب دوراً مصطنعاً كوسيط دبلوماسي في النزاعات الدولية. هذه المبادرة تعتقد السعودية أنها تعزز مكانتها على الساحة السياسية، خاصة في ظل توتر العلاقات بين الغرب وروسيا. ومع ذلك، تثير هذه الاستضافة تساؤلات حول مدى تأثيرها الفعلي على النزاع، إذ لم تحضر روسيا هذه المحادثات وهي طرف أساسي في الحرب، مما يضعف فرص نجاحها. علاوة على ذلك، تعتبر هذه الوساطة محاولة لتحسين صورة الدبلوماسية للمملكة، بدلًا من كونها جهدًا حقيقيًا لتحقيق السلام. كما أن هذه الاستضافة هي برعاية أمريكية تدعم السعودية كوسيط رئيسي لوقف الحرب. وهي رغبة ترامب بالمقام الأول وليس النظام الأمريكي المتورط في تأجيج هذه الحرب ودعم أوكرانيا في حربها. ولهذا نرى أن الطرف الروسي لم يأخذ المبادرة على محمل الجد وهو ما يشير إلى أن مثل هذه الخطوات شكلية، ومحاولة من ترامب تحديداً لتحسين صورة مبس وإعادته للمشهد، حتى لو لم تحقق نتائج ملموسة فورية.

-    معدل البطالة بين السعوديين:
صرح أحمد الراجحي وزير الموارد البشرية والاجتماعية بانخفاض نسبة البطالة إلى ما دون ٧٪، محققة أحد مستهدفات رؤية ٢٠٣٠،  هذا النوع من الأخبار هو جزء من استراتيجية الدولة في التعامل مع البطالة والتي هي في ازدياد، وحيث أن الأرقام السابقة غير واقعية وردود الأفعال في شبكات التواصل الاجتماعي على تصريح وزير الموارد البشرية والاجتماعية أحمد الراجحي تعكس الحقيقة أن أزمة البطالة متعمقة ومتجذرة في سياسات الحكومة وأن الدولة ليست مهتمة بإصلاح الوضع الاقتصادي للشباب والعاطلين. 

-    خسائر كبرى في شركة إعمار المدينة الاقتصادية:
تم الإعلان من خلال
اقتصاد الشرق - السعودية عن خسائر في شركة "إعمار المدينة الاقتصادية" السعودية بنسبة ٣٤٨.٦٪ في ٢٠٢٤ إلى نحو ١.١٤ مليار ريال بسبب تراجع مبيعات العقارات السكنية والأراضي الصناعية والتجارية إلى ما دون ٥٨.٧٪ إلى ٤٢٦ مليون ريال نتيجة تأخر توقيع عقود جديدة في القطاع التجاري. هذا التراجع الكبير هو مؤشر أن الشركة تعاني من أزمة اقتصادية في قطاع العقار، وهي أحد أهم مشاريع صندوق الاستثمارات العامة بملكية ٢٥٪ حيث أن فشل هذا المشروع خطير على قطاع العقار وأيضاً على ٧٥٪ من المساهمين في تداول أسهم هذه الشركة.

-    البنوك السعودية تواجه عجزاً في صافي الأصول الأجنبية:
البنوك السعودية تواجه عجزاً في صافي الأصول الأجنبية لأول مرة منذ العام ١٩٩٣، حيث أصدرت البنوك السعودية أدوات دين مقومة بالدولار بقيمة ٨.٣ مليار دولار خلال عامي ٢٠٢٤ و ٢٠٢٥ لتمويل المشاريع. وتشير بعض المصادر أن سبب هذا العجز هو عدة أمور: ١- شح السيولة المحلية: ارتفعت نسبة القروض إلى الودائع إلى ١٠٦.٤٪. أي أن الطلب على القروض في تزايد مستمر، والبنوك في السنوات الماضية -وتحت ضغط الحكومة- تسهل إعطاء القروض خصوصا للمشاريع التجارية. مما يجعل خزانة البنك تعطي أكثر مما تحصل عليه من الودائع المالية. ٢- تمويل المشاريع الكبرى وعلى رأسها مشاريع نيوم. حيث رأينا في الفترات الماضية وخلال السنوات السابقة ضغط الحكومة السعودية على البنوك للمشاركة في تمويل هذه المشاريع المشكوك في مدى واقعيتها ونجاحها. ٣- ضغوط على الإيرادات النفطية: الإيرادات النفطية تشكل مصدراً رئيسياً لتمويل الودائع المصرفية، انخفاض أسعار النفط أقل من ٨٠ دولار يشكل ضغط عليها.

-    صندوق الاستثمار السعودي يستثمر في شركة تمول الحرب على غزة
أشارت
صحيفة صوت الناس أن صندوق الاستثمارات العامة، وشركة جولدمان ساكس لإدارة الأصول وقعت مذكرة تفاهم غير ملزمة، بحيث يكون الصندوق من خلالها مستثمراً استراتيجياً أساسياً في استراتيجيات استثمار جديدة تشمل الائتمان الخاص والأسهم العامة في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وتخضع مذكرة التفاهم غير الملزمة، لاستيفاء بعض الشروط الضرورية، وتحقيق مجموعة من الأهداف المحددة. وجولدمان ساكس عملت على توسيع حضورها في المملكة على مدى السنوات الأخيرة، حيث أعلنت مؤخراً عن افتتاح مكتب جديد لها في الرياض. والجدير بالذكر أن هذه الشركة تعد واحدة من الشركات التي مولت الحرب على غزة. 
والهدف من هذا الاستثمار مع "جولدمان ساكس" هو لجذب رؤوس أموال من المستثمرين العالميين، على أن يخصص جزء كبير من رؤوس الأموال للاستثمار في المملكة. وفي ذات السياق علق نائب المحافظ ورئيس الإدارة العامة للاستثمارات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «صندوق الاستثمارات العامة»، يزيد بن عبد الرحمن الحميّد، قائلاً: إن هذا التعاون يعكس جهود الصندوق المستمرة لبناء شراكات جديدة مع مجموعة متنوعة من المؤسسات المالية العالمية الرائدة بما يعزّز الأسواق المحلية. وأضاف: «تشكّل مذكرة التفاهم خطوة إضافية في تحقيق رؤية الصندوق المتمثلة في جذب مجموعة واسعة ومتنوعة من رؤوس الأموال والخبرات العالمية إلى المنطقة، بالإضافة إلى نقل المعرفة وبناء القدرات في المملكة».

الخاتمة:
 إن السياسات السعودية الحالية تعكس حالة من التخبط الواضح بين محاولات تحسين الصورة الدولية للنظام وبين استمرار النهج الاستبدادي داخليًا. فمن جهة، تسعى المملكة إلى الظهور كوسيط دبلوماسي فاعل عبر استضافة المحادثات الدولية والمشاركة في القمم العربية، لكنها في المقابل تستمر في القمع السياسي، والتضييق على حرية التعبير، وانتهاك حقوق الإنسان. المعارضة السعودية في الخارج تزداد قوة وتنظيماً، ويبدو أن النظام بات يدرك أن سياسات القمع وحدها لن تكون كافية لاحتواء حالة الإحباط الشعبي المتنامي وانكشاف حقيقة مشاريع محمد بن سلمان الخيالية والوهمية، مما يدفعه إلى تقديم مبادرات شكلية للحوار مع المعارضين دون ضمانات حقيقية. أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الأرقام الرسمية التي تروجها الحكومة لا تعكس الواقع الفعلي، حيث تعاني البلاد من أزمة بطالة متفاقمة، وإشكاليات اقتصادية في قطاعات رئيسية، وعجز مالي غير مسبوق يهدد استقرار النظام المالي للبنوك السعودية برمتها. وبينما يستثمر النظام في شركات تدعم الاحتلال الإسرائيلي، تستمر معاناة الشعب السعودي من التفاوت الاقتصادي وانعدام الفرص الحقيقية الموعودة للشباب والطامحين للرفاه الاقتصادي. هذه السياسة القائمة على الإنكار والمكابرة لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمات، ولن تكون قادرة على إيقاف موجة المعارضة المتصاعدة داخليًا وخارجيًا.
 

 

 

Pdf التقرير نسخة

To Top